تمنح واشنطن خطة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة مساحة جديدة للتحرك، في وقت يبدو فيه أن الولايات المتحدة تتعامل مع الملف باعتباره مساراً تدريجياً لا يمكن حسمه بقرار واحد أو بموعد زمني منفرد.
ويأتي ذلك بعد تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن واشنطن لا تشك في التزام الزيدي بحصر السلاح، بالتزامن مع اتفاق الطرفين على أهمية تفكيك الفصائل المسلحة ومنع الهجمات انطلاقاً من الأراضي العراقية وترسيخ سيادة الدولة.
ويكتسب الموقف الأميركي أهمية خاصة لأنه يأتي في لحظة كان فيها الموعد السابق، 30 سبتمبر/أيلول، يقترب باعتباره تاريخاً لحسم ملف السلاح بالتوازي مع استكمال الانسحاب الأميركي من العراق. لكن الزيدي قدم جدولاً زمنياً جديداً يمتد حتى يونيو/حزيران 2027، ما يعني انتقال الملف من منطق الموعد الحاسم إلى مسار مرحلي أطول وأكثر ارتباطاً بالتفاوض مع الفصائل والبيئة السياسية والأمنية العراقية.
وفي لقائه مع روبيو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد الزيدي تصميم حكومته على تنفيذ مسؤولياتها السيادية والمضي في إجراءات تضمن بقاء جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة. وفي المقابل، شدد الجانب الأميركي على ضرورة تفكيك الفصائل المسلحة التي تصنفها واشنطن إرهابية، ومنع الهجمات من الأراضي العراقية، وممارسة العراق سيادته بصورة كاملة.
◄ خطة الزيدي تبدو أمام معادلة دقيقة: واشنطن تريد نتيجة واضحة، بينما تمنح بغداد نفسها وقتاً أطول للوصول إليها
ولا تبدو الإشارة الأميركية إلى التزام الزيدي تفصيلاً بروتوكولياً، خصوصاً أن واشنطن كانت قد ربطت جزءاً من رؤيتها للعلاقة مع بغداد بقدرة الحكومة العراقية على ضبط الفصائل المسلحة. لكن هذا الدعم لا يعني أن الولايات المتحدة تعتبر الطريق ممهداً، أو أن جميع الأطراف العراقية وافقت على الخطة. فالمشكلة الأساسية تكمن في أن الفصائل ليست كتلة واحدة، وأن مواقفها من تسليم السلاح تختلف باختلاف حساباتها السياسية والأمنية وعلاقاتها الإقليمية.
وتنص الخطة الجديدة، وفق ما عرضه الزيدي، على فترة أولى تمتد 90 يوماً تتوقف خلالها الفصائل عن تنفيذ الهجمات، مقابل عدم تعرضها لهجمات أميركية، قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة لحصر السلاح وصولاً إلى الموعد النهائي في يونيو 2027. ويقول الزيدي إن الفصائل التي تلتزم بالمسار يمكن أن يندمج أفرادها في مؤسسات الدولة، بينما تواجه الجماعات الرافضة وضعاً قانونياً مختلفاً.
وهنا تظهر دلالة التحول من سبتمبر 2026 إلى يونيو 2027. فالتدرج يمنح الحكومة العراقية هامشاً للتعامل مع ملف شديد الحساسية، بدلاً من دفع الفصائل إلى مواجهة مباشرة مع الدولة في توقيت يتزامن مع خروج القوات الأميركية. وتفيد تحليلات متخصصة بأن عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج عادة ما تحتاج إلى تفاوض وترتيبات سياسية وأمنية، ولا تنجح بمجرد تحديد تاريخ نهائي، خصوصاً عندما تكون الجماعات المسلحة متداخلة مع المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتعكس مواقف الفصائل نفسها حجم التحدي. فقد أعلنت جماعات مسلحة استعدادها لوضع أسلحتها تحت سلطة الدولة، بينما رفضت فصائل أخرى، بينها كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء، تسليم السلاح قبل مغادرة القوات الأجنبية للعراق. كما أن بعض الفصائل تربط موقفها بضمانات تتعلق بعدم عودة القوات الأميركية أو استمرار النفوذ الأميركي في العراق.
ويضيف الارتباط بإيران طبقة أخرى من التعقيد. فالفصائل القريبة من طهران تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً داخل العراق، كما أن بعضها يعتبر سلاحه جزءاً من منظومة الردع الإقليمية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى رفض مجموعات مسلحة التخلي عن السلاح في ظل التوتر الإقليمي والحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة أن الظروف الأمنية لا تسمح بذلك.
لا تبدو الإشارة الأميركية إلى التزام الزيدي تفصيلاً بروتوكولياً، خصوصاً أن واشنطن كانت قد ربطت رؤيتها للعلاقة مع بغداد بضبط الفصائل المسلحة
وتعرف واشنطن أن الضغط المباشر قد ينتج تداعيات لا تتوقف عند حدود ملف السلاح. لذلك تبدو الإشارة إلى ثقة روبيو بالزيدي مهمة في تثبيت قناة التعامل مع الحكومة العراقية، خصوصاً أن الولايات المتحدة تمضي في استكمال انسحاب قواتها بحلول 30 سبتمبر، بينما يستمر ملف حصر السلاح في مسار منفصل يمتد إلى العام المقبل. وقد أكدت الخارجية الأميركية أن الانسحاب يسير وفق الجدول الانتقالي المتفق عليه مع بغداد، من دون إعلان موقف تفصيلي بشأن الجدول الجديد لنزع السلاح حتى يونيو 2027.
لكن اختبار الخطة سيبدأ عملياً بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، عندما يصبح مطلوباً تحويل الالتزام السياسي إلى إجراءات ميدانية. فالنجاح لا يرتبط فقط بقدرة الزيدي على إصدار القرارات، وإنما بمدى استعداد الفصائل للانخراط فيها، وقدرة الدولة على توفير ضمانات أمنية وسياسية للمشاركين، وإدارة العلاقة مع إيران، ومنع تحول العملية إلى صراع داخلي.
وتكشف تصريحات روبيو في الوقت نفسه أن واشنطن لا تتعامل مع حصر السلاح باعتباره ملفاً أمنياً عراقياً منفصلاً عن مستقبل الدولة. فقد حذر الوزير الأميركي الأربعاء من أن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة قد يقود إلى مزيد من الانقسام، داعياً العراق إلى تفكيك الفصائل المسلحة لتجنب تحول البلاد إلى كيانات متنافسة.
وبذلك، تبدو خطة الزيدي أمام معادلة دقيقة: واشنطن تريد نتيجة واضحة، بينما تمنح بغداد نفسها وقتاً أطول للوصول إليها. وثقة روبيو بالتزام رئيس الوزراء توفر غطاءً سياسياً للمسار المرحلي، لكنها لا تحسم الخلافات التي ستواجه الحكومة عندما تنتقل من إعلان الخطة إلى اختبارها مع الفصائل.
فالرهان الأميركي على الزيدي، كما يظهر من التصريحات الأخيرة، هو أن يتمكن العراق من الوصول إلى احتكار الدولة للسلاح من خلال مسار تدريجي يحافظ على الاستقرار ويمنع انفجاراً أمنياً. أما الرهان العراقي، فيتمثل في تحويل هذا الهدف إلى تسوية قابلة للتنفيذ داخل بيئة تتقاطع فيها حسابات الدولة مع نفوذ الفصائل وعلاقاتها بإيران، فيما تستعد الولايات المتحدة لإنهاء وجودها العسكري المباشر.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
