د. شهاب المكاحله
في جلسة مغلقة عقدت في احدى عواصم القرار العالمي، تحدثت في ورقة بحثية عن وهم الهدوء الذي يسبق العاصفة. ففي الوقت الذي يُروَّج فيه لاتفاقية السلام في غزة باعتبارها لحظة تاريخية تُنهي واحدة من أعقد النزاعات في الشرق الأوسط، يقرأ المراقبون في واشنطن وتل أبيب المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فالهدوء المفترض الذي يحيط بالقطاع ليس سوى توقف تكتيكي، وليس تحولاً استراتيجياً. إن هذا “السلام المؤقت” ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتخفيف الضغط عن إسرائيل، وإعادة تموضع الولايات المتحدة استعداداً لجولة جديدة من الصراعات العالمية التي تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى آسيا، القوقاز، والممرات القطبية الشمالية.
هدنة ما قبل العاصفة
منذ عام 2022، ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر حول تايوان، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة من “الحرب الباردة المتعددة الأقطاب”. في هذا السياق، تدرك واشنطن أن انشغالها بجبهات متعددة يقلل من قدرتها على المناورة الاستراتيجية. ومن هنا جاءت الرغبة الأميركية العاجلة في تهدئة الجبهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، ليس بدافع إنساني أو سياسي بقدر ما هو حساب تكتيكي في لعبة توازنات أوسع.
فالمؤسسات الأمنية الأميركية والإسرائيلية تتفق اليوم على أن استمرار التصعيد في غزة أو اتساع رقعته إلى لبنان سيؤدي إلى إنهاك إسرائيل، ويفتح الباب أمام تمدد إيران وحلفائها في المنطقة. ولذلك تمارس واشنطن ضغوطاً مكثفة خلف الكواليس على الأطراف كافة، لتثبيت هدنة مؤقتة تُعيد لإسرائيل قدرتها على التحرك بحرية في ملفات أخرى، خصوصاً في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
الروابط الخفية: من غزة إلى القوقاز
قد يبدو من الوهلة الأولى أن لا علاقة بين غزة وما يجري في القوقاز أو بحر الصين الجنوبي، لكن المشهد الاستراتيجي العالمي اليوم أصبح مترابطاً على نحو لم يسبق له مثيل.
ففي آسيا، تزداد المخاوف الأميركية من تصعيد محتمل في مضيق تايوان، وتعتبر واشنطن أن أي حرب هناك ستتطلب تحييد الشرق الأوسط كي لا تُستنزف القوات الأميركية في جبهات متوازية. ولهذا السبب، تعمل واشنطن على ضمان هدوء نسبي في غزة ولبنان كي تبقى يدها طليقة في بحر الصين الجنوبي.
وفي القوقاز وآسيا الوسطى، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تنشيط علاقاتها مع باكستان وأذربيجان، وتشجيع مشاريع نقل الطاقة التي تتجاوز روسيا وإيران، مما يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للطاقة العالمية. هذا الضغط المتعدد يهدف إلى شلّ محور موسكو–طهران–بكين الذي بدأ يترسخ منذ عام 2020 عبر اتفاقات الطاقة والممرات اللوجستية.
وفي البحر الأحمر، تشهد المنطقة واحدة من أعقد عمليات إعادة التمركز العسكري منذ عقود. فالقواعد الأميركية في جيبوتي، والموانئ الإسرائيلية في إريتريا، والممرات البحرية المحاذية لليمن، كلها أصبحت مسارح لمواجهة صامتة بين الغرب من جهة، وروسيا والصين وإيران من جهة أخرى. إن سيطرة واشنطن على مضيق باب المندب باتت اليوم جزءاً أساسياً من استراتيجيتها لتطويق الصين ومنعها من التحكم بممرات التجارة نحو أوروبا وإفريقيا.
احتواء عبر التفتيت
منذ الحرب الباردة الأولى، استخدمت الولايات المتحدة أسلوب “الاحتواء” لوقف تمدد خصومها. لكن في العقد الأخير، تطورت هذه العقيدة إلى ما يمكن تسميته بـ الاحتواء عبر التفتيت، أي إشعال صراعات محدودة في مناطق مختارة لاستنزاف القوى المناوئة من دون الدخول في مواجهة شاملة.
تتجلى هذه السياسة بوضوح في الشرق الأوسط: أولا، تُشجع واشنطن الصراعات البينية داخل محور ما يسمى “المقاومة” (بين الحوثيين والسعودية، أو بين فصائل عراقية وإيرانية) لضمان عدم تشكل تهديد متماسك ضد مصالحها. وبذلك، تُبقي إيران منشغلة في جبهات متعددة — العراق، سوريا، اليمن، وأذربيجان — ما يمنعها من التفرغ لتطوير برنامجها النووي بوتيرة أسرع. وهذا بالمقابل يدفع إسرائيل إلى تبني سياسة “الدفاع المتقدم” عبر التوسع الاستخباراتي في إفريقيا والبحر الأحمر بدلاً من الانخراط في مواجهة مفتوحة على حدودها الشمالية.
وهكذا، يتحول كل اتفاق سلام إلى إعادة تموضع لا أكثر. فالهدنة في غزة ليست نهاية صراع، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع الأدوار والنفوذ.
المحور القطبي: المسرح القادم للصراع
بعيداً عن ضجيج الشرق الأوسط، تتحول المنطقة القطبية الشمالية إلى مركز ثقل جديد للمنافسة بين القوى الكبرى. فذوبان الجليد فتح ممرات تجارية جديدة بين آسيا وأوروبا عبر ما يُعرف بـ”الممر الشمالي”، الذي تسيطر عليه روسيا حالياً وتعتبره ورقة استراتيجية في مواجهة الغرب.
الولايات المتحدة، بدعم من كندا وفنلندا، تعمل على تعزيز وجودها العسكري واللوجستي في المنطقة القطبية، ليس فقط لمواجهة موسكو، بل أيضاً لمراقبة تحركات الصين التي انضمت مؤخراً إلى “الطريق القطبي الحريري”. في هذا السياق، يشكّل أي استقرار في الشرق الأوسط شرطاً ضرورياً لتحرير الموارد الأميركية وتحويلها نحو المواجهة القطبية المقبلة.
وهنا تكمن المفارقة: السلام في غزة يُستخدم لتأجيل الصراع في مكان، لا لإنهائه في كل مكان. إن الهدوء حول إسرائيل ليس سوى أداة لإعادة ترتيب المسرح الدولي استعداداً لصراعات أكبر.
إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية
إذا ما نظرنا إلى المشهد العام، نلحظ أن القوى الكبرى تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي عبر أدوات اقتصادية وعسكرية وإعلامية دقيقة: فالصين تسعى إلى بناء نظام اقتصادي موازٍ يقوم على اليوان الذهبي ومبادرة “الحزام والطريق”. أما روسيا فتعمل على ربط نفوذها الطاقوي في القطب الشمالي بممرات آسيا الوسطى والشرق الأوسط.
بالمقابل، تراهن الولايات المتحدة على سياسة “الهدوء المرحلي” في بعض المناطق، و“التصعيد المنضبط” في أخرى، لتبقى القوة الوحيدة القادرة على التدخل في كل مسرح عند الحاجة.
أما الشرق الأوسط، فهو في هذه المعادلة ليس سوى نقطة ارتكاز مؤقتة، تُستخدم لتوجيه الرسائل وتوزيع الأدوار. ولعل ما يحدث في غزة اليوم هو نسخة مكررة من سيناريوهات سابقة: كامب ديفيد في السبعينيات، أوسلو في التسعينيات، واتفاقيات التطبيع في العقد الماضي. جميعها قدمت وعوداً بالسلام، لكنها كانت في حقيقتها مراحل لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يخدم القوى العظمى.
وفي الختام، ما تسميه واشنطن “عملية سلام” في غزة ليس سوى إعادة تموضع في حرب أوسع نطاقاً. فالهدوء الذي يسود المنطقة هو صمت تكتيكي يسبق تحولات كبرى في بنية النظام الدولي. وبينما تنشغل العواصم العربية بترتيب ملفات الإعمار والمساعدات، يجري في الكواليس تحضير المسرح لصراعات جديدة — في آسيا، القوقاز، والقطب الشمالي — حيث تُرسم حدود النظام العالمي القادم.
لقد أدركت واشنطن أن السيطرة على الإيقاع العالمي لا تأتي من الانتصار في حرب واحدة، بل من إدارة مجموعة من النزاعات الجزئية التي تُرهق الخصوم وتُبقي نفسها في موقع الحكم والموجه. ومن هنا، فإن “سلام غزة” لا يُقرأ كنجاح دبلوماسي، بل كمرحلة في لعبة شطرنج كبرى يتحرك فيها الشرق الأوسط كمربعٍ من بين عشرات المربعات الأخرى.
إنها هدنة ما قبل العاصفة، ووراء هذا الهدوء، تتشكل ملامح نظام عالمي جديد أكثر توتراً، وأقل استقراراً، وأكثر انقساماً.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
