الرئيسية / أخبار / القوة والإرادة والهوية: ثلاثية الصراع في الشرق الأوسط المتحوّل

القوة والإرادة والهوية: ثلاثية الصراع في الشرق الأوسط المتحوّل

معين الرفاعي

بعد 7 أكتوبر 2023، لم يعد الشرق الأوسط كما كان قبله. انتهت الحرب على غزة بعد عامين من التدمير المُمنهج، لكنّ القضية الفلسطينية لم تنته، بل ازدادات حضوراً على المستوى العالمي. ضُربت إيران بشدّة، لكنّ إيران تخوض المعركة أكثر تماسكاً. وتلقّى محور المقاومة سلسلة ضربات قاسية، لكنّ المقاومة ما زالت تتمسك بسلاحها، والمقاومة كفكرة صمدت في وجدان أبنائها وازدادت وهجاً. هذا كله يثبت أن التفوق العسكري، مهما سفك من الدماء ودمّر من المباني، لا يمكنه فرض الواقع الذي يريده، ولا صناعة مستقبل الشعوب على هواه ووفق مصالحه. فلماذا تبدو القوة وحدها عاجزة عن إنتاج نتائج سياسية في الشرق الأوسط؟
يطرح هذا السؤال نفسه بقوة أمام هول الإبادة والجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال في غزة والضفة وجنوبي لبنان؛ وتحاول هذه المقاربة الإجابة عنه من موقع تحليل البنية العميقة التي تحكم الصراع، بعيداً عن الحكم على انتصارات وهزائم بعينها. تنطلق المقاربة من فرضية مركزية مفادها أنّ تحوّل الصراع في الشرق الأوسط من معادلة أحادية — من يملك القوة يفرض إرادته — إلى ثلاثية تفاعلية، تقف فيها الإرادة والهوية كأضلاع أساسية في مثلّث الإنتاج السياسي.

يبدو واضحاً أنّ مفهوم القوة تحوّل في الشرق الأوسط تحولًا جذرياً خلال العقد الأخير. فلم تعد القوة تُقاس بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ، بل امتد ليشمل التكنولوجيا والاقتصاد والمعلومات والتحالفات والنفوذ الدبلوماسي والقدرة على إنتاج رواية سياسية للصراع. غير أن التحوّل الأهم تمثّل في الإدراك المتأخر بأن امتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحقيق الأهداف السياسية.
تخوض إسرائيل، بمساندة أميركية غير مشروطة، حرب إبادة شاملة على غزة منذ 3 سنوات، استخدمت فيها أقوى ترسانة عسكرية في المنطقة، ودمّرت البنية التحتية والمدنية، واغتالت قيادات المقاومة، وحوّلت القطاع إلى أنقاض.

ومع ذلك، اعترف محللون إسرائيليون بأن الحرب «فشلت في تحقيق أيّ من أهداف إسرائيل العسكرية أو السياسية». فالقوة الإسرائيلية التي عملت بلا رادع، ورغم كل الدعم العسكري واللوجستي اللامحدود الذي قدّمته لها الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية وغيرها لم تكسر المقاومة، ولم تستعد الأسرى بالقوة، ولم تحقّق «النصر المطلق» الذي وعد به نتنياهو. كتب الجنرال الإسرائيلي السابق غادي شامني أن إسرائيل استخدمت القوة العسكرية «بدون هدف سياسي واضح، وبدون ترتيبات ملزمة، وبدون استراتيجية خروج». تكشف هذه الوقائع عن قانون بنيوي: قد تكون القوة العسكرية قادرة على تغيير موازين الميدان، لكنها عاجزة وحدها عن إنتاج شرعية سياسية أو ترتيب مستقر.

ينطبق الأمر ذاته على القوة الأميركية. منذ الغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2001، وبعده للعراق في عام 2003، ظل الاعتقاد سائداً في واشنطن بأن القوة العسكرية قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. غير أن تجربة أفغانستان والعراق كشفت حدود هذه القوة. فقد تحوّلت الولايات المتحدة من قوة مهيمنة إلى طرف يبحث عن مخرج. وهو ما دفعها إلى الهروب من أفغانستان، والبحث عن وسائل غير القوة العسكرية للتأثير فيها، كما فُرضت عليها إعادة هندسة وجودها في العراق وجدولة انسحابها منه. وفي العدوان الأميركي-الإسرائيلي المشترك ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، بدا واضحاً أن القوّة العسكرية الأكبر في التاريخ تبدو عالقة في وضع صعب وحرج.

إن دلّت الأمثلة السابقة على شيء، فإنها تدلّ ليس على محدودية القوة فحسب (وهو الدرس الذي بدأت إدارة ترامب بتعلّمه أخيراً)، بل على أنّ ثمّة عناصر أخرى لا يمكن تجاوزها، ولا سيما البيئة السياسية والثقافية التي تتحرك فيها هذه القوة ميدانياً. أبرز هذه العناصر هي الإرادة والهوية.
فالإرادة تبدأ حيث تنتهي قدرة الآلة العسكرية على الفهم. ذلك أن الإرادة تعني قدرة طرف على الاستمرار في تحقيق أهدافه رغم ارتفاع الكلفة. وهو ما نشاهده اليوم في غزة وجنوبي لبنان وإيران، بصورة واضحة. فالإرادة هي الفارق بين الانتصار العسكري والنتيجة السياسية. فقد يربح طرف معركة، لكنه يواجه صعوبة في تحويل التفوّق إلى ترتيب سياسي مستقر، ولا سيما إن واجه إرادة صلبة من الطرف الآخر.

في غزة، لم تكن المعادلة يوماً معادلة سلاح مقابل سلاح. كان هناك طرف يملك أقوى جيش في المنطقة ومساندة دولية مفتوحة، وطرف آخر يملك ما لا يظهر في خرائط الجيوش: قدرة على التحمل، واستعداداً لدفع الكلفة، وإرادة لا تنكسر. كتب المحلل السياسي إبراهيم نوار أن «الصمود الفلسطيني أعاد نتنياهو إلى نقطة الصفر إقليمياً»، وأن «لدى المقاومة فيضاً من الإرادة، وفيضاً من الإقدام على التضحية». يقدّم هذا التحليل توصيفاً لبنية الصراع: فالطرف صاحب الإرادة الأشد صلابة يملك قدرة إستراتيجية أقوى من الطرف الذي يملك قوة مادية يملك أكثر.

يكشف العدوان على إيران عن الوجه الآخر للإرادة. تعرّضت الجمهورية الإسلامية لموجة اغتيالات غادرة لقيادتها ورموزها العليا، ولضربات جوية واسعة وحصار بحري خانق، كما استُهدفت قيادتها العسكرية، ودُمّرت بنيتها النووية جزئياً. لكن النظام لم يسقط. لقد دفعت الحرب طهران إلى إعادة بناء عقيدتها الأمنية على أسس أكثر براغماتية، مع تركيز على «الحرب غير المتكافئة» عبر الطائرات المُسيّرة والصواريخ البعيدة المدى، وتعزيز السيطرة على مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية. لم تستبدل إيران عقيدتها بالجغرافيا، بل جعلت الجغرافيا في خدمة العقيدة. تبدو البراغماتية اليوم وسيلة لضمان بقاء النظام، مع بقاء الهوية حاضرة كحامل للصمود. وهذا يعني أن الإرادة الإيرانية لم تُهزم، بل أُعيد تشكيلها تحت الضغط.

هنا تبرز الثقافة والهوية كطرف أساسي في المعادلة. يمتد الشرق الأوسط كمساحة جغرافية تتصارع فيها الدول على المصالح، لكنه يحمل أيضاً هوية فلسطينية، وقومية إيرانية، وبُعداً دينياً، وذاكرة تاريخية، وقضية القدس، ومسألة الدولة والحدود، وفكرة المقاومة. وكما كان الأمر عبر التاريخ، فإنّ كل مشروع سياسي يحاول إعادة تشكيل الشرق الأوسط يصطدم في النهاية بالهويات التي تشكّل وعي شعوبه.
تشكّل الهوية الفلسطينية قوة لا تظهر في خرائط الجيوش. كتب أمجد عراقي، المحلل البارز في مجموعة الأزمات الدولية، أن الفلسطينيين، رغم كونهم شعباً بلا دولة وعدداً محدوداً وبدون جيش أو ثقل اقتصادي، يمارسون نفوذاً في الشؤون الدولية يتجاوز حجمهم بكثير. فقضيتهم هي «الصراع الأكثر تغطية في العالم»، وصمودهم قادر على تحريك احتجاجات شعبية في عواصم كبرى، وتحويل فلسطين إلى «قضية سياسية داخلية في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة». هذه كلها تجلّيات لقوة الهوية؛ والقدرة على إنتاج معنى يقاوم الإلغاء.

في إيران، تمتد الهوية إلى ما هو أبعد من المظهر الأيديولوجي. زعمت دراسة نشرها المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط في عام 2026 أن الحروب ضد إيران «سرّعت بشكل جذري تآكل الهوية الثورية للجمهورية الإسلامية»، لكنها أفرزت في الوقت نفسه أشكالاً جديدة من الصمود المؤسسي. فالنظام الإيراني «ليس مجرد نظام سياسي يمكن إسقاطه واستبداله بسهولة، بل دولة ذات مؤسسات أمنية وعسكرية عميقة، ونسيج قومي مُعقّد». فحتى حين يتراجع البعد الأيديولوجي، تبقى الهوية القومية والثقافية حاضرة كحامل للصمود.

تنطبق المعادلة ذاتها على «إسرائيل»، لكن في اتجاه معاكس. تملك إسرائيل القوة، وتملك إرادة البقاء، لكنها تواجه أزمة هوية بنيوية: كيف تكون دولة ديمقراطية ومحتلة في الوقت نفسه؟ وكيف تحافظ على «يهوديتها» وتوسعها الجغرافي دون أن تفقد شرعيتها الدولية؟ كتبت مجلة «فورين أفيرز» أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، «فشلت في تأسيس النظام الإقليمي الذي تريده أو كسب ثقة الدول العربية»، وأن «دول الخليج لم تعد ترى في إسرائيل ضامناً لمصالحها، بل تحركت نحو مصالحة مع طهران». هذا تعبير واضح عن أزمة هوية استراتيجية: دولة تملك القوة لكنها تفقد القدرة على إنتاج شرعية إقليمية.
تفرض هذه القراءات خلاصة واضحة مفادها أن القوة لا تعمل في فراغ. فالقوة تحتاج دوماً إلى إرادة تستخدمها، وهوية تمنحها معنى وشرعية ودافعاً للاستمرار؛ وهو ما يفسّر المفارقة المركزية في الشرق الأوسط حالياً: فالطرف الذي يملك القوة لا يملك دائماً النتيجة السياسية، والطرف الذي يفتقر إلى القوة لا يفتقر إلى التأثير.

في غزة، تحوّل الصمود إلى عقيدة استراتيجية. وفي إيران، تحوّلت الهوية الثورية إلى بنية مؤسسية مقاومة. وفي إسرائيل، تحوّل التفوّق العسكري إلى عبء سياسي. وفي الولايات المتحدة، تحوّلت القوة المهيمنة إلى التزام مفتوح بلا نتيجة واضحة. تعبّر هذه التحوّلات عن تحوّل بنيوي في طبيعة الصراع من صراع على الأرض إلى صراع على المعنى. ومن يملك القدرة على إنتاج المعنى، وليس القدرة على فرض الوقائع وحدها، هو من يملك مستقبل الصراع.

لا يمكن اختزال الحالات الأربع في نموذج واحد، لكن يمكن قراءتها من خلال المعادلة ذاتها. أظهرت غزة أن القوة العسكرية لا تكسر إرادة شعب. بعد عامين من الحرب، لا يزال الصمود حاضراً، ولا تزال القضية الفلسطينية في صلب السياسة الإقليمية والدولية. لم تُهزم المقاومة، ولم تُصفَّ القضية. فالإرادة والهوية، حين تتفاعلان، تنتجان قدرة على البقاء تتجاوز الحسابات العسكرية.
بالمثل، أظهرت إيران أن الهوية الثورية، حتى حين تتراجع، تتحوّل إلى مؤسسات وأدوات صمود. لم يسقط النظام، ولم تتوقف قدرته على التأثير الإقليمي، بل تحوّلت إيران من «دولة ثورية» إلى «دولة عسكرية»، لكنها لم تتحوّل إلى دولة مهزومة.

في المقابل، أظهرت إسرائيل أن التفوّق العسكري بلا مشروع سياسي يتحوّل إلى أزمة وجودية. فالخريطة الجديدة للشرق الأوسط لن تقوم على معادلة بسيطة من نوع: إيران ضعيفة وإسرائيل قوية. بل ستقوم على معادلة أكثر تعقيداً: إيران مجروحة لكنها باقية، إسرائيل متفوّقة لكنها قلِقة.
بالمثل، أظهرت الولايات المتحدة أن القوة الخارجية لا تستطيع إعادة هندسة الشرق الأوسط إلى ما لا نهاية. بعد عقدين من الغزو والاحتلال والتدخل، تقف واشنطن اليوم أمام نهاية احتكارها للنظام الإقليمي، مع تحوّل دول المنطقة نحو لحظة متعدّدة الأقطاب تدفعها لتحل مشكلاتها بنفسها.

تفرض هذه القراءات رسم ثلاثة سيناريوات تحليلية للمستقبل. يتمثل الأول في استمرار منطق الهيمنة، حيث تحاول القوى الكبرى، بمساندة إسرائيل، إعادة فرض نظام إقليمي قائم على التفوّق العسكري والتحالفات الأمنية. لكن هذا السيناريو يواجه عقبة بنيوية: القوة وحدها لا تنتج شرعية، والشرعية ضرورية لأي نظام مستقر.
يتمثل السيناريو الثاني في توازنات متعدّدة القوى، حيث يتشكّل نظام إقليمي جديد على أساس توازنات متعددة: إيران باقية لكن مجروحة، إسرائيل متفوّقة لكن قلِقة، ودول الخليج غنية لكن أقل ثقة بالمظلات الخارجية، وتركيا صاعدة. يبدو هذا السيناريو أكثر واقعية من الأول، لكنه هشّ لأن التوازنات المتعدّدة لا تعني السلام بالضرورة.

أمّا السيناريو الثالث، فيتمثّل في صراع انتقالي طويل، وهو الأرجح. النظام القديم لم يسقط بالكامل، والنظام الجديد لم يولد بعد. أظهرت حرب غزة أن القوة وحدها غير قادرة على الحسم. وأظهرت المواجهة مع إيران أن الضربات وحدها لا تُسقِط الأنظمة. كما أظهرت التحوّلات الأميركية أن الهيمنة لا تدوم. ما يتشكّل ليس «شرق أوسط جديدًا» بالمعنى التبشيري، بل شرق أوسط انتقالي: أكثر انكشافاً، وأكثر تعقيداً، وأقل قابلية للتنبؤ.
في هذا الشرق الأوسط الانتقالي، يتجاوز السؤال حدود من يملك القوة، ويمتد إلى من يملك القدرة على تحويل القوة إلى إرادة، والإرادة إلى مشروع، والمشروع إلى واقع سياسي قابل للاستمرار. إنّ الذين يملكون الإرادة والهوية، حتى بلا قوة تقليدية، سيكونون حاضرين في تشكيل هذا الواقع. أمّا الذين يملكون القوة بلا إرادة ولا هوية، فسيجدون أنفسهم يحرسون أنقاض نظام لم يعد قادراً على إنتاج المستقبل.

* سياسي وباحث فلسطيني