أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / واشنطن تنتخب والشرق الأوسط يترقب: كيف يمكن للانتخابات الأميركية أن تعيد رسم مسار الحرب مع إيران؟

واشنطن تنتخب والشرق الأوسط يترقب: كيف يمكن للانتخابات الأميركية أن تعيد رسم مسار الحرب مع إيران؟

لم تعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية مجرد استفتاء داخلي على أداء الإدارة الرئاسية، بل تحولت إلى محطة استراتيجية تترقبها طهران وتل أبيب والعواصم الخليجية، وسط تداعيات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية لتطال أمن الطاقة والاقتصاد العالمي وموازين القوى الدولية.

اكتسبت الانتخابات الأميركية بعداً دولياً استثنائياً، في وقت تجد فيه الولايات المتحدة نفسها أمام مجموعة من التحديات المتشابكة، تتقدمها المواجهة العسكرية مع إيران، والتوترات الإقليمية، والضغوط الاقتصادية، وتزايد التساؤلات حول قدرة واشنطن على إدارة التزاماتها الخارجية من دون الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد. ومع توجه الناخبين الأميركيين إلى صناديق الاقتراع في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، لم يعد تأثير السياسة الداخلية الأميركية محصوراً في واشنطن، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الحسابات الاستراتيجية لطهران وتل أبيب والرياض وأبوظبي والدوحة، فضلاً عن القوى الدولية الكبرى.

بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب، تأتي انتخابات التجديد النصفي في لحظة سياسية حساسة، إذ يتعين على إدارته التوفيق بين أهدافها الأمنية والعسكرية في مواجهة إيران وبين التداعيات الاقتصادية المترتبة على استمرار الحرب. فقد أصبحت أسعار الطاقة واضطرابات الملاحة البحرية وتكاليف النقل والتأمين عوامل مؤثرة مباشرة في حياة الأميركيين، الأمر الذي يجعل السياسة الخارجية جزءاً لا يتجزأ من النقاش الداخلي حول التضخم وتكاليف المعيشة والقدرة الشرائية.

إن التمييز التقليدي بين الحروب الخارجية والأولويات الاقتصادية الداخلية لم يعد مقنعاً كما كان في السابق. فالتطورات العسكرية على بعد آلاف الكيلومترات من الولايات المتحدة يمكن أن تنعكس على أسعار الوقود والنقل والمواد الغذائية والإنتاج الصناعي، وهو ما يضع الإدارة الأميركية أمام معادلة سياسية معقدة: كيف تحافظ على أهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط من دون أن تتحول الحرب إلى عبء اقتصادي وسياسي داخلي؟

ولا تقتصر أهمية الانتخابات على عدد المقاعد التي سيحصل عليها الجمهوريون أو الديمقراطيون، بل تتصل بطبيعة التوازن المؤسسي بين البيت الأبيض والكونغرس. فالسيطرة على أحد المجلسين أو كليهما تؤثر في الموازنات العسكرية، والإنفاق الدفاعي، والمساعدات الخارجية، والرقابة التشريعية على العمليات العسكرية، فضلاً عن قدرة الإدارة على تمرير أولوياتها المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية.

ومع ذلك، فإن تغير السيطرة على الكونغرس لا يعني بالضرورة وقف العمليات العسكرية أو تخلي واشنطن عن أهدافها تجاه إيران. لكنه قد يفرض قيوداً سياسية وتشريعية إضافية، ويزيد من صعوبة توفير التمويل اللازم للانتشار العسكري طويل الأمد، كما قد يفتح المجال أمام تحقيقات وجلسات استماع تتناول كلفة الحرب وأهدافها ومدى تحقيقها للمصالح الأميركية.

أما طهران، فتتعامل مع الانتخابات الأميركية باعتبارها أحد المتغيرات المؤثرة في حساباتها الاستراتيجية. فقد اعتادت القيادة الإيرانية مراقبة الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة، وتقدير مدى قدرة الرأي العام الأميركي على تحمل تكاليف المواجهات العسكرية الخارجية. ومن هذا المنظور، قد ترى طهران أن تزايد الاستياء الداخلي من الحرب يمثل فرصة للضغط على واشنطن سياسياً ودبلوماسياً.

لكن هذا التقدير قد ينطوي على مخاطر إذا أساءت إيران تفسير الخلافات الأميركية بشأن مدة الحرب وكلفتها باعتبارها مؤشراً على غياب الإرادة الأميركية للرد على الهجمات التي تستهدف قواتها أو مصالحها أو حلفاءها. فالانقسام الداخلي حول إدارة الحرب لا يعني بالضرورة التخلي عن المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.

وتواجه إسرائيل حسابات مختلفة. فقد ظلت القدرات العسكرية الإيرانية وبرنامجها النووي وشبكة علاقاتها الإقليمية تمثل عناصر أساسية في التقدير الأمني الإسرائيلي. غير أن الأهداف الإسرائيلية المتعلقة بتوقيت العمليات العسكرية ونطاقها ونتائجها النهائية قد لا تتطابق دائماً مع الحسابات السياسية الأميركية.

فالإدارة الأميركية مطالبة بمراعاة حماية قواتها المنتشرة في المنطقة، وأمن شركائها الخليجيين، ومخزون الذخائر الدقيقة، واحتمالات الرد الإيراني، فضلاً عن تأثير الحرب على الاقتصاد الأميركي. وفي المقابل، يتعين على الحكومة الإسرائيلية تقدير ما إذا كانت الضغوط العسكرية قادرة على تحقيق نتائج استراتيجية مستدامة أم أنها ستؤدي إلى تأجيل المواجهة إلى مرحلة لاحقة.

وهنا تبرز أهمية العلاقة الأميركية الإسرائيلية، التي لا تلغي وجود اختلافات في تقدير مخاطر التصعيد وإدارة المواجهة. فالتعاون العسكري والاستخباراتي الوثيق بين البلدين لا يعني بالضرورة تطابق الأولويات في جميع مراحل الصراع.

أما دول الخليج، فتجد نفسها في موقع بالغ الحساسية، لأنها تتحمل جانباً كبيراً من المخاطر الجغرافية والاقتصادية الناجمة عن الحرب، رغم أنها لا تتحكم بالضرورة في القرارات العسكرية التي تحدد مسارها. فالسعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين مطالبة بحماية منشآتها النفطية والغازية وموانئها ومراكزها المالية وممراتها البحرية، في الوقت الذي تعتمد فيه بدرجات مختلفة على الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة.

وتبرز أهمية مضيق هرمز باعتباره شرياناً استراتيجياً للتجارة الدولية والطاقة. فأي اضطراب مستمر في حركة الملاحة عبره لا يقتصر تأثيره على الدول الخليجية، بل يمتد إلى أسواق النفط والغاز والنقل البحري والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية. وتشير تقديرات مجلس العلاقات الخارجية إلى أن نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ونحو 19 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، مرّا عبر المضيق خلال عام 2025.

ومن هنا، فإن نتائج الانتخابات الأميركية ستنعكس على حسابات المنطقة من خلال عدة قنوات متداخلة. فقد تؤدي زيادة القيود السياسية على الإدارة إلى تشجيع المسار الدبلوماسي، أو إلى تعقيد تمويل العمليات العسكرية. وفي المقابل، قد يمنح استمرار الدعم التشريعي للإنفاق الدفاعي البيت الأبيض مساحة أوسع لمواصلة عملياته.

غير أن مستقبل الحرب لن يتحدد بالقرار الأميركي وحده، إذ ستظل الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والخليجية عوامل حاسمة في تحديد اتجاه التصعيد أو التهدئة.

وثمة مسألة أخرى تتصل بمصداقية الولايات المتحدة. فقد أمضت واشنطن عقوداً في بناء منظومة أمنية إقليمية تقوم على الانتشار العسكري، ونقل الأسلحة، والتعاون الاستخباراتي، وحماية الممرات البحرية. وإذا خلصت العواصم الخليجية إلى أن الالتزامات الأميركية أصبحت أكثر ارتباطاً بالدورات الانتخابية الداخلية، فقد تتجه إلى تسريع تنويع علاقاتها الدفاعية والدبلوماسية والاقتصادية.

ولا يعني ذلك التخلي عن الشراكة مع الولايات المتحدة، بل السعي إلى امتلاك هامش أوسع من الاستقلال الاستراتيجي، من خلال توسيع العلاقات مع الصين وأوروبا وتركيا وغيرها من القوى الدولية.

وبالتالي، فإن الانتخابات الأميركية لن تؤثر في مستقبل الحرب مع إيران فحسب، بل ستسهم أيضاً في تحديد طبيعة النظام الإقليمي الذي قد يتشكل بعدها. فالسؤال الجوهري يتمثل في قدرة المؤسسات السياسية الأميركية على الحفاظ على استراتيجية متماسكة في الشرق الأوسط، بالتزامن مع الاستجابة للمطالب الاقتصادية والسياسية للناخب الأميركي.

بالنسبة إلى طهران، سيكون التحدي في تقدير حدود الصبر الأميركي. وبالنسبة إلى إسرائيل، يتمثل في الحفاظ على أهدافها الأمنية والاستراتيجية. أما دول الخليج، فستسعى إلى منع تحول مشاريعها الاقتصادية والتنموية إلى ضحايا جانبية لصراع لم تختر أن تكون جزءاً مباشراً منه.

إن صناديق الاقتراع الأميركية لن تحسم مستقبل الشرق الأوسط بمفردها، لكنها ستحدد جانباً من الظروف السياسية التي ستُدار في ظلها المرحلة المقبلة. وفي نظام دولي مترابط، أصبحت المسافة بين مركز اقتراع في الولايات المتحدة ومنشأة نفطية في الخليج أقصر بكثير مما كانت عليه في السابق.