صبري صيدم
كلٌّ لمآربه وخصوصية بلاده، يحث زعماء العالم الخطى نحو الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع انطلاق أعمالها خلال الأيام القليلة القادمة، حيث جرت زحزحة برنامج تلك الظاهرة ذات اليمين وذات اليسار، وصولاً إلى إدراج الذكاء الاصطناعي عنوة على جدول أعمالها، بعد أن قضى معظم قادة الدول الصناعية أسبوعهم المنصرم في الحديث عن خروج هذا الذكاء عن السيطرة الآدمية. زحزحة أطاحت بقضايا العالم الملتهبة، وهمومه الثقيلة، وحروبه النازفة، وفقره المدقع وجوعه الموجع، ليحتل الذكاء الاصطناعي موقع الصدارة. موضوع بات اليوم يملأ الدنيا ويشغل العالم بكل ما له وما عليه، ليأتي القادة اليوم وليُفتح الباب على مصراعيه لنقاش الأمر على عجل، ودونما تردد وبصورة غير متوقعة. بعضهم سيأتي حتماً باحثاً عن إجراءات تنظيمية وبيئات قانونية لضبط إيقاع النشاط البشري في هذا المجال، بينما يأتي البعض الآخر ليفرض القيود ويرسم معالم العلاقة الآدمية الصارمة في المجال نفسه، فيصيغ تلك العلاقة وفق مصالحه ومطامعه ومغارمه. البعض الأخير سيأتي لبحث سبل تعظيم الفائدة من الذكاء الاصطناعي بصورة يتفوق فيها الخير على الشر.
لا قيمة للذكاء الاصطناعي إذا لم يكن للذكاء الآدمي دور في تسييد الخير، ورد الحقوق، وإعمال العدل، وتعظيم المنافع، والإطاحة بالشر
لكن الجميع لا يدركون على ما يبدو، أن القطار قد غادر المحطة، وأن الذكاء الاصطناعي اليوم بات مشابهاً لما نسجته الأفلام الهوليوودية في عدة محطات زمنية، حول تجارب مخبرية خرجت عن السيطرة، فانقلبت على العلماء الذين أجروها. القطار فعلا غادر المحطة، لأن الأمور قد تتطور وصولاً إلى انفلات عقدها وتعاظم استخدامات هذا الذكاء نحو عالم مجهول، وبصورة إدمانية، جعلت الكثير من البشر يستعيضون عن الحياة الآدمية بعلاقات مفتوحة ومنفتحة مع بعض التطبيقات على اختلافها، حتى بتنا نرى من يلتصق بجهازه أكثر من ذي قبل، فيفتح قلبه ويبيح بخصوصياته بلا حدود لتطبيقات يقف وراءها من يقف من المتربصين والمتلصصين، كأجهزة استخباراتية وشركات ترويجية، ومؤسسات دعائية، ومحافل سياسية، ومنابر اجتماعية وملتقيات اقتصادية، كلها تبحث عن معلومة ورأي وموقف وتوجه يخصهم.
الذكاء الاصطناعي في طرحه هذا وبهذه الصورة، سيطيح بنقاش أهم حول الغباء الآدمي الذي قاد البشرية نحو الحروب المتواصلة، والكوارث البيئية، والآفات الاجتماعية، لنشهد وأياكم وخلال أعمال الدورة المذكورة، المفارقة الأكبر التي تكمن في وقوف بعض المتعجرفين الطاعنين في الغباء البشري، ليحدثنا عن الأخلاق، والقيم، والضوابط والمثاليات، مستعرضاً إنجازاته الوهمية وبطولاته الصورية وعنترياته الفارغة، وليتوج كلامه بالمواعظ، والحرص على الآدمية، وليذكرنا بالحروب التي أوقفها، ومواطن الازدهار المزعومة التي أوجدها.
لذلك سنرى ترامب ونسخاً عديدة منه، ستجمل كلامها بالمثاليات المزعومة بينما تنشغل الغرف الخلفية، في صياغة ما يحمي مصالحها ويحكم سيطرتها على هذا العالم المسكين. عالم ما زالت فيه فلسطين تنزف من قلبها وأحشائها من شمالها إلى جنوبها، أمام استمرار الاحتلال بتوظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز النزيف وتهجير الشعب الفلسطيني وقتل الجغرافيا. الحال لا يقتصر على فلسطين فالجراح الآدمية نازفة في العديد من مناطق العالم، ما قرب منها وما بعد.
أملنا وبعد أن نستمع إلى كلمات بعض الدول العملاقة أن يقول الناس «الفيلم محروق»، وأن لا قيمة للذكاء الاصطناعي إذا لم يكن للذكاء الآدمي دور في تسييد الخير، ورد الحقوق، وإعمال العدل، وتعظيم المنافع، والإطاحة بالشر، فهل نشهد ونسمع ما هو جديد يخالف ما أورده هذا المقال من توقعات؟ ربما، لكننا حتماً سنقول ننتظر ونرى!
كاتب فلسطيني
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
