الرئيسية / أخبار / القوات الأمريكية في الشرق الأوسط… مأزق الحماية والانتشار

القوات الأمريكية في الشرق الأوسط… مأزق الحماية والانتشار

ابراهيم نوار

مع اكتمال الانسحاب من العراق في نهاية الشهر الحالي، يبدو استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أكثر صعوبة. فقد ارتفعت تكلفة هذا الوجود إلى درجة أن خيارات الرئيس الأمريكي والبنتاغون في البقاء العسكري في الشرق الأوسط أصبحت رهنا بتخفيف الوجود العسكري في أوروبا وشرق آسيا، وكذلك بمدى قبول دول المنطقة منطق الرئيس الأمريكي الذي يلزمها بدفع المزيد من الأموال للمساهمة في تغطية تكاليف بقاء قواته.

وفي معظم الأحوال كانت الاستجابة، بواسطة بعض دول الخليج، تأتي من خلال ثلاث قنوات: الأولى هي زيادة مشتريات الأسلحة الأمريكية. والثانية هي زيادة الأموال المستثمرة في الاقتصاد الأمريكي. والثالثة هي المساهمة في دفع فواتير التدريبات العسكرية المشتركة. ويبدو أن قيادات دول المنطقة التي تستضيف قوات أمريكية، وتفي بالالتزامات التي يطلبها ترامب قد وصلت إلى قناعة بأن واشنطن أصبحت غير قادرة على الوفاء بالالتزامات المقابلة. وقد أظهرت الحقائق في المواجهات العسكرية الأخيرة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، بما لا يدع مجالا للشك، عجز الولايات المتحدة عن تغيير قواعد اللعبة وتحويل المواجهات العسكرية إلى مصلحتها، ما أضعف إحساس دول الخليج بالأمن تحت حماية المظلة الأمريكية، ودفعها إلى استكشاف ترتيبات أخرى لحماية أمنها القومي.

من ناحية تريد واشنطن الإبقاء على خريطة نشر قواتها حول العالم بالطريقة التي كانت عليها بعد نهاية الحرب الباردة، لكن من الناحية الأخرى لا تملك القدرة على تمويل ذلك

ولا تعود معضلة استمرار الوجود العسكري في الشرق الأوسط إلى الخسائر التي لحقت بالقوات الأمريكية، وتدهور مصداقيتها في الحروب الأخيرة فقط، وإنما تعود إلى سنوات مضت. ففي عام 2023 وبمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيس القيادة المركزية الأمريكية، جرت في واشنطن عملية مراجعة شاملة لدور القيادة المركزية، على ضوء استراتيجية الدفاع القومي. وقد شارك في هذه المراجعة وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان ووزير الدفاع لويد أوستن ورئيس الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي ولجنة القوات المسلحة في الكونغرس والجنرال مايكل كوريلا، الذي كان يتولى قيادة القيادة المركزية وقتها. وكانت أهم النتائج التي كشفت عنها المراجعة، وجود تناقض حاد بين مهمات القيادة المركزية طبقا لاستراتيجية الدفاع القومي لعام 2022، والقدرات العسكرية المتاحة لها من الإدارة الأمريكية، وطبقا لشهادة كوريلا، فإن القيادة العسكرية المركزية تتحمل مسؤولية تنفيذ خمس أولويات عسكرية رئيسية هي، أولا، المحافظة على خيارات عسكرية ذات مصداقية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. ثانيا، مكافحة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة. ثالثا، إرباك تنظيمات العنف المتطرفة مثل «القاعدة» و»داعش» في سياق الالتزام بمواصلة الحرب على الإرهاب. رابعا، ضمان حرية الملاحة عبر الممرات البحرية الدولية. خامسا، العمل مع إسرائيل لحماية أمنها.
وتبين قراءة محضر الجلسة المفتوحة للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، أن الجنرال كوريلا قد اشتكى من وجود فجوة بين الإمكانيات العسكرية، والمهام الموكلة إلى القيادة المركزية، وذكر صراحة أنه تقدم بطلب لزيادة الإمكانيات المتاحة لقواته، سواء بالنسبة للتسليح التقليدي مثل الطائرات، أو للتسليح غير التقليدي مثل المعدات العسكرية المسيرة غير المأهولة بطواقم بشرية. هذه الشكوى من فجوة الإمكانيات منذ 4 سنوات زادت حدتها في الوقت الراهن، ووصلت إلى درجة أن القوات الأمريكية في مسرح العمليات في الخليج وبحر العرب ومدخل باب المندب، لم تعد قادرة على حماية نفسها وأصبحت أكثر انكشافا على الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة. ويعني ضعف قدرة الأصول العسكرية الأمريكية من القوات والذخائر والمعدات وخطوط الإمدادات على حماية نفسها، ضعف قدرتها على شن هجمات فعالة ضد الخصم. ويبدو أن استراتيجية نشر القوات الأمريكية في جبهتي مضيق هرمز والبحر الأحمر، كان قد أخذ في اعتباره تحقيق شروط الوضع الأمثل لشن الهجمات فقط، مع التقليل من أهمية توفر شروط قدرة القوات على الدفاع عن نفسها. وتواجه القوات الأمريكية التابعة للقيادة المركزية في جبهة بحر العرب ومضيق هرمز، في الوقت الحاضر، ظروفا سيئة لا يمكن التقليل من خطورتها. في حين أن جبهة البحر الأحمر التي تتداخل فيها مسؤوليات القيادة المركزية CENTCOM مع مسؤوليات القيادة الافريقية AFRICOM تعاني هي الأخرى من ضعف شديد لأسباب لا تتعلق بالتسليح فقط، وإنما أيضا تتعلق بضعف التنسيق وعدم وضوح الدور الاستراتيجي الذي تقوم به القيادة الافريقية. ولهذا فإن هيئة الأركان المشتركة الأمريكية أصبحت في حاجة إلى تعزيز القيادة المركزية بقوات إضافية من القيادة الأوروبية وقيادة منطقة المحيط الهادئ.
ويعمد الرئيس الأمريكي إلى إنكار خسائر قواته في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، فإنه أنكر في مقابلة مع شبكة «نيوزنيشن»، الشقيقة لشبكة «ذا هيل»، ردا على سؤال حول فقدان طائرة «إيه-10 ثندربولت» أحد جناحيها وتعرض ثماني طائرات إف-15 لأضرار «لا شيء على الإطلاق. لا أضرار. لا شيء». ولكن وفقا لتقرير منظمة رقابية مستقلة watchdog فقد تضررت أو دُمرت أكثر من 50 طائرة أمريكية منذ بدء الحرب مع إيران، بما في ذلك 4 طائرات «إف-15 إي»، وسبع طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي-135»، وأربع مروحيات «إيه إتش-6»، وما لا يقل عن 30 طائرة مسيرة من طراز «إم كيو-9 ريبر». وقد كان هونغ كاو القائم بأعمال وزير البحرية الأمريكية، أكثر صراحة عندما أكد أن القاعدة البحرية في البحرين قد تعرضت لأضرار جسيمة. وتمثل خسائر القوات الأمريكية جزءا من أسباب ضعف القيادة المركزية دفاعيا وهجوميا. الجزء الأهم هو استنفاد نسبة كبيرة من مخزون الأسلحة الحاسمة في الحرب وهي الصواريخ الاعتراضية والصواريخ الدقيقة الموجهة من بُعد ضد أهداف بعيدة المدى. وطبقا لمعلومات منشورة فإن الهجوم الإيراني يستدعى من القوات الأمريكية إطلاق نحو 30 صاروخ باتريوت لاعتراض الصواريخ والمسيرات الجوية الإيرانية، ما يزيد المخاوف بشأن مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية وغيرها من الصواريخ. ورغم السرية المفروضة على بيانات مخزون الصواريخ، يقدر خبراء مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن نحو 65 في المئة من صواريخ باتريوت الاعتراضية الأمريكية استُهلكت بين شهري فبراير ويوليو الماضيين، ولم يتبق سوى أقل من 850 صاروخا، بعد أن كان عددها 2330 صاروخاً قبل بدء الحرب مع إيران. هذه الأرقام تفسر توجه البيت الأبيض إلى طلب زيادات كبيرة في ميزانية الإنفاق الدفاعي. وقد طلب ترامب من الكونغرس في يونيو تخصيص 67 مليار دولار لتمويل الدفاع الطارئ، منها 21 مليار دولار لتجديد مخزونات الصواريخ. لكن صقور زيادة الإنفاق الدفاعي يضغطون لإدراج أكثر من 300 مليار دولار لتمويل الدفاع، ضمن حزمة تسوية الميزانية، وهو مبلغ سيرفضه الديمقراطيون نظرا لأن الجمهوريين رفضوا زيادة الإنفاق على البرامج غير الدفاعية بنسب مماثلة. وفي حال فوز الديمقراطيين بأغلبية مقاعد مجلس النواب في انتخابات نوفمبر المقبل، فإن الرئيس سيجد نفسه عاجزا تماما عن الحصول على هذه الأموال. الطرف الأكثر تضررا من ذلك مباشرة هو القيادة العسكرية المركزية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
ويبدو لي أن مسألة ضعف قدرة الولايات المتحدة عن حماية أصولها العسكرية في الشرق الأوسط، ليست منفصلة عن معضلة المحافظة على الهيمنة العسكرية الأمريكية على العالم. من ناحية تريد واشنطن الإبقاء على خريطة نشر قواتها حول العالم بالطريقة التي كانت عليها بعد نهاية الحرب الباردة، لكنها من الناحية الأخرى لا تملك القدرة على تمويل ذلك. هذه المعضلة أفرزت قدرا كبيرا من التخبط الاستراتيجي، كما أدت إلى انكشاف ضعف القدرات العسكرية هجوميا ودفاعيا والحاجة إلى ممارسة لعبة الكراسي الموسيقية في تخصيص الإنفاق العسكري. وتصطدم هذه المعضلة حاليا بسقف الدين العام المحدد بـ 41.1 تريليون دولار بعد إضافة 5 تريليونات في يوليو 2025. ويتجه الجمهوريون إلى طلب زيادته مرة أخرى بقيمة مماثلة (5 تريليونات دولار) لتوفير موارد إضافية لتغطية احتياجات زيادة الإنفاق الدفاعي. هذا الاتجاه الذي يدعمه ترامب من شأنه أن يعمق حدة المعضلة التي تواجهها الولايات المتحدة. الأكثر سوءا بالنسبة للقوة العسكرية الأمريكية هو أن هناك أصواتا تدعو للانسحاب من غرب المحيط الهادئ، ما يعني عمليا التراجع عن أي خطة لحماية تايوان!

كاتب مصري