الرئيسية / أخبار / قراءة في مقالة كلاينر حول الكونفدرالية الأردنية-الفلسطينية

قراءة في مقالة كلاينر حول الكونفدرالية الأردنية-الفلسطينية

د. شهاب المكاحله

في مقال نشره ميخائيل كلاينر بعنوان الأمراء ينتظرون في صمت بتاريخ 7 يناير 2026 بصحيفة معاريف، اقترح نموذجا للكونفدرالية الأردنية-الفلسطينية كحل “واقعي” للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وفق هذا الاقتراح، تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية والاستراتيجية، وتتولى الأردن الإدارة المدنية، بينما يصبح الفلسطينيون عمليا خارج سلطة الحكم الذاتي على أرضهم. وعلى الرغم من أن الاقتراح يبدو مناسبا من منظور إسرائيلي نظري، إلا أنه بعيد كل البعد عن التطبيق العملي والعدالة، ويعكس في جوهره إدارة للمخاطر أكثر من كونه حلاً للقضية الجوهرية.

يفترض كلاينر، رئيس المحكمة العليا لحزب الليكود الإسرائيلي، أن الأردن قادر على إدارة المناطق A وB في الضفة الغربية بفاعلية. المملكة الأردنية الهاشمية تواجه ضغوطا ديموغرافية وسياسية وأمنية كبيرة، ولم تُظهر أي رغبة في إعادة ضم الأراضي الفلسطينية. ووفق المقترح الإسرائيلي، سيتم حرمان الفلسطينيين، الذين قضوا عقودا في بناء مؤسساتهم السياسية والإدارية، من حقهم في تقرير مصيرهم. كما أن هذا النموذج سيخلق عجزا ديمقراطيا ويزيد من الإحباط السياسي، ويحول الفلسطينيين إلى تابعين لإدارة خارجية دون أي مشاركة حقيقية في حياتهم.

أما فيما يخص مسألة الأمن، فيرى كلاينر أن السيطرة الإسرائيلية هي الضامن للاستقرار، مستندا إلى أحداث 7 أكتوبر وخطر التصعيد المسلح. لكن الأمن لا يمكن أن يكون بديلا عن الحقوق المدنية؛ فالسكان سيعيشون تحت سلطة دولة أخرى، مع محدودية الحكم الذاتي، وسيشعرون بلا شك أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، مما سيزيد من التوتر بدل تخفيفه. فمن الخطأ المطلق النظر إلى الأمن كبديل عن الحقوق المدنية أو الحكم الذاتي المحلي، فالفلسطينيون في هذا النموذج سيكونون تحت السلطة الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية، وهو وضع يزيد من الاحتقان السياسي والاجتماعي بدلاً من أن يخففه.

يتضح من قراءة النص أن الاقتراح هو كونفدرالية واضحة، وليست اتحادا سياسيا كاملا. إسرائيل تحتفظ بالسلطة الأمنية والاستراتيجية، بينما تدير الأردن الإدارة المدنية في المناطق A وB، وتسمح الكونفدرالية بمواطنة واضحة وفصل سيادي دون خلق حدود خانقة أو تقييد حرية السكان. لكنه نموذج يركز على إدارة المخاطر على حساب الحقوق والسيادة الفلسطينية، ويعتمد بشكل كبير على خطة منح الحكم الذاتي التي اقترحها مناحيم بيجن كمرجع تاريخي، والتي فشلت لأنها فرضت من الأعلى دون شرعية محلية. الفلسطينيون ليسوا مشكلة يجب إدارتها، بل هم أصحاب حق وسيادة لا يمكن التفويض بها إلى جهة خارجية دون إنكار هويتهم وحقهم في الأرض.

في جوهره، هذا الاقتراح ليس سوى حل فني مؤقت وليس حلاً حقيقيا لأنه يعطي الأولوية للسيطرة الإسرائيلية على العدالة والإدارة على الشرعية، ويستبدل السيادة بالمراقبة، والاستقرار بالخضوع. التعايش الحقيقي بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا يمكن تحقيقه من خلال تفويض الحكم، بل يحتاج إلى اعتراف متبادل وحقوق متساوية وسيادة فلسطينية حقيقية.

يصور كلاينر اقتراحه على أنه “واقعي”، لكنه في الحقيقة طريقة لتجنب مواجهة الصعوبات الحقيقية وتقليل المخاطر العسكرية قصيرة المدى، مع تأجيل المسائل الأساسية للعدالة والدبلوماسية. والسلام القائم على عدم المساواة ليس سلاماً، بل مجرد هدوء مؤقت قبل الأزمة التالية. فلا يوجد خيار خالٍ من المخاطر أمام إسرائيل والفلسطينيين، لكن أي خطة تتجنب سلطة الفلسطينيين لصالح الراحة الإدارية ليست حلاً؛ إنها استمرار للمشكلة.

فالسلام الدائم يتطلب شجاعة لمواجهة الأبعاد السياسية، وليس مجرد التحكم الأمني أو الإدارة الجزئية. أي محاولة لإدارة الوضع بهذه الطريقة قد تبدو “واقعية”، لكنها في الحقيقة حل مؤقت يحافظ على الهيمنة الإسرائيلية بدل تمكين الفلسطينيين من المشاركة الفعلية، وهو ما يجعلها تهدئة مؤقتة قبل انفجار الأزمة القادمة.

السؤال الأهم هنا هو: لماذا هذا المقال ولماذا هذا التوقيت ولماذا يكتبه رئيس المحكمة العليا لحزب الليكود الإسرائيلي؟!