أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / الصمود الاستراتيجي الروسي: هل تستطيع موسكو تحويل المواجهة إلى نفوذ طويل الأمد؟

الصمود الاستراتيجي الروسي: هل تستطيع موسكو تحويل المواجهة إلى نفوذ طويل الأمد؟

أبرز النقاط

  • تواصل روسيا السعي إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية في أوكرانيا، في ظل ضغوط عسكرية واقتصادية ودبلوماسية متواصلة.
  • توفر الشراكة مع الصين دعماً اقتصادياً ودبلوماسياً مهماً لموسكو، لكنها لا تلغي أوجه التفاوت في القوة والنفوذ بين البلدين.
  • تظل صادرات الطاقة والعقوبات والتطورات الميدانية والسياسة الأميركية عوامل محورية في الحسابات الاستراتيجية الروسية.
  • سيتوقف النفوذ الروسي على المدى الطويل على قدرة موسكو على تحويل صمودها في زمن الحرب إلى أوراق قوة اقتصادية ودبلوماسية مستدامة.

مقال رأي

يكشف الموقع الاستراتيجي لروسيا عن مفارقة واضحة. فقد أظهرت موسكو قدرة على مواصلة المواجهة مع الغرب، والتكيف مع العقوبات، والحفاظ على علاقات مهمة خارج القارة الأوروبية. لكن القدرة على الصمود لا تعني بالضرورة تحقيق انتصار استراتيجي. ويتمثل السؤال المحوري أمام الكرملين في ما إذا كان يستطيع تحويل قدرته على امتصاص الضغوط إلى موقع دولي راسخ ومستدام، أم أن تكاليف المواجهة المطولة ستؤدي تدريجياً إلى تضييق هامش خياراته.

لا تزال الحرب في أوكرانيا في صلب الحسابات الاستراتيجية الروسية. فقد تداخلت العمليات العسكرية والهجمات على البنية التحتية للطاقة والتنافس على الدعم الخارجي بصورة متزايدة، بحيث باتت التطورات الميدانية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالدبلوماسية الدولية. كما كشفت التوترات الأخيرة بشأن الضربات الأوكرانية التي استهدفت مواقع الطاقة الروسية عن اختلافات بين نهج واشنطن في التعامل مع الصراع والأولويات العملياتية لكييف. وقد تتيح هذه الخلافات لموسكو فرصاً سياسية ودبلوماسية، لكنها لا تضمن التوصل إلى تسوية بالشروط التي يقبل بها الكرملين.

وتظل الصين الشريك الأهم لروسيا بين القوى الكبرى. فالبلدان يواصلان التنسيق الدبلوماسي، ويصفان علاقتهما بأنها شراكة استراتيجية. وقد ناقش وزيرا خارجية البلدين ملفات أوكرانيا وإيران والتعاون الثنائي خلال اجتماع عُقد في آسيا في أكتوبر/تشرين الأول. كما دعت الحكومتان إلى إنهاء الصراع مع إيران، في وقت واصلت فيه بكين شراكتها مع موسكو رغم استمرار الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

ومع ذلك، لا تقوم العلاقة الروسية الصينية على التكافؤ الكامل. فالحجم الاقتصادي للصين وقدراتها الصناعية وإمكانية وصولها إلى الأسواق العالمية تمنحها نفوذاً واسعاً. وفي المقابل، توفر روسيا الطاقة والقدرات العسكرية والموقع الجغرافي الاستراتيجي والوزن الدبلوماسي. لكن اعتمادها على مجموعة أضيق من الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين قد يحد من حرية حركتها. ومن ثم، فإن التعاون مع بكين يمثل مصدراً لتعزيز قدرة موسكو على الصمود، لكنه قد يتحول أيضاً إلى عامل يقيّد خياراتها الاستراتيجية.

وتظل الطاقة أداة محورية أخرى في الحسابات الروسية. إذ تسعى موسكو إلى الحفاظ على عائدات صادراتها وضمان استمرار وصولها إلى الأسواق، بينما تواصل الحكومات الغربية استخدام العقوبات والقيود الأخرى للحد من الموارد المتاحة لروسيا. وتتوقف فاعلية هذه الإجراءات على مدى تطبيقها، ووجود طرق تجارية بديلة، ومستويات الطلب العالمي، وقدرة المشترين والبائعين على التكيف مع الظروف الجديدة. ولذلك، فإن القول إن العقوبات جرّدت روسيا من قدرتها على التأثير، أو الادعاء بأنها أخفقت تماماً، لا يعكس التعقيد الحقيقي للمشهد الاقتصادي.

وتواجه موسكو كذلك معضلة استراتيجية أوسع. فالمواجهة الممتدة قد تعزز التعبئة الداخلية وتعمّق التعاون مع الشركاء من خارج المعسكر الغربي، لكنها قد تستنزف في الوقت نفسه الموارد التي تحتاج إليها روسيا لتطوير التكنولوجيا وتنويع الاقتصاد والاستثمار في المجتمع. ويمكن لدولة أن تحتفظ بأهمية عسكرية كبيرة، بينما تتقلص قدرتها على التأثير في النظام الاقتصادي الدولي وصياغة قواعده.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، فيتمثل التحدي في الحفاظ على الردع ودعم الشركاء من دون تحويل كل مواجهة إلى صراع مفتوح الأمد يفتقر إلى هدف سياسي واضح. وبالنسبة إلى روسيا، يختلف الاختبار الاستراتيجي: هل تستطيع تحديد تسوية تحمي مصالحها الأساسية من دون الاستمرار في تحمل تكاليف تقوّض عناصر قوتها المستقبلية؟

ستبقى روسيا لاعباً رئيسياً في الشؤون الدولية. فموقعها الجغرافي وترسانتها النووية ومواردها من الطاقة ومقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي تجعل تجاهلها أمراً غير واقعي. لكن النفوذ المستدام يتطلب أكثر من القدرة على تعطيل خطط الآخرين. فهو يحتاج إلى اقتصاد قادر على التكيف، ودبلوماسية تحظى بالمصداقية، وتسوية سياسية تستطيع الصمود أمام التحولات الميدانية المقبلة.

وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح الكرملين بمجرد قدرته على مقاومة الضغوط أو إطالة أمد المواجهة، بل بقدرته على تحويل هذا الصمود إلى نظام من المصالح والعلاقات يمكن الحفاظ عليه على المدى الطويل. فالسؤال ليس ما إذا كانت روسيا قادرة على الاستمرار في المواجهة فحسب، بل ما إذا كانت ستخرج منها بنفوذ مستدام يبرر تكاليفها، أم ستجد نفسها أمام صراع تتراكم أعباؤه بينما تضيق خياراتها الاستراتيجية.