تمارا برو
إذا تحولت مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان إلى أداة مساومة منتظمة مع الصين، فقد تجد واشنطن نفسها أمام ورقة تفاوضية قابلة لإعادة الاستخدام في كلّ جولة تفاوضية لاحقة.
عندما التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ بنظيره الأميركي دونالد ترامب في أيار/مايو الماضي، احتلت تايوان موقعاً مركزياً في العلاقة بين القوتين.
فقد أكد شي أنّ قضية تايوان هي القضية الأهمّ والأكثر حساسية في العلاقات الصينية–الأميركية، مشدّداً على أنّ الحفاظ على السلام والاستقرار في مضيق تايوان يمثّل مصلحة مشتركة للبلدين، ومحذراً من أنّ سوء إدارة هذا الملف قد يدفع العلاقة نحو مزيد من التوتر وربما إلى مواجهة أوسع.
وبعد أربعة أشهر، وعشية القمة الجديدة في واشنطن، لم يتراجع الموقف الصيني، بل بدا أكثر وضوحاً في رسم حدوده. فقد واصلت بيجين وصف تايوان بأنها خط أحمر، فيما دعت وزارة الدفاع الصينية واشنطن إلى التعامل مع القضية بأقصى درجات الحذر. كما طالب شي ترامب بمعارضة استقلال تايوان والتعامل مع القضية بحذر. وفي المقابل، برزت مبيعات الأسلحة الأميركية للجزيرة باعتبارها إحدى أكثر نقاط الاحتكاك حساسية في الحسابات الصينية–الأميركية.
فمنذ قمة أيار/مايو، تحوّلت صفقة الأسلحة لتايوان إلى اختبار حقيقي لحدود التفاوض بين واشنطن وبيجين. فبعد اجتماعه مع الرئيس الصيني في بيجين، قال ترامب إنّ قرار الموافقة على حزمة أسلحة أميركية لتايوان تبلغ قيمتها نحو 14 مليار دولار يعتمد، إلى حد ما، على الصين، واصفاً مبيعات الأسلحة بأنها “ورقة تفاوض جيدة جداً” بالنسبة إلى واشنطن.
هنا تبرز المفارقة الأساسية في الملف: ما تراه واشنطن أداة تفاوضية لا تنظر إليه بيجين بالطريقة نفسها. فتايوان، من المنظور الصيني، ليست مجرّد ملف يمكن إدخاله في مساومة مع الولايات المتحدة حول التجارة أو التكنولوجيا أو إيران أو غيرها من الملفات. إنها مرتبطة مباشرة بمفهوم السيادة ووحدة الأراضي، ولذلك فإنّ تحويلها إلى ورقة تفاوضية يلامس أحد أكثر الملفات حساسية في الحسابات الاستراتيجية الصينية.
ولذلك، فإنّ موقف بيجين في قمة أيلول/سبتمبر لا يقتصر على الاعتراض على حجم مبيعات الأسلحة الأميركية أو توقيتها. فقد ربط شي قضية تايوان بالوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية للصين، وطالب واشنطن بمعارضة استقلال الجزيرة والتعامل مع القضية بحذر. وهذا يشير إلى أنّ هدف بيجين لا يتمثّل فقط في الحدّ من كمية الأسلحة التي تصل إلى تايبيه، بل في تثبيت مبدأ تعتبره أساساً لأيّ علاقة مستقرة مع واشنطن.
هل تدخل تايوان في صفقة أوسع؟
من الصعب النظر إلى قرار تأجيل مبيعات الأسلحة لتايوان باعتباره ملفاً منفصلاً عن بقية أجندة ترامب مع الصين. فالرئيس الأميركي أظهر خلال تعامله مع بيجين ميلاً إلى ربط الملفات المختلفة ببعضها، بما يسمح باستخدام أدوات اقتصادية وأمنية ودبلوماسية للضغط من أجل تحقيق مكاسب في ملفات أخرى.
ومن هذا المنطلق، يمكن طرح احتمال أن تكون مبيعات الأسلحة لتايوان جزءاً من مساومة أوسع، تشمل الحصول على تعاون صيني في التعامل مع إيران، أو المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، أو دفع بيجين إلى زيادة مشترياتها من الطاقة الأميركية، أو تسهيل تدفّق المعادن النادرة، أو تقديم تنازلات تجارية واقتصادية.
لكن من الضروري التمييز بين الاحتمال التحليلي والدليل المباشر. فلا توجد، حتى الآن، أدلة علنية تثبت أنّ هذه الملفات دخلت في صفقة مقايضة مباشرة مع تايوان. ولذلك، فإنّ الأرجح أنّ أهمية الصفقة تكمن في كونها جزءاً من بيئة تفاوضية أوسع، وليس بالضرورة أنها ثمرة اتفاق مباشر بين واشنطن وبيجين حول تايوان.
وهنا تظهر نقطة أكثر أهمية: دخول بيجين في تفاوض حول مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان لا يعني أنها مستعدة للتفاوض على تايوان نفسها. هناك فارق جوهري بين التفاوض على سيادة الجزيرة ومكانتها السياسية، وهي مسائل تعتبرها بيجين من صميم مصالحها، وبين التفاوض على أدوات الدعم الأميركي لتايوان، مثل حجم صفقات الأسلحة وتوقيتها وشروطها.
ومن هذه الزاوية، قد ترى بيجين أنّ تقديم تنازل محدود في صفقة تسليح أقل كلفة من تقديم تنازل في ملفات أخرى، مثل إيران، حيث يمكن أن تكون التداعيات الجيوسياسية والأمنية أوسع وأكثر تعقيداً. ولذلك، فإنّ أيّ مرونة صينية محتملة في ملف الأسلحة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها مرونة تجاه قضية تايوان نفسها.
خطر تحويل الصفقة إلى سابقة
لكنّ المشكلة بالنسبة إلى بيجين لا تتعلّق فقط بما قد تتنازل عنه في الصفقة الحالية، وإنما بالسابقة التي يمكن أن تنتج عنها.
فإذا تحوّلت مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان إلى أداة مساومة منتظمة مع الصين، فقد تجد واشنطن نفسها أمام ورقة تفاوضية قابلة لإعادة الاستخدام في كلّ جولة تفاوضية لاحقة: تجميد صفقة مقابل تنازل صيني، ثم إعادة فتح الصفقة مقابل تنازل جديد.
وهذا يعني أنّ الخطر بالنسبة إلى بيجين لا يكمن بالضرورة في صفقة واحدة، بل في تغيير طبيعة العلاقة التفاوضية حول تايوان. فقبول إدخال صفقات السلاح في المساومات الثنائية قد يخلق سابقة تجعل الدعم العسكري الأميركي لتايوان جزءاً دائماً من لعبة المقايضة بين واشنطن وبيجين.
ولهذا، فإنّ أيّ تفاهم محتمل حول الصفقة قد يتطلّب من بيجين ضمانات تمنع تحويل مبيعات الأسلحة المستقبلية إلى أداة ضغط متكرّرة. لكن حتى مثل هذه الضمانات ستبقى محدودة أمام عامل أكثر تعقيداً: تغيّر الإدارات الأميركية مستقبلاً، وإمكانية إعادة إحياء الصفقات أو تعديلها وفق حسابات الإدارة الجديدة.
ورقة أميركية في مواجهة أوراق صينية
في المقابل، لا يعني استخدام ترامب لمبيعات الأسلحة لتايوان كورقة تفاوضية أنّ واشنطن تحتكر أدوات الضغط. فالصين تمتلك بدورها أوراقاً استراتيجية يمكن استخدامها في ملفات أخرى، وفي مقدّمتها المعادن النادرة والمواد الاستراتيجية التي تعتمد عليها قطاعات صناعية وتكنولوجية أميركية حسّاسة.
وبالتالي، إذا مضت واشنطن في صفقة الأسلحة، تستطيع بيجين، من حيث المبدأ، الردّ باستخدام أدوات اقتصادية وتنظيمية مقابلة، مثل تشديد ضوابط تصدير بعض المواد الاستراتيجية. وهنا تتحوّل المعادلة إلى تبادل للأوراق: صفقة السلاح تصبح أداة ضغط أميركية، بينما تصبح المعادن النادرة ورقة ضغط صينية.
وهذا يعكس طبيعة العلاقة بين البلدين اليوم. فالمنافسة لم تعد محصورة في المجال العسكري، بل أصبحت شبكة مترابطة من التجارة والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية، إضافة إلى الملفات الجيوسياسية الأكثر حساسية.
واشنطن أمام حسابات داخلية
وفي الوقت نفسه، يواجه ترامب ضغوطاً داخلية للمضي في صفقة الأسلحة، بما في ذلك من أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ، بينما ترى أصوات أخرى داخل الكونغرس أنّ مبيعات الأسلحة لتايوان يجب ألّا تتحوّل إلى ورقة مساومة مع بيجين.
وتزداد صعوبة القرار مع ارتباط تايوان بالمصالح الاقتصادية الأميركية، ولا سيما الاستثمارات التايوانية المرتقبة في الولايات المتحدة في قطاعات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطاقة. وبالتالي، فإنّ التعامل مع الصفقة لا يقتصر على حسابات العلاقة مع بيجين، بل يتقاطع أيضاً مع الحسابات الاقتصادية والتكنولوجية الأميركية.
تايوان تختبر حدود التفاوض
تكشف قضية مبيعات الأسلحة لتايوان أنّ الجزيرة أصبحت أكثر من مجرّد ملف أمني في الحسابات الأميركية–الصينية؛ إنها باتت إحدى أهم ساحات اختبار قدرة القوتين على إدارة التنافس من دون تحويله إلى مواجهة مفتوحة.
فالمسألة لا تتعلّق فقط بكمية الأسلحة التي ستصل إلى تايبيه، وإنما بما إذا كانت تايوان ستتحوّل تدريجياً إلى مساحة تفاوضية بين واشنطن وبيجين، أم ستبقى، رغم إدراجها ضمن أجندة التفاوض، خارج حدود المقايضة المباشرة.
ومن هنا، تكتسب الصفقة أهميتها الجيوسياسية الحقيقية. فهي تختبر حدود استعداد واشنطن لاستخدام أمن تايوان ضمن أدوات التفاوض، وفي المقابل حدود قدرة بيجين على منع تحويل الجزيرة إلى ورقة ضغط دائمة عليها. وإذا كان تأجيل الصفقة يمكن أن يكون جزءاً من مساومة مرحلية، فإنّ القضية الأهم ستبقى في ما سيأتي بعد ذلك: هل يصبح السلاح الأميركي لتايوان ورقة تفاوض في كلّ أزمة أميركية–صينية، أم تبقى هناك حدود لا تستطيع المساومة الثنائية تجاوزها؟
إذا نجح ترامب في إدخال الصفقة إلى منطق المقايضة، ستصبح تايوان جزءاً من سوق تفاوضية أوسع؛ أما إذا بقيت خارجها، فسيكون ذلك مؤشّراً على أنّ بعض الملفات، مهما اتسعت مساحة المساومة بين واشنطن وبيجين، لا تزال تحتفظ بحدود لا يمكن تجاوزها.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
