د. ياسمين الخياط
لم تعد المنافسة الاقتصادية بين القوى الكبرى تدور حول حجم الإنتاج أو السيطرة على الأسواق التقليدية فحسب. هناك معركة جديدة تتشكل حول ثلاثة عناصر مترابطة: الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على تمويل البنية التحتية الرقمية. ومن ينجح في الجمع بين هذه العناصر سيمتلك نفوذاً يتجاوز حدود التجارة والصناعة ليصل إلى الأمن القومي وصناعة القرار الدولي.
لقد تحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد المحركات الرئيسية للاستثمار العالمي. فالشركات والدول تتسابق لبناء مراكز البيانات وتطوير الرقائق الإلكترونية وتوسيع شبكات الحوسبة. لكن هذه الثورة تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء والمياه والمعادن والبنية التحتية، ما يجعل التكنولوجيا مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الطاقة والموارد الطبيعية.
وهنا تظهر مفارقة الاقتصاد الجديد: العالم يتحدث عن الثورة الرقمية، لكنه يحتاج إلى موارد مادية هائلة لتشغيلها. فمراكز البيانات لا تعمل بالشعارات، بل بالكهرباء المستمرة، وشبكات النقل، وأنظمة التبريد، والقدرة على تأمين الرقائق المتقدمة. ولذلك أصبحت الطاقة جزءاً من معادلة التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا.
وتأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه الاقتصادات العالمية ضغوطاً إضافية بسبب اضطرابات الطاقة والتجارة. فقد حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من استمرار الضغوط التضخمية والمخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة، رغم صمود النمو العالمي أمام الصدمات المتتالية. كما أشارت إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يدعم النشاط الاقتصادي، لكنه يخلق مخاطر إذا لم تتحول التوقعات المرتفعة إلى عوائد إنتاجية حقيقية.
أما الدول النامية، فتواجه تحدياً مزدوجاً. فهي تحتاج إلى استثمارات ضخمة لتطوير بنيتها الرقمية، لكنها لا تملك دائماً التمويل أو الخبرات أو القدرة الصناعية اللازمة لمنافسة الاقتصادات المتقدمة. وقد يؤدي ذلك إلى نشوء شكل جديد من التبعية، لا يقوم فقط على استيراد التكنولوجيا، بل على الاعتماد على شركات خارجية تتحكم في البيانات والحوسبة والخدمات الرقمية.
في هذا السياق، تصبح الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة ومصادر الطاقة عناصر في الأمن القومي. فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية تفوقها التكنولوجي، والصين تعمل على تعزيز استقلالها في الصناعات المتقدمة، بينما تحاول أوروبا تقليص اعتمادها الخارجي في القطاعات الحيوية. وكل طرف يدرك أن التفوق في الذكاء الاصطناعي لن يتحقق بمجرد امتلاك البرمجيات، بل بالسيطرة على منظومة الإنتاج والتشغيل والتمويل.
ولا يمكن فصل هذه المنافسة عن التوترات الجيوسياسية. فالتصعيد في الشرق الأوسط واضطراب طرق الشحن والطاقة يؤثران في تكلفة تشغيل الصناعات الرقمية، كما أن القيود التجارية والعقوبات قد تعطل سلاسل توريد الرقائق والمعادن. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن التوترات الجيوسياسية باتت من أبرز المخاطر التي تواجه التجارة العالمية، مع توقع تباطؤ نمو تجارة السلع في عام 2026 مقارنة بالعام السابق.
بالنسبة إلى الدول العربية، لا ينبغي أن يقتصر الطموح على استضافة مراكز البيانات أو شراء أنظمة الذكاء الاصطناعي. المطلوب هو الاستثمار في التعليم والبحث العلمي وتصنيع المكونات وتطوير التطبيقات المحلية، وربط الطاقة المتجددة بالاقتصاد الرقمي، وبناء شراكات تنقل المعرفة بدلاً من الاكتفاء باستيرادها.
إن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة لن تكون فيها الثروة مرتبطة فقط بما تمتلكه الدول من نفط أو غاز أو رؤوس أموال، بل بما تستطيع إنتاجه من معرفة وتقنية وقدرة على تشغيل البنية التحتية الرقمية.
في القرن الحادي والعشرين، لن تكون المعركة فقط على من يمتلك الطاقة، بل على من يستطيع تحويلها إلى حوسبة ومعرفة وإنتاج. ومن لا يدخل هذه المعادلة سيجد نفسه مستهلكاً لتكنولوجيا الآخرين، لا شريكاً في صناعة المستقبل.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
