د. عزمي الراوي
لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 مجرد منافسة على رئاسة الحكومة أو توزيع المقاعد في الكنيست، بل كشفت عن أزمة أعمق تتعلق بهوية الدولة واتجاهها الاستراتيجي وموقعها في الشرق الأوسط. فإسرائيل التي دخلت مرحلة ما بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، والحروب التي امتدت إلى جبهات متعددة، تجد نفسها اليوم أمام استحقاق سياسي لا يتعلق فقط بمستقبل بنيامين نتنياهو، وإنما بمستقبل العقيدة الأمنية التي حكمت قراراتها خلال السنوات الأخيرة.
لقد خسر معسكر نتنياهو أغلبيته البرلمانية، لكنه لم يمنح المعارضة طريقاً سهلاً إلى السلطة. وأظهرت النتائج النهائية حصول معسكره على 53 مقعداً مقابل 48 مقعداً للمعارضة، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست. وهذا يعني أن أياً من المعسكرين لا يمتلك الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعداً، لتشكيل حكومة مستقرة بمفرده.
وفي 3 نوفمبر، اتفقت قيادات المعارضة على دعم غادي آيزنكوت لتولي رئاسة الحكومة، في محاولة لإنهاء حكم نتنياهو. غير أن الطريق إلى تشكيل حكومة جديدة لا يزال معقداً بسبب الخلافات حول طبيعة الائتلاف، وموقف الأحزاب العربية، وإمكانية التوصل إلى تفاهمات مع قوى اليمين.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم العربية والإقليمية ليس فقط من سيجلس في مكتب رئيس الوزراء في القدس، بل ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستعيد النظر في طريقة تعامل إسرائيل مع محيطها الإقليمي.
أزمة نتنياهو ليست بالضرورة أزمة العقيدة الأمنية
من الخطأ الاعتقاد أن رحيل نتنياهو، إذا تحقق، سيؤدي تلقائياً إلى تحول جذري في السياسة الإسرائيلية. فالتوجهات المتعلقة بإيران والردع العسكري والوجود الأمني خارج الحدود الإسرائيلية لا ترتبط بشخص رئيس الحكومة وحده، بل تستند إلى تصورات راسخة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية وقطاعات واسعة من الطبقة السياسية.
لقد رسخت أحداث 7 أكتوبر 2023 قناعة لدى قطاعات كبيرة من المجتمع الإسرائيلي بأن الاعتماد على الاحتواء والتفاهمات الأمنية لم يعد كافياً. ومنذ ذلك الحين، تعزز الاتجاه نحو استخدام القوة العسكرية بصورة استباقية، وتوسيع مفهوم الدفاع إلى ما وراء الحدود، والاعتماد على التفوق الاستخباراتي والجوي والتكنولوجي.
وهذا يفسر لماذا لا تعني معارضة نتنياهو بالضرورة معارضة نهجه تجاه إيران. فعدد من منافسيه ينطلقون من تقدير أمني يعتبر البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وشبكة التحالفات الإقليمية لطهران تحديات استراتيجية لإسرائيل. وقد خلص تحليل نشرته رويترز قبل الانتخابات إلى أن الاختلاف بين المعسكرات الإسرائيلية يتعلق بدرجة التصعيد وأدواته أكثر مما يتعلق بالاتجاه الاستراتيجي العام.
وبالتالي، قد تشهد إسرائيل تغييراً في أسلوب إدارة المواجهة مع إيران، وربما في مستوى التنسيق مع واشنطن، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التخلي عن سياسة الضغط العسكري والاستخباراتي.
إيران: الخصم الذي يوحد الخصوم
تظل إيران إحدى القضايا القليلة التي يمكن أن تجمع بين تيارات سياسية إسرائيلية متنافسة. فحتى القيادات التي تنتقد نتنياهو في إدارة الحرب لا تتبنى بالضرورة مقاربة تصالحية مع طهران.
لكن هناك فرقاً بين مواجهة القدرات الإيرانية ومحاولة تغيير النظام السياسي في إيران. فالأولى قد تكون جزءاً من استراتيجية الردع والاحتواء، أما الثانية فتفتح الباب أمام حرب طويلة يصعب تحديد نهايتها أو ضمان نتائجها.
وقد برهنت المواجهات الإقليمية أن التفوق العسكري لا يترجم دائماً إلى انتصار سياسي مستدام. فاستهداف المنشآت العسكرية أو البنية التحتية لا يضمن تغيير حسابات الخصم، كما أن إضعاف قدراته لا يعني بالضرورة إنهاء نفوذه الإقليمي.
ومن هنا، قد تجد الحكومة الإسرائيلية المقبلة نفسها أمام معضلة حقيقية: كيف تحافظ على الضغط على إيران من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تستنزف الاقتصاد الإسرائيلي وتزيد من عزلة الدولة دولياً؟
واشنطن لم تعد كما كانت
من أبرز نتائج المرحلة الحالية تزايد التداخل بين السياسة الداخلية الأميركية والعلاقة مع إسرائيل. فقد أصبحت الحرب والسياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وإيران موضوعات حاضرة بقوة في النقاش الأميركي، ولم تعد العلاقة بين البلدين محصورة في التفاهمات الأمنية التقليدية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بعد الانتخابات النصفية الأميركية في 3 نوفمبر 2026، وما رافقها من تغير في موازين القوى داخل الكونغرس. فقد استخدم قادة المعارضة الإسرائيلية هذه النتائج للقول إن استمرار نتنياهو في الحكم أضر بالعلاقة مع الحزب الديمقراطي وبالتوافق الأميركي الحزبي حول إسرائيل.
وهنا تكمن إحدى أكبر المشكلات الاستراتيجية أمام إسرائيل. فقد اعتمدت لعقود على اعتبار الدعم الأميركي ركيزة ثابتة في أمنها القومي، لكن التحولات في الرأي العام الأميركي والانقسامات الحزبية جعلت هذا الدعم أكثر ارتباطاً بالنقاش السياسي الداخلي في الولايات المتحدة.
وقد تحاول حكومة بقيادة آيزنكوت أو غيره إعادة بناء الجسور مع الديمقراطيين، وتخفيف الخلافات مع بعض المؤسسات الأميركية، وتقديم صورة أكثر اعتدالاً في إدارة الملفات الإقليمية. إلا أن ذلك لن يكون كافياً إذا استمرت السياسات التي تضع العلاقة مع واشنطن أمام اختبارات متكررة.
الفلسطينيون خارج الحسابات؟
المفارقة أن الانتخابات الإسرائيلية، رغم تداعياتها الإقليمية، لم تقدم حتى الآن مؤشرات واضحة على تحول جوهري في الموقف من إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
فالقضية الفلسطينية لا تزال محكومة باعتبارات الأمن والاستيطان والهوية السياسية والائتلافات الحزبية. كما أن الانقسام الداخلي الفلسطيني وغياب مسار سياسي موحد يتيحان للحكومات الإسرائيلية تأجيل البحث في التسوية النهائية.
وقد لا تختلف الحكومة الجديدة كثيراً عن سابقتها في القضايا الجوهرية، حتى لو تبنت لغة دبلوماسية مختلفة أو حاولت تحسين علاقاتها مع العواصم الغربية. فالتغيير في الخطاب لا يكفي إذا لم يصاحبه تغيير في الوقائع على الأرض، بما في ذلك الاستيطان وحرية الحركة والحقوق السياسية للفلسطينيين.
ومن هنا، فإن أي حديث عن مرحلة إسرائيلية جديدة ينبغي أن يقاس بمدى استعداد الحكومة المقبلة لإعادة فتح المسار السياسي، وليس فقط بقدرتها على تحسين صورتها الدولية.
الشرق الأوسط أمام اختبار جديد
بالنسبة إلى الدول العربية، فإن تغير الحكومة الإسرائيلية قد يفتح نافذة دبلوماسية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى رهان على أن إسرائيل ستغير تلقائياً سياستها الإقليمية.
فالأردن، على سبيل المثال، ينظر إلى الاستقرار في الضفة الغربية باعتباره جزءاً مباشراً من أمنه الوطني، ويرفض أي محاولات لفرض التهجير أو تغيير الواقع الديمغرافي على حسابه. كما أن دول الخليج توازن بين حاجتها إلى الاستقرار الإقليمي ومخاوفها من استمرار المواجهة مع إيران ومن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
أما تركيا، فستراقب طبيعة الحكومة الجديدة وموقفها من سوريا وغزة وشرق المتوسط، في حين ستتابع القاهرة تطورات الملف الفلسطيني وانعكاساتها على أمن سيناء ومعبر رفح.
إن إسرائيل لا تعيش أزمة تشكيل حكومة فحسب، بل تواجه سؤالاً أوسع يتعلق بموقعها في نظام إقليمي يتغير باستمرار. فالقوة العسكرية تستطيع فرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام سياسي مستقر أو إنتاج قبول إقليمي دائم.
ما بعد نتنياهو
قد تنجح المعارضة في تشكيل حكومة جديدة، وقد يتمكن نتنياهو من إعادة تجميع حلفائه، وقد تنتهي الأزمة بانتخابات مبكرة أخرى. لكن أياً من هذه الاحتمالات لن يحل تلقائياً التناقضات التي تواجهها إسرائيل.
فالمجتمع الإسرائيلي منقسم بشأن العلاقة بين الدين والدولة، ومستقبل الخدمة العسكرية، وحدود سلطة الحكومة، ومكانة الفلسطينيين، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة. وهذه قضايا تتجاوز المنافسة بين حزب الليكود وأحزاب المعارضة.
كما أن إسرائيل تحتاج إلى مراجعة العلاقة بين القوة العسكرية والنتائج السياسية. فالحروب المتعددة لا توفر بالضرورة أمناً دائماً، والتفوق العسكري لا يعوض غياب التسوية السياسية، كما أن إضعاف الخصوم لا يضمن اختفاء أسباب الصراع.
بالنسبة إلى المنطقة، لا ينبغي التعامل مع خروج نتنياهو أو بقائه باعتباره نقطة تحول بحد ذاته. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستغير سياستها تجاه الفلسطينيين، وتعيد تعريف علاقتها بإيران، وتراجع استخدام القوة خارج حدودها، وتعيد بناء علاقة أكثر توازناً مع الولايات المتحدة.
قد يتغير رئيس الحكومة في إسرائيل، وقد تتبدل التحالفات داخل الكنيست، لكن التغيير الحقيقي لن يبدأ إلا عندما تعيد الدولة النظر في افتراضاتها الاستراتيجية: أن الأمن يمكن أن يتحقق بالقوة وحدها، وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية لا يحمل كلفة، وأن التفوق العسكري قادر على تعويض غياب التسوية السياسية.
إسرائيل بعد نتنياهو ليست بالضرورة إسرائيل مختلفة. والسؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط هو ما إذا كانت القيادة الجديدة ستكتفي بتغيير أسلوب إدارة الصراع، أم ستجرؤ على مراجعة أسبابه وجذوره.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
