الرئيسية / الرأي / أراء / أزمة ترامب الخارجية الحقيقية اسمها الصين

أزمة ترامب الخارجية الحقيقية اسمها الصين

عندما يسترجع مؤرخو المستقبل أحداث الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فمن المرجح أن يحتل الإخفاق في الملف الإيراني موقعًا محوريًا كمنعطف حاسم في رئاسته. فقد كشف ذلك الصراع حدود القوة الأمريكية، وعزل الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وأضاف ضغوطًا تضخمية جديدة إلى الاقتصاد العالمي، فضلًا عن دفعه معدلات التأييد الشعبي للرئيس في الداخل إلى مستويات متدنية غير مسبوقة قبيل انتخابات منتصف المدة مباشرة.

غير أنّ المؤرخين قد يخلصون في النهاية إلى أن تطورًا آخر كان أشد خطورة وأعمق أثرًا: ألا وهو فشل سياسة ترامب تجاه الصين. فخلال أول عام ونصف من عمر الإدارة، أفسحت الولايات المتحدة المجال لمنافسها الجيوسياسي الشرس لتحقيق مكاسب ملموسة على كافة الأصعدة تقريبًا، بدءًا من ميزان القوى الاقتصادي والعسكري، وصولًا إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي.

وعلى خلاف الشائع في كثير من التحليلات، لا تبدو لدى الصين رغبة جادة في بناء “نظام عالمي صيني” على غرار الهيمنة الأمريكية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بيد أنها مصممة على تقييد القوة الأمريكية، وإزاحة واشنطن من موقع الصدارة في آسيا، والحد من نفوذها المالي، فضلًا عن إضعاف المؤسسات الدولية ذات التوجه الغربي وتجريد النظام الديمقراطي من مصداقيته. وبمعنى آخر، تسعى بكين إلى تسريع التحول التاريخي الذي لخصه الرئيس شي جين بينغ في مقولة “صعود الشرق وتراجع الغرب”. وفي غضون أقل من عامين، قطعت إدارة ترامب شوطًا كبيرًا في تمهيد الطريق أمام تحقيق هذه النتيجة.

وعندما يحل الرئيس “شي” ضيفًا على واشنطن في الرابع والعشرين من سبتمبر/أيلول، يجب ألا تحجب بهرجة القمة ومظاهرها البروتوكولية المشهد الأكبر: مدى التحول الذي طرأ على ميزان القوى، ومدى سرعة حدوثه، لصالح بكين. فقد صمدت الصين أمام الحرب التجارية، وضيقت الفجوة التكنولوجية، وأحكمت قبضتها على سلاسل التوريد الحيوية، وزادت من ضغوطها على تايوان، فضلًا عن تعميق أواصر علاقاتها مع روسيا وغالبية دول الجنوب العالمي؛ لتغدو اليوم في موقع أكثر قوة في مواجهة الولايات المتحدة مقارنة بما كانت عليه لحظة عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

وإذا لم يُصنّف الملف الصيني بعدُ باعتباره الإخفاق الأكبر لترامب في السياسة الخارجية، فإن ذلك يعود في الأغلب إلى عاملين رئيسين: غياب الأهداف المحددة للإدارة والتي يمكن قياس أدائها وفقًا لها، والطبيعة طويلة الأجل للأضرار الناجمة. فبخلاف التعاطي مع الملف الإيراني، لم ترسم إدارة ترامب قط سُلمًا استراتيجيًا واضحًا للأولويات تجاه الصين إذ خلت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 من إدراج بكين كمنافس جيوسياسي رئيس لبلادها، واكتفت بتأطير التحدي الصيني في أبعاد اقتصادية بحتة، حتى في الوقت الذي واصلت فيه قطاعات أخرى داخل الإدارة رؤية بكين كتهديد عسكري وتكنولوجي وأمني مباشر. كما أنّ استيعاب حجم الضرر يبدو أكثر صعوبة؛ لأنه بدلًا من الانفجار في أزمة مدوّية شديدة الوضوح كما حدث مع إيران، تتكشف أثمان هذه السياسة الفاشلة تجاه الصين تدريجيًا وعلى امتداد الزمن.

نون بوست
ترامب يتحدث خلال محطة ضمن حملته الانتخابية لمعالجة مخاوف سكان بنسلفانيا بشأن التهديد الصيني للزراعة الأمريكية في مزرعة في سميثتون، بنسلفانيا، في 23 سبتمبر/أيلول 2024

إنّ بعض إخفاقات السياسات الاقتصادية للبيت الأبيض تجاه الصين باتت جلية بالفعل: فالإدارة لم تنجح في خفض العجز التجاري، ولم تُعالِج مكامن الخلل والهشاشة في الاقتصاد الأمريكي بشكل ملموس، كما عجزت عن منع بكين من تضييق الفجوة في سباق الذكاء الاصطناعي.

ويتمثل الدليل الأول في العجز التجاري؛ فبالرغم من أنه ظلّ يشكّل هاجسًا رئيسًا لترامب لفترة طويلة، فإنّ الميزان التجاري لم يشهد أي تحسن يُذكر. وقد تدعي الإدارة أنّ “سياسة التجارة القائمة على مبدأ (أمريكا أولًا) تؤتي ثمارها” وأنّ “الصين لم تعد الشريك التجاري الذي تسجل معه الولايات المتحدة أكبر عجز تجاري”. غير أنّ دراسة حديثة لمعهد بيترسون تكشف أنّ الأثر الصافي للحرب التجارية اقتصر على إعادة توجيه الصادرات الصينية عبر طرف ثالث، وفي مقدمتها فيتنام وتايوان والمكسيك. وبالمقارنة مع التكاليف الباهظة التي فرضها تقلب الرسوم الجمركية على المصنعين والمستهلكين الأمريكيين، كانت سياسة الرسوم التي انتهجها ترامب ذات أثر سلبي محض على الاقتصاد الأمريكي.

ثانيًا، والأهم من ذلك، فشلت إدارة ترامب في الحد من اعتماد الاقتصاد الأمريكي على سلاسل التوريد الصينية بدرجة ملموسة. وينطبق ذلك بوضوح على المعادن النادرة والمغناطيسات، وهي ما يُعرف بـ “مكامن الاختناق” التي فشلت الإدارة، على نحو غير مفهوم، في التنبو   بأن بكين ستسخدمها كورقة ضغط على واشنطن في مواجهة الرسوم العقابية التي فرضتها. وعلى نطاق أوسع، يسري الأمر ذاته على قطاعات واسعة من المدخلات الصناعية الحيوية للتصنيع الأمريكي. فعلى سبيل المثال، وعقب التهديد برفع الرسوم الجمركية، سرعان ما أدرك البيت الأبيض أن عائدات المزارعين الأمريكيين كانت إلى حد كبير رهينة للمشتريات الصينية من فول الصويا والمنتجات الحيوانية؛ ونتيجة لذلك، وعندما ردّت بكين، اضطر ترامب إلى القبول بهدنة.

ولا تقل التداعيات الأوسع نطاقًا على الأمن الاقتصادي الأمريكي أهمية عن ذلك؛ فمثلما اكتشفت إيران من خلال إغلاق مضيق هرمز، أنّ أوراق ضغطها ضد الولايات المتحدة كانت أقوى مما تصورته قبل الحرب، أثبتت الصين أنها قادرة على الصمود، وابتكار البدائل، والرد حتى على أشد إجراءات الحرب التجارية شراسة من جانب واشنطن. وقد تجلت هذه الحقيقة فياتفاق بوسان في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، حين التقى ترامب وشي على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، إذ تراجع ترامب عن تهديده بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100 بالمئة على الواردات الصينية مقابل هدنة هشة بشأن المعادن النادرة، وفول الصويا، والفنتانيل، وضوابط التصدير. وقد أدرك العالم أجمع، بناءً على ذلك، حدود النفوذ الاقتصادي الأمريكي في مواجهة الصين.

نون بوست
نجم افتراضي رقمي يقدم عرضًا إلى جانب روبوتات بشرية ذكية، وبشر معززين تقنيًا، ومغنين بشر في حفل ذكاء اصطناعي خلال مؤتمر في شانغهاي في 11 سبتمبر/أيلول

يتمثل الجانب الأكثر ضررًا على المدى الطويل في إخفاق الإدارة في الحفاظ على التفوق الكبير، الذي تمتعت به أمريكا سابقًا، على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. ورغم أنّ الولايات المتحدة لا تزال تتصدر هذا المجال، إلا أنّ الصين حققت قفزات ملحوظة في مجالي الابتكار والتطبيق الفعلي، إذ أضحت نماذج اللغات الكبيرة الصينية تنافس النماذج الأمريكية، بل وتتفوق عليها في بعض الوظائف، بتكلفة زهيدة مقارنة بها. وتمنح شعبية النماذج الصينية المتاحة للاستخدام والتطوير، مقترنة بقدراتها التصنيعية وصدارتها في نشر الروبوتات الصناعية، مزايا استراتيجية كبيرة لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي محليًا ودوليًا، بالتوازي مع تحقيقها تقدمًا مستمرًا لتجاوز نقطة ضعفها الرئيسة المتمثلة في محدودية القدرات الحاسوبية.

وفي حين يواصل ترامب الادعاء بأن الولايات المتحدة “تتقدم على الصين بفارق شاسع” في الذكاء الاصطناعي، فإن هذا الفارق يتضاءل باستمرار، ليس فقط بفضل السياسات والبراعة الصينية، بل نتيجة لإهمال الإدارة متطلبات استراتيجيتها الخاصة والتخبط في تطبيق الأدوات التي ورثتها. فقد عجزت عن الحفاظ على الضوابط التي فرضتها إدارة بايدن على أشباه الموصلات المتقدمة، وتوانت في التصدي لطرق الالتفاف المتوقعة؛ ما مَكَّن الشركات الصينية من تدريب نماذجها على شرائح حظرتهاواشنطن، سواء بطرق مباشرة أو عبر طرف ثالث. وإن كانت قيود التصدير تمنح هامشًا من الوقت، فإن فعاليتها تظل مرهونة بالتنبؤ بكيفية تكيف المنافس. وبينما شغلت الإدارة نفسها بإدراج الشركات على القوائم السوداء ضمن نهج مضطرب ينحصر في ردود الأفعال، عملت الصين بأسلوب منهجي لتقليص الفجوة عبر مزيج من البحوث الأساسية والتطبيقية، والابتكار في العمليات، والاستغلال الخفي للتقدم والقدرات التابعة لشركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.

قد يعترض بعض المراقبين بأنّ الحصيلة الإجمالية لا تزال تصب في صالح واشنطن: فالاقتصاد الأمريكي يمضي قُدمًا، والأسواق تسجل أرقامًا قياسية، والشركات الأمريكية تحوز رؤوس أموال ضخمة غير مسبوقة؛ بينما تعاني الصين في المقابل من تبعات أزمة العقارات والديون، والاتجاهات الديموغرافية السلبية، والسياسات المشددة. غير أنّ هذه النظرة السطحية تغفل الاتجاه الاستراتيجي طويل الأجل؛ إذ يظهر التاريخ الاقتصادي أن القوة الوطنية ليست مجرد نتاج للابتكار العلمي والتكنولوجي الخالص، بل تتجسد في القدرة على السيطرة على الدورة الكاملة للتكنولوجيا ذات الاستخدامات العامة: بدءًا من الاستكشاف، مرورًا بالتسويق التجاري، ووصولًا إلى الانتشار واسع النطاق. وبناءً على هذا المعيار، تبدو الصورة أقل ملاءمة للولايات المتحدة بكثير.

في الوقت الذي تهاجم فيه واشنطن الجامعات، وتنفر الكفاءات عبر قواعد هجرة عقابية، وتخضع التمويل العلمي للمراجعة السياسية، تمضي الصين بخطى حثيثة لإنتاج ما يقرب من ضعف عدد حملة الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات سنويًا، وتسجل براءات اختراع أكثر من الولايات المتحدة (مع تضييق الفجوة في البراءات عالية الجودة)،وتعمل بجد على استقطاب العقول التي ترفضها أمريكا. وبينما يفكك البيت الأبيض الدعم المخصص لطاقة الرياح، والسيارات الكهربائية، وغيرها من صناعات الطاقة النظيفة، ترسخ الصين هيمنتها العالمية في مجالات البطاريات، والطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية. وفي حين تُبعد واشنطن شركاءها التجاريين بالرسوم الجمركية، والتهديدات، وتعطيل الترتيبات التجارية القديمة، توسع الصين شبكتها الخاصة من الاتفاقيات التجارية وصفقات الوصول إلى الأسواق، موسعةً حضورها في أسواق جديدة حول العالم  ومسجلة فائضًا قياسيًا تدعمه الصادرات عالية التكنولوجيا بشكل متزايد.

نون بوست
أشخاص يسبحون بينما تبحر سفينة حربية تابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني بالقرب من الساحل، كما تبدو من جزيرة ثيتو الخاضعة للإدارة الفلبينية في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، في 3 مايو/ أيار

لقد خسرت واشنطن أيضًا بعضًا من نفوذها على الصعيدين العسكري والأمني؛ إذ تمثلت المصلحة الاستراتيجية الأمريكية الراسخة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في الحيلولة دون هيمنة الصين على المنطقة.  وتعتمد هذه الاستراتيجية على إيجاد توازن قوى يحد من النفوذ الصيني عبر الشراكة مع القوى الإقليمية، وردع بكين عن استخدام القوة ضد تايوان؛ وهو ما يتطلب بدوره وجودًا عسكريًا أمريكيًا مكثفًا، ورسائل ردع موثوقة بشأن تايوان، وشبكة تحالفات قوية وفاعلة.

وعلى كافة هذه الأصعدة، تراجع مستوى الردع في عهد ترامب. وتجلّى الجانب الأكثر وضوحًا في إعادة توجيه القوات؛ فمن خلال خوض حرب ضد إيران، حولت إدارة ترامب موارد عسكرية ضخمة بعيدًا عن آسيا والمحيط الهادئ. وأدّى نقل حاملة الطائرات “يو إس إس جورج واشنطن” من اليابان إلى الشرق الأوسط إلى خلو غرب المحيط الهادئ من أي حاملة طائرات أمريكية. كما استهلك ذلك الصراع كميات هائلة من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، وصواريخ “باتريوت” و”ثاد” الاعتراضية، وصواريخ “توماهوك” التي تُعد ركيزة أساسية في أي مواجهة مفترضة مع الصين.

ولم تكن الرسائل الاستراتيجية أفضل حالًا؛ فمنذ أواخر عام 2025، نفذت بكين أكبر مناوراتها وأقربها مسافة من تايوان، أطلقت خلالها صواريخ في المياه المحيطة بالجزيرة، وتدربت على عمليات الحصار، ومحاكاة توجيه ضربات لأسلحة زودتها واشنطن لتايوان، فضلًا عن إجراء مسوح بحرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لتايوان قبالة ساحلها الشرقي. ورغم احتجاج واشنطن على بعض هذه التحركات وتعهدها بمواصلة دعم تايوان، فإن تعامل ترامب مع صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار باعتبارها “ورقة تفاوضية” بعث بإشارة لبكين مفادها أنه يرى أمن تايوان مسألة قابلة للمساومة لقاء تنازلات في جوانب أخرى من العلاقة.

وعلى المستوى الإقليمي، أدى تآكل الضمانات الأمنية الأمريكية إلى دفع دول المنطقة نحو تبني سياسات تحوط تجاه بكين كخيار للتوازن الاستراتيجي. وتُعد كوريا الجنوبية مثالًا جليًا على ذلك؛ إذ أمر ترامب البنتاغون بإجراء “تقليص كبير” للمناورات العسكرية السنوية المشتركة مع سيول، برغبة منه في معاقبتها لرفضها دعم الحرب على إيران، ومستشهدًا بعلاقته “الممتازة” مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون الذي وصفه بأنه “محترم ولا يشكل تهديدًا”. ومن جانبه، أعلن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ سعي بلاده لـ “استعادة كاملة” للعلاقات مع الصين. كما أجهدت واشنطن دون داعٍ علاقتها مع الهند، التي عُنيت إدارات متعاقبة بتطويرها بصبر لتكون ثقلًا إقليميًا موازنًا لبكين. ورغم شواهد الشك المتبادل بين بكين ونيودلهي، فإنهما تتجهان براغماتيًا عبر تكتل “بريكس” نحو بناء أنظمة تجارية ومالية بديلة بمعزل عن النفوذ الأمريكي.

ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك أضخم قدرات عسكرية في العالم، كما لا تزال الصين بعيدة عن مضاهاة نفوذها العالمي. لكن القوات الأمريكية مطالبة بالوفاء بالتزاماتها في أنحاء العالم، بينما تركز الصين قدراتها على أهداف أضيق نطاقًا بالقرب من شواطئها. وفي غرب المحيط الهادئ، تسبب ترامب في تقليص الأصول الأمريكية المتاحة للتحرك الفوري وزاد حالة عدم اليقين بشأن تايوان، وأضعف الثقة لدى حلفاء رئيسيين. وتصب هذه التغييرات مجتمعة في خدمة الهدف الأوسع لبكين، المتمثل في إقناع دول المنطقة بأن القوة الأمريكية لا يمكن الاعتماد عليها، وأن مقاومة النفوذ الصيني تنطوي على تكلفة باهظة.

نون بوست
متظاهرون يحتجون على سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة خلال مسيرة حاشدة في حي “تشاينا تاون” بالعاصمة واشنطن، في 30 يناير/ كانون الثاني

ومن جانبها، تحاجج إدارة ترامب بأنّ التخلص من الأعباء المالية والدبلوماسية وإظهار الجاهزية لاستخدام القوة الصلبة يفوقان تكاليف تآكل ثقة الحلفاء. غير أن بكين ترى في تدهور شبكة التحالفات الأمريكية الوثيقة هدية غير متوقعة.

لطالما واجهت الصين صعوبة في منافسة الولايات المتحدة على صعيد القوة الناعمة؛ نظرًا لأن سلطوية الحزب الشيوعي الصيني، وانتهاكات حقوق الإنسان، ودبلوماسية “الذئب المحارب” تحد جميعها من جاذبيتها. بيد أنه في عهد ترامب، بدأت هذه الفجوة في التقلص، لا لأن الصين تجاوزت تلك السلبيات، بل بسبب التدهور الحاد في صورة الولايات المتحدة بالخارج. لقد أضعفت سياسات ترامب ثلاثة أركان رئيسة للقوة الناعمة الأمريكية، إذ قوضت جاذبية القيم السياسية للبلاد، وأضرت بسمعتها كشريك موثوق وكريم، وزعزعت التصور الراسخ بأن القوة الأمريكية تعمل في مجملها وفق قواعد وقيود محددة، بما فيها الالتزام بالمعاهدات الرسمية.

وفي الداخل، أدّت الحملة الشرسة التي شنّها ترامب ضد الهجرة، والضغوط الممارسة على الجامعات ومنظمات المجتمع المدني ذات التوجه اليساري، واستمرار الهجوم على الصحافة، إلى الإضرار بالمكانة العالمية للولايات المتحدة كنموذج للحرية السياسية. ففي استطلاع أجراه مركز “بيو” للبحوث عام 2026 شمل 36 دولة، رأى 39 بالمئة فقط من المشاركين أن الحكومة الأمريكية تحترم الحريات الشخصية لشعبها، بينما أكد 56 بالمئة أنها لا تفعل ذلك. وفي كافة الدول تقريبًا التي أتاح مركز “بيو” بيانات مقارنة لها منذ عام 2021، شهدت التقييمات المتعلقة باحترام أمريكا للحريات الفردية تراجعًا حادًا.

كما أضعفت ثقافة ترامب السياسية القائمة على شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” صورة الولايات المتحدة كمجتمع متعدد الثقافات يستطيع فيه أشخاص من مختلف الأعراق والأديان والأصول القومية أن يجدوا مكانًا لهم وينجحوا. إن الخطاب القومي المتطرف لترامب ومساعيه لرسم حدود أضيق حول الهوية الأمريكية يُقوضان مصداقية واشنطن عندما تدين التعصب والقمع في الخارج؛ ما يمنح الحكومات الاستبدادية، بما فيها الصين، مادة جاهزة لتصوير الدعم الأمريكي للديمقراطية وحقوق الإنسان على أنه نفاق محض. وقد رصد مؤشر القوة الناعمة العالمي لشركة “براند فاينانس” لعام 2026 الاتجاه ذاته: إذ سجلت الولايات المتحدة التراجع الأكبر بين جميع الدول الـ 193 التي شملها التقييم.

وشكًلت المساعدات الخارجية مصدرًا محوريًا آخر لنفوذ أمريكا ورصيدها من النوايا الحسنة، إلا أن التفكيك المفاجئ الذي أقدمت عليه إدارة ترامب للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تسبب في تعطيل البرامج التنموية والإنسانية حول العالم. ففي عام 2025، تراجعت المساعدات الأمريكية بنسبة 57 بالمئة، لتصبح واشنطن أقل تقديمًا للمساعدات الدولية مقارنة بألمانيا. وبغض النظر عن الخسائر البشرية، ينطوي هذا الانسحاب الفوضوي على تكلفة سياسية خاصة: إذ يبعث برسالة مفادها أن أمريكا لم تعد تؤمن بأن التنمية الاقتصادية، والصحة العامة، والتعليم، والحد من الفقر حول العالم تصب في النهاية بمصلحتها.

كما اعتمد ترامب بشكل متزايد على الإكراه العسكري دون إيلاء اعتبار يُذكر للقوانين والأعراف الدولية التي طالما ادعت الولايات المتحدة التمسك بها. ففي يناير/ كانون الثاني، احتجزت الحكومة الأمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقلته جوًا إلى نيويورك. وأوضح ترامب أنّ العملية لم تكن مدفوعة بسجل مادورو كديكتاتور مستبد بقدر ما كانت مدفوعة بالسيطرة على الموارد النفطية وضمان الولاء السياسي لقيادة البلاد. وفي وقت لاحق، أبرمت واشنطن اتفاقًا نفطيًا تمتلك بموجبه الحكومة الأمريكية حصة 35 بالمئة في شركة تسيطر على حقول فنزويلية رئيسية. وفي فبراير، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، دون التشاور مع الحلفاء أو حتى المراعاة الشكلية لأحكام ميثاق الأمم المتحدة. كما واصلت إدارة ترامب تقديم الدعم العسكري لإسرائيل دون بذل أي جهد لمعالجة القلق الدولي المتزايد بشأن الضحايا المدنيين والأزمة الإنسانية المدمرة في غزة.

لم تصبح الصين في عهد “شي” أكثر ليبرالية في الداخل أو أكثر إحسانًا على المستوى الدولي، لكن القوة الناعمة مفهوم نسبي؛ فمع تدهور صورة أمريكا، تحقق الصين مكاسب تلقائية بطبيعة الحال. ويظهر استطلاع مركز “بيو” حاليًا أن النظرة إلى الصين باتت أكثر إيجابية منها إلى الولايات المتحدة في 25 دولة شملها الاستطلاع.

وهناك بعد دولي أكثر مباشرة لهذه المسألة؛ فقد خفضت إدارة ترامب التمويل والضغط الدبلوماسي والجهود المنسقة التي فرضت في السابق قدرًا من القيود على الحكومات الاستبدادية. وأدّت الاقتطاعات في المساعدات الخارجية وبرامج الديمقراطية التابعة لوزارة الخارجية، فضلًا عن محاولات قطع التمويل عن “الصندوق الوطني للديمقراطية”، إلى انهيار حاد في دعم المجتمع المدني، والإعلام المستقل، ومراقبة الانتخابات، وآليات المساءلة متعددة الأطراف. ومع تراجع هذه الآليات، اكتسبت بكين مساحة أكبر لتشكيل الأعراف الدولية لصالحها، وتوسيع نفوذها السياسي والإعلامي، وقمع معارضيها بمقاومة أقل تنسيقًا.

وعلى وجه الخصوص، أدّى وقف تمويل الأعمال المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية في الصين إلى تقليل الرقابة على كل من القمع الداخلي لبكين ونفوذها الاستبدادي المتنامي في الخارج. وإثر ذلك، أُجبرت المنظمات المعنية بالصين والتي ترصد المعارضة، وحقوق العمال، والاضطهاد الديني على تعليق مشاريعها وتسريح موظفيها، بينما تسببت الاقتطاعات في “إذاعة آسيا الحرة” في تعطيل مصدر نادر للتغطية الإعلامية غير الخاضعة للرقابة بلغات الماندرين، والتبتية، والأويغورية. وتسببت هذه الاقتطاعات، إلى جانب تعليق مبادرة مخصصة لمكافحة التضليل الإعلامي الأجنبي داخل الولايات المتحدة، في إضعاف القدرة على رصد الرقابة والبروباغندا الصينية، فضلًا عن مساعي بكين لتفريغ نظام حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من مضمونه.

ونظرًا لأن النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب كان يميل بوضوح نحو الديمقراطية الليبرالية، فقد عانت الأنظمة غير الديمقراطية طويلًا من فجوة في المشروعية في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة، مما حد من قدرتها على تحقيق أهداف سياساتها الخارجية على أسس معيارية متكافئة. ومن خلال إضعاف ذلك القيد، منحت إدارة ترامب الصين حرية أكبر  لإعادة تشكيل النظام الدولي بطرق أكثر ملاءمة للدول الاستبدادية، على نحو يضر بالديمقراطية في العالم وبالولايات المتحدة نفسها على المدى الطويل.

نون بوست
ترامب وشي يراقبان أطفالًا يلوحون بأعلام الصين والولايات المتحدة خلال لقائهما في بكين في 14 مايو/ أيار

وبالنظر إلى المشهد ككل، تتجلى بوضوح حقيقة أنّ الانتكاسات التي تعرضت لها واشنطن ذاتية الصنع؛ فبالرغم من كون الصين المنافس الجيوسياسي الأكثر شراسة للولايات المتحدة وإحدى القضايا القليلة التي تحظى بتوافق بين الحزبين، أُهملت عمليًا كأولوية استراتيجية. وجاءت معظم قرارات الإدارة مفككة، واتسمت بردود الفعل، كما كشف ترامب مدى هشاشة الاقتصاد الأمريكي أمام تحركات الصين، مما أدى إلى تضييق خيارات السياسة العامة أمام الإدارات القادمة.

وما يجعل السماح للصين بتحقيق كل هذه المكاسب في فترة وجيزة أمرًا أكثر إثارة للدهشة، هو المدى الذي أظهرت فيه بكين ضعف براعتها في استثمار التخبط الأمريكي. وكما رأى  ديفيد شامبو وستيفن جاكسون، فإنّ الصين “تضيع فرصة ذهبية” خلقها ترامب بأخطائه؛ فبسبب تهديدات بكين لتايوان ومطالبها البحرية، ترد العديد من الدول على عدم الموثوقية الأمريكية بالتحوط ضد كلتا القوتين العظميين بدلًا من الانجذاب نحو الصين. وفي الوقت نفسه، توقفت الإصلاحات الاقتصادية في بكين، بينما تسببت آلتها التصديرية الضخمة في ردود فعل عكسية حتى بين الدول التي نأت بنفسها عن واشنطن.

لكن الصين ليست بحاجة  إلى كسب تعاطف العالم لتستفيد من التراجع الأمريكي؛ فنظام “شي” معني بالدرجة الأولى بأمنه الخاص وبتهيئة بيئة دولية مواتية لاستمرار صعود بكين. ووفقًا لهذين المعيارين، فإن وضع الصين الآن أفضل مما كان عليه قبل 19 شهرًا، إذ باتت تمتلك أسواقًا أكثر، وأوراق ضغط أكبر، ومساحة أوسع لممارسة الضغط على تايوان. وربما تتمثل تركة ترامب الكبرى في تأكيد اعتقاد “شي” بأن الوقت يمضي لصالح الصين.