الرئيسية / أخبار / عصر الفوضى المحسوبة: ترامب وبوتين والعالم الجديد قيد التشكّل

عصر الفوضى المحسوبة: ترامب وبوتين والعالم الجديد قيد التشكّل

د. شهاب المكاحله

هذه خلاصة ورقة عمل تقدمت بها في محاضرة بإحدى مراكز الأبحاث العالمية عن رؤيتي لأوجه الشبة والاختلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين حول السياسة الداخلية والخارجية وأثر ذلك على العالم. ففي المسرح المتقلب للسياسة العالمية، يظل رجلان — دونالد ترامب وفلاديمير بوتين — في صدارة المشهد، لا لأنهما يمثلان الاستقرار، بل لأنهما يجسدان عودة الإرادة السياسية في زمن أنهكته البيروقراطية. تصريحات الرجلين الأخيرة، رغم تباعد سياقاتها، تكشف عن منطق واحد: العالم القديم يتفكك، والنظام الجديد الذي يولد من رماده يقوم على القوة والمصلحة لا على القيم أو القوانين.

زيارة ترامب الأخيرة إلى المملكة المتحدة، التي اتسمت بالبروتوكول، شابتها الرمزية العميقة. تلك الزيارة كشفت أن التحالف الغربي لم يعد يدور حول القيادة الأمريكية كما كان، بل حول تفاهم ضمني: واشنطن لا تزال القوة العسكرية، لكن لندن — عبر قلبها المالي، مدينة لندن — تبقى العصب الخفي الذي ينسّق النظام المالي والسياسي الغربي.

أما بوتين، فيرى في انهيار الأحادية القطبية الغربية ليس فرصة فحسب، بل انتصاراً تاريخياً خطابه الهادئ والمليء بالثقة يعبّر عن يقين بأن العالم يعود إلى طبيعته الأصلية: مناطق نفوذ تحددها الجغرافيا والثقافة والاستعداد لاستخدام القوة. كلا الرجلين — ترامب وبوتين — يتحدثان بلغة مختلفة، لكنهما يشتركان في فهم واحد: أن الدبلوماسية لم تعد إدارة السلام، بل إدارة الفوضى.

شبح الإمبراطورية

لفهم ما يجري، يجب النظر إلى العلاقة غير المعلنة بين ترامب وبوتين — ليست تحالفاً، بل تشابهاً في الرؤية. كلاهما نتاج حنين إمبراطوري (Imperial Nostalgia)، فشعار ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” يعادل في جوهره رؤية بوتين لعالم “متعدد الأقطاب”؛ كلاهما يحلم باستعادة الهيبة عبر السيطرة.

تصريحات ترامب عن الناتو وعن أوروبا ليست محاسبية بقدر ما هي إعلان سيادة: يذكّر الحلفاء بأن الحماية الأمريكية ليست مجانية. البريطانيون، بعقلهم المالي الاستراتيجي، يفهمون هذه اللغة جيداً؛ فهم يعلمون أن قوة أمريكا لا تكمن فقط في حاملات الطائرات، بل في سيطرتها على التدفق المالي العالمي.

بوتين من جهته يرى في الانقسام الغربي دليلاً على نهاية مرحلة. وهو محق جزئياً: الاقتصادات الغربية، المعتمدة على الديون والإنفاق العسكري، صارت تحتاج إلى أزمات دائمة لتبرير وجودها. من أوكرانيا إلى غزة إلى تايوان، كلها مسارح مختلفة لآلية واحدة: تحويل الاضطراب إلى سياسة.

غزة: الأزمة المدارة

حرب غزة ليست مجرد مأساة إنسانية أو صراع سياسي، بل مختبرٌ جيواستراتيجي لاختبار التحالفات وإعادة توزيع النفوذ. رسمياً، هي حرب بين إسرائيل وحماس. فعلياً هي ملف يُستخدم كأداة ضغط وتوازن.

في واشنطن، تأتي الدعوات إلى “التهدئة” ضمن منطق انتخابي داخلي. الإدارة الأمريكية لا تريد حرباً إقليمية واسعة، لكنها لا تمانع استمرار التوتر بمستوى يسمح بتبرير الوجود العسكري في الشرق الأوسط.

أما في لندن، فالحساب مالي بامتياز: كل توتر في الشرق الأوسط يُعيد رسم أسواق الطاقة والتأمين، ويُنعش مراكز التداول في مدينة لندن.
بالنسبة إلى موسكو، غزة وسيلة لإحراج الغرب وكشف تناقضاته: الغرب الذي يتحدث عن القانون الدولي في أوكرانيا، يتغاضى عن الجرائم ذاتها حين يتعلق الأمر بحلفائه.

ترامب، في خطابه عن غزة، بدا داعماً لإسرائيل لفظياً، لكنه عمليا يرسل رسالة مختلفة: أن أمريكا لم تعد ترغب في حمل عبء العالم. هذه المقاربة الانعزالية الجديدة هي بالضبط ما ينتظره بوتين، الذي بنى سياسته الخارجية على استثمار فراغ القيادة الأمريكية.

سياسة ما بعد الحقيقة

كلا الرجلين يتقنان لغة المسرح السياسي في زمن ما بعد الحقيقة. ترامب يفهم أن الناس لا تصوّت للبرامج بل للصور والمشاعر. وبوتين جعل من “التحكم بالمعلومات” سلاحاً استراتيجياً. الحقيقة لم تعد قيمة، بل أداة سلطة.

فقدت مؤسسات الغرب — الإعلام، الجامعات، وحتى أجهزة الاستخبارات — جزءا كبيرا من مصداقيتها. في هذا الفراغ، صار كل حدث مادة لتشكيل سرديتين متناقضتين: في غزة مثلاً، يتحدث الغرب عن “الإنسانية”، بينما ترى موسكو والعالم الجنوبي في ذلك “نفاقاً إمبراطوريا”.

المستقبل كسوق

بعودة ترامب إلى البيت الأبيض، تكرّس عالم جديد يمكن وصفه بأنه سوق مفتوحة للسيادات. التحالفات تتحول إلى عقود، والمبادئ الأخلاقية إلى أدوات تفاوض. لن تتحدث واشنطن بعد اليوم بلغة “القيادة العالمية”، بل بلغة “الشراكة الانتقائية”.

روسيا بوتين سبقت الجميع في هذا المنطق: تقدم الأمن مقابل الموارد، والسلاح مقابل الشرعية. لكن المثير أن الغرب نفسه بدأ يتبنّى هذا الأسلوب. السياسة البريطانية في المرحلة الأخيرة تبرهن أن الأخلاق في السياسة الخارجية أصبحت سلعة فاخرة.

وهنا أيضا تأتي غزة كنموذج: أزمة مستمرة تُدار بعناية، تُستثمر في العقود والتأمينات وإعادة الإعمار. إنها فوضى مربحة.

صبر بوتين واندفاع ترامب

بوتين يتعامل مع هذه المرحلة بصبر استراتيجي. يدرك أن الغرب يتآكل من الداخل، وأنه لم يعد متأكداً من قيمه. أما ترامب، فأسلوبه نقيض ذلك: اندفاعي، فوضوي، لكنه يُجيد تحويل الصدمات إلى فرص. كلاهما، رغم اختلافهما، يتفقان على أن القوة تصنع الشرعية، لا العكس.

هذا التوازي بين بوتين وترامب ليس صدفة. إنه ملامح عصر جديد يُعاد فيه تعريف السياسة الدولية: لم تعد تدور حول النظام، بل حول التحكم في غياب النظام.

المحور الخفي

وراء هذه التحولات يظهر محور غير معلن — ليس أيديولوجياً بل سلوكياً — يضم قادة مثل ترامب وبوتين ومودي وأردوغان. يجمعهم شيء واحد: رفضهم للعالم الليبرالي، وإدراكهم أن النظام الدولي لم يعد محكوماً بالقيم بل بالمصالح.

في هذا السياق، تصبح غزة مثالاً مثاليا: أزمة تُدار، لا تُحل. كل قوة تستخدمها لأهدافها: واشنطن لتوازن النفوذ، موسكو للتشويش على الغرب، ولندن لتثبيت موقعها المالي وأنقرة للإبقاء على سيطرتها على الإسلامي السياسي في الشرق ونيودلهي للعب عامل التوازن بين الشرق والغرب في صراعها مع باكستان على كشمير.

العالم بعد النظام

ما تكشفه العلاقة بين ترامب وبوتين هو أن النظام العالمي كما عرفناه انتهى. المؤسسات باقية، لكن معناها تلاشى. الهيمنة الأمريكية، الوحدة الأوروبية، القانون الدولي — كلها شعارات فقدت قوتها الفعلية.

غزة، أوكرانيا، تايوان — ليست أزمات منفصلة، بل مظاهر لعالم يتشكل على أنقاض النظام القديم. عالم تحكمه المصالح، لا القواعد. في هذا العالم الجديد، لم تعد “الديمقراطية” هي اللغة المشتركة، بل “المنفعة المتبادلة”.

ووراء الكواليس، تواصل مدينة لندن إدارة تدفقات المال، بينما يتكفّل رجال مثل ترامب وبوتين بإعادة تشكيل قواعد القوة.

المفارقة أن كليهما محق في تشخيص الآخر، ومخطئ في تصور ذاته. فالعالم القادم لن يكون أميركياً ولا روسياً، ولا حتى متعدد الأقطاب؛ سيكون ببساطة عالماً بلا قطب واضح — شبكة من القوى تتعامل بمنطق الضرورة لا القيم.

وفي هذا عصر الفوضى المحسوبة، لا يمثل ترامب وبوتين سبب الانهيار، بل رمزيته: الدليل على أن التاريخ تحرر مرة أخرى من المؤسسات التي ظنّت أنها تسيطر عليه.