أخبار عاجلة
الرئيسية / الرأي / أراء / تركيا بين أوروبا والشرق الأوسط: الجغرافيا التي تتحول إلى نفوذ سياسي

تركيا بين أوروبا والشرق الأوسط: الجغرافيا التي تتحول إلى نفوذ سياسي

ميادة الراوي

تجد تركيا نفسها اليوم أمام فرصة استراتيجية لا تتكرر كثيراً: أن تتحول من دولة تقع على تخوم أوروبا والشرق الأوسط إلى لاعب يصعب تجاوز دوره في صياغة التوازنات بينهما. فالحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، ومستقبل سوريا، وأمن البحر الأسود، كلها ملفات تعيد وضع أنقرة في قلب الحسابات الدولية.

ويعكس تقرير الاتحاد الأوروبي بشأن تركيا، الصادر في الرابع من نوفمبر 2026، هذا التناقض بوضوح. فالعلاقات بين الطرفين لا تزال تعاني من جمود في مسار الانضمام إلى الاتحاد، لكن الأهمية الجيوسياسية لأنقرة تزداد بفعل التطورات في سوريا وأوكرانيا وغزة وجنوب القوقاز.

هذا التباين يكشف حدود السياسة الأوروبية تجاه تركيا. فمن جهة، توجد خلافات عميقة بشأن الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان وقضايا شرق المتوسط. ومن جهة أخرى، تحتاج أوروبا إلى التعاون مع أنقرة في ملفات الأمن والطاقة والهجرة والدفاع، ولا سيما في ظل التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية الأوروبية.

أما تركيا، فهي تسعى إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي. لا تريد أن تكون مجرد شريك تابع للغرب، لكنها لا تستطيع أيضاً الاستغناء عن علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع أوروبا والولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، ترى في علاقاتها مع روسيا ودول الخليج وآسيا الوسطى أدوات لتوسيع خياراتها التفاوضية.

في سوريا، تكتسب أنقرة أهمية خاصة بسبب حدودها الطويلة ومصالحها الأمنية والسياسية. لكن هذه الأهمية تحمل معها مسؤولية كبيرة: فاستقرار سوريا يتطلب مؤسسات وطنية قادرة على إدارة التنوع، وضبط السلاح، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، وليس مجرد ترتيبات سياسية بين القوى الأكثر نفوذاً على الأرض.

وفي البحر الأسود، تظل تركيا دولة محورية بحكم موقعها وسيطرتها على المضائق وفق اتفاقية مونترو، وبحكم علاقاتها المتشابكة مع موسكو وكييف. وهذه المكانة تمنحها قدرة على التأثير في الملفات الأمنية والاقتصادية، لكنها تفرض عليها أيضاً إدارة توازنات دقيقة لتجنب تحويل أراضيها ومياهها إلى ساحة مواجهة مباشرة.

المعضلة التركية تكمن في أن النفوذ لا يتحول تلقائياً إلى استقرار. فكلما اتسعت الملفات التي تتدخل فيها أنقرة، ازدادت حاجتها إلى الموارد والتحالفات والقدرة على تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية.

بالنسبة إلى أوروبا، فإن التعامل مع تركيا بمنطق الخلافات وحدها قد يؤدي إلى خسارة شريك مهم في لحظة اضطراب دولي. وبالنسبة إلى أنقرة، فإن توظيف موقعها الجغرافي يجب أن يقترن بسياسة خارجية قابلة للتنبؤ، تحافظ على الشراكات ولا تحول كل خلاف إلى أزمة.

تركيا لا تحتاج إلى الاختيار بين أوروبا والشرق الأوسط؛ التحدي الحقيقي هو أن تثبت قدرتها على بناء جسور بينهما من دون أن تصبح أسيرة التناقضات التي تفصل بينهما.