قد يبدو المشهد الإسرائيلي الراهن، للوهلة الأولى، وكأنه مجرد انعكاس للتوتر المعتاد الذي يسبق انتخابات الكنيست، المقرر إجراؤها في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل. فكلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت حدة الخطاب السياسي، وتصاعدت المنافسة بين الأحزاب، واتجهت الحملات الانتخابية إلى مخاطبة أكثر الغرائز حساسية لدى الناخبين.
لكن اختزال ما يجري في إسرائيل اليوم في مجرد «هستيريا انتخابية» سيكون تبسيطاً مفرطاً لمشهد أكثر عمقاً وتعقيداً.
فالانتخابات قد تفسر توقيت التصعيد، لكنها لا تفسر وحدها طبيعته. ما يظهر أمامنا هو تراكم طويل من التحولات السياسية والتشريعية والاجتماعية التي دفعت النظام الإسرائيلي، بصورة متزايدة، نحو مزيد من الإقصاء والتمييز والتشدد القومي والديني، بحيث أصبح استهداف التمثيل السياسي العربي جزءاً من المنافسة على السلطة، وليس مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بموسم انتخابي.
عندما يصبح الحظر جزءاً من اللعبة الانتخابية
أحدث مظاهر هذا المسار جاء مع تصويت لجنة الانتخابات المركزية على منع «القائمة العربية الموحدة ـ راعم» و«القائمة المشتركة» من خوض انتخابات الكنيست، بدعوى تأييد الإرهاب.
القرار، بأغلبية 18 صوتاً مقابل 5، لم يكن مجرد إجراء إداري انتخابي. فهو يمس مباشرة حق شريحة واسعة من المواطنين العرب في المشاركة السياسية واختيار ممثليهم، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً أكثر جوهرية حول حدود الديمقراطية الإسرائيلية عندما يتعلق الأمر بالأقلية العربية.
الأكثر دلالة أن الدعوات إلى استبعاد القوائم العربية لم تبقَ محصورة في أحزاب اليمين واليمين الديني والقومي المتطرف. فقد ظهرت مواقف مشابهة لدى شخصيات وأحزاب تقدم نفسها بوصفها بديلاً عن الحكومة الحالية، بما في ذلك نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان وغادي آيزنكوت، في حين لم تكن أصوات أخرى، مثل يائير غولان، بعيدة تماماً عن هذا المناخ.
وهنا تكمن المفارقة.
فالمنافسة السياسية التي يفترض أن تدور حول البرامج والسياسات والاقتصاد والأمن ومستقبل الدولة تتحول، في جانب منها، إلى منافسة على من يستطيع أن يكون أكثر تشدداً تجاه المواطنين العرب.
وكأن معيار الوطنية لم يعد يرتبط بالمواطنة والحقوق المتساوية، بل بمدى الاستعداد لإقصاء الآخر.
المحكمة العليا ليست حلاً لكل شيء
قد يراهن البعض على أن المحكمة العليا الإسرائيلية ستتدخل في نهاية المطاف لإلغاء قرار لجنة الانتخابات، كما حدث في مناسبات سابقة.
وقد يحدث ذلك بالفعل.
لكن نجاح المحكمة في تصحيح قرار انتخابي لا يلغي المشكلة الأساسية.
فالمسألة ليست فقط في القرار النهائي، وإنما في حقيقة أن مثل هذه الأفكار أصبحت قابلة للطرح والتصويت والمنافسة السياسية أصلاً.
حين يصبح حرمان حزب عربي من المشاركة الانتخابية موضوعاً مشروعاً للنقاش السياسي، فإن المشكلة تتجاوز اللجنة التي اتخذت القرار أو المحكمة التي قد تلغيه. إنها تتعلق بالبيئة السياسية التي جعلت الإقصاء خياراً انتخابياً قابلاً للتسويق.
وهذا يقود إلى سؤال أكبر: إلى أي حد يستطيع النظام القضائي وحده أن يعمل كحاجز أمام مسار سياسي وتشريعي يتجه باستمرار نحو مزيد من القومية والإقصاء؟
الديمقراطية لا تُقاس فقط بما إذا كانت المحكمة العليا قادرة على إلغاء قرار عنصري، وإنما أيضاً بما إذا كان النظام السياسي ينتج مثل هذه القرارات بصورة متكررة.
المشكلة أقدم من الانتخابات الحالية
ما يحدث اليوم ليس ظاهرة ولدت مع الانتخابات المقبلة.
على مدى السنوات الماضية، شهد الكنيست محاولات متكررة لتقييد المشاركة السياسية العربية، إلى جانب تشريعات وإجراءات أثارت انتقادات واسعة بسبب آثارها التمييزية.
شهد عامَا 2019 و2022، على سبيل المثال، محاولات لإقصاء قوائم عربية من المنافسة الانتخابية، في وقت ترافقت فيه الحياة السياسية مع نقاشات حول قسم الولاء، وتقييد بعض المظاهر الدينية والثقافية العربية، وغيرها من الإجراءات التي أعادت باستمرار طرح السؤال حول المساواة السياسية بين المواطنين.
ولذلك، فإن القضية الحالية لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن سياقها.
فكل محاولة جديدة لإقصاء العرب من الحياة السياسية تضيف طبقة أخرى إلى مسار أوسع، تتحول فيه الهوية القومية والدينية إلى معيار متزايد الأهمية في تحديد من يحق له أن يكون جزءاً كاملاً من المجال السياسي.
نتنياهو والمشهد الأكثر ارتباكاً
ولا يقتصر الاضطراب على لجنة الانتخابات أو على الأحزاب المتنافسة داخل الكنيست.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو نفسه أصبح جزءاً مركزياً من هذا المشهد السياسي شديد الاستقطاب.
من استعراض القوة على جبل الشيخ المحتل، إلى خطابه في الأمم المتحدة، مروراً بتحركاته الدبلوماسية والأمنية في المنطقة، تبدو السياسة الإسرائيلية وكأنها تتحرك باستمرار بين الرسائل العسكرية والرسائل الانتخابية.
كل خطوة تقريباً تحمل أكثر من وظيفة.
رسالة إلى الجمهور الإسرائيلي.
رسالة إلى الخصوم السياسيين.
رسالة إلى الحلفاء.
ورسالة إلى الفلسطينيين والدول العربية والمجتمع الدولي.
وهذا التداخل بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية جعل من الصعب أحياناً تحديد أين ينتهي الحساب الانتخابي وأين تبدأ الحسابات الاستراتيجية للدولة.
زيارة أو خطاب أو عملية عسكرية يمكن أن تتحول في لحظة واحدة إلى مادة انتخابية.
وفي المقابل، يمكن أن يصبح القرار السياسي الداخلي جزءاً من استراتيجية أوسع لتعبئة المجتمع حول الخوف والتهديد والأمن.
المعارضة ليست خارج الأزمة
المشكلة لا تنتهي عند الحكومة الحالية.
فاللافت أن بعض القوى التي تقدم نفسها باعتبارها البديل السياسي لنتنياهو لا تبدو دائماً قادرة على الخروج من الإطار نفسه.
فبدلاً من طرح تصور مختلف جذرياً بشأن العلاقة بين الدولة والمواطنين العرب، أو بشأن الاحتلال أو الحرب أو مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تجد المعارضة نفسها في أحيان كثيرة مضطرة إلى المنافسة من داخل القاموس السياسي ذاته: الأمن، الخوف، التهديد، القوة، والشك في الآخر.
وهنا تصبح المشكلة بنيوية أكثر منها حزبية.
فإذا كانت الحكومة تتجه يميناً، ثم تحاول المعارضة إثبات أنها تستطيع أن تكون أكثر تشدداً أو أكثر صرامة في قضايا الأمن والهوية، فإن النتيجة النهائية لا تكون تغيير الاتجاه، وإنما تحريك السقف السياسي كله نحو مزيد من التشدد.
وهذا ما يجعل المشهد الإسرائيلي الحالي مختلفاً عن مجرد تنافس انتخابي تقليدي.
حين يصبح الخوف وقوداً للانتخابات
السياسة الإسرائيلية اعتادت منذ سنوات على توظيف المخاوف الأمنية في الحملات الانتخابية.
لكن ما يثير القلق في المرحلة الراهنة هو اتساع نطاق هذا الاستخدام، بحيث لا يعود الخطر الخارجي وحده هو الموضوع، بل يصبح المواطن العربي نفسه جزءاً من المعادلة الانتخابية التي يجري فيها تعريف «الداخل» و«الخارج»، و«المقبول» و«غير المقبول».
وهنا تتجاوز المسألة حدود الخلاف السياسي.
فالانتخابات يفترض أن تكون آلية لتوسيع المشاركة السياسية، لا لتقليصها. والتعددية لا تعني فقط السماح للأحزاب المتشابهة أيديولوجياً بالتنافس، وإنما تعني أيضاً حماية حق المجموعات المختلفة في تمثيل نفسها سياسياً، ما دامت تعمل ضمن القانون.
أما تحويل الانتماء القومي أو السياسي إلى سبب تلقائي للإقصاء، فإنه يفرغ العملية الديمقراطية من جزء أساسي من معناها.
أزمة أعمق من نتنياهو
قد يكون من السهل اختزال كل ما يجري في شخصية نتنياهو أو حكومته الحالية.
لكن هذا الاختزال لا يفسر الصورة كاملة.
نتنياهو هو أحد أبرز وجوه التحول السياسي الإسرائيلي، لكنه ليس وحده الذي صنع البيئة الحالية. فهناك تيارات سياسية ودينية وقومية أوسع، وهناك تحول في الخطاب العام، وهناك أحزاب معارضة تجد نفسها مضطرة للتكيف مع هذا التحول بدلاً من مواجهته.
وهكذا يصبح السؤال أكبر من: هل يفوز نتنياهو أم يخسر؟
السؤال الحقيقي هو: أي إسرائيل ستخرج من هذه الانتخابات؟
هل ستبقى التعددية السياسية قادرة على استيعاب المواطنين العرب باعتبارهم جزءاً من النظام السياسي، أم سيستمر تضييق المجال أمامهم؟
هل ستعود السياسة إلى مساحة أوسع من النقاش حول الاقتصاد والمجتمع والحريات ومستقبل الدولة، أم سيبقى الأمن والخوف والهوية القومية المحور الرئيسي للحياة السياسية؟
وهل تستطيع المعارضة أن تقدم بديلاً حقيقياً، أم ستظل تتحرك داخل الحدود التي رسمها اليمين؟
الانتخابات تكشف أكثر مما تغير
الانتخابات المقبلة قد تغير تركيبة الكنيست والحكومة، لكنها لن تحسم وحدها الأزمة الأعمق التي تواجه السياسة الإسرائيلية.
فالمشكلة لا تكمن فقط في هوية الفائز، وإنما في طبيعة القواعد السياسية التي أصبح الجميع يلعب داخلها.
حين تصبح المنافسة على من يكون أكثر تشدداً تجاه العرب، وحين يتحول الحظر السياسي إلى أداة انتخابية، وحين يصبح الخطاب القومي والديني وسيلة لحشد الناخبين، فإن الأزمة تصبح أكبر من حزب أو حكومة.
إنها أزمة في تعريف الديمقراطية نفسها.
وقد يكون أخطر ما في المشهد الحالي أن كثيراً من هذه الممارسات لم تعد تبدو استثنائية داخل السياسة الإسرائيلية. ما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره موقفاً هامشياً أصبح قابلاً للنقاش في قلب الحياة السياسية.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للانتخابات المقبلة.
ليس فقط من سيحصل على العدد الأكبر من المقاعد، بل ما إذا كان النظام السياسي الإسرائيلي سيخرج من صناديق الاقتراع أكثر انفتاحاً وتعدداً، أم أكثر إقصاءً واستقطاباً.
فالانتخابات قد تغير الوجوه في الكنيست.
لكنها لن تغير، وحدها، الاتجاه الذي تسير فيه السياسة الإسرائيلية.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
