أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / عندما تتحول الإشارة إلى حكم: الأردن وسوريا والفتنة الخطيرة للمخابرات الجزئية

عندما تتحول الإشارة إلى حكم: الأردن وسوريا والفتنة الخطيرة للمخابرات الجزئية

د. شهاب المكاحله

 

 

 

 

 

 

كان الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس اليونانية الأرثوذكسية في بلدة حمود في محافظة الكرك الأردنية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي جريمة بشعة تستوجب العدالة، لا الاختصارات. تسعة مصلين قتلوا خلال جنازة. عشرات الجرحى. مجتمع تمزق. للأردن كل الحق — بل وكل الواجب — في ملاحقة المسؤولين بكامل ثقل أجهزته الأمنية والقضائية.

تشريح التجاوز

تتبع رواية استخبارات الإشارات قوساً مألوفاً: زيادة بنسبة 14.4% في نشاط الاتصالات عند الساعة 02:10 بتوقيت غرينتش، ترتفع إلى 33.3% بحلول الساعة 02:50. انهيار بعد الهجوم بنسبة 56% دون خط الأساس. ارتفاع وجيز بنسبة 45%، ثم قفزة بنسبة 80% من الكرك استمرت دقيقتين قبل أن تختفي فجأة.

هذه قياسات. ما ليست عليه — وما لا يمكن أن تكون عليه — هو دليل على التنسيق العملياتي أو التفويض أو المسؤولية القيادية.

تأمل ما تثبته الرواية فعلاً: أن حجم الاتصالات تغير في منطقة مراقبة في أوقات محددة. هذا هو المستوى الأول والأساسي من الاستدلال. وهو لا يثبت من كان يتواصل، ولا ما قيل، ولا ما إذا كانت الأطراف تتحدث عن هجوم، ولا ما إذا كانت أي سلطة قد أمرت به.

ومع ذلك، تقفز الرواية من الارتباط إلى الاستنتاج، وتتعامل مع شذوذ إحصائي وكأنه بصمة عملياتية قاطعة. فالارتفاع الذي يسبق الهجوم قد يعكس إشارة تنسيق نهائية — أو نشاطاً مدنياً عادياً، أو عمليات أمنية محلية، أو خللاً تقنياً في القياس. والانحدار بعد الهجوم قد يشير إلى خلية مدمرة — أو إلى تحول في الشبكة، أو انقطاع تقني، أو انتقال الاتصالات إلى منصة أخرى. والقفزة الوجيزة من الكرك قد تكون إشارة تأكيد — أو أي من عشرات التفسيرات البريئة.

التسلسل الزمني نفسه لا يزال غير محسوم. وقع الهجوم في 23 تشرين الأول/أكتوبر، لكن الرواية لا تحدد بوضوح ما إذا كانت كل الطوابع الزمنية تشير إلى اليوم نفسه. ولا تشرح العلاقة بين توقيت غرينتش والتوقيت المحلي الأردني. ولا تصف كيفية تحديد خط الأساس. هذه ليست مخاوف شكلية. إنها الفرق بين التحليل والادعاء.

مستويات الاستدلال الأربعة

يميز خبراء الاستخبارات بين الكشف والربط والإسناد والمسؤولية. الأول لا يثبت الثلاثة الأخرى تلقائياً.

الكشف: تغير نشاط الاتصالات في وقت ومكان محددين.

الربط التقني: حدوث اتصالات بين أجهزة أو نقاط شبكة محددة.

الإسناد الاستخباري: بناء قضية قائمة على الأدلة بأن أفراداً أو جماعة معينة شاركت في التخطيط لهجوم أو تنفيذه.

إثبات المسؤولية: إنتاج أدلة كافية لربط أفراد أو كيانات بالهجوم وفق المعيار التحقيقي أو القانوني المعمول به.

تعمل رواية درعا بالكامل تقريباً على المستوى الأول بينما تدّعي المستوى الرابع. وحتى لو أثبتت البيانات وجود اتصالات بين درعا والكرك، فإن ذلك وحده لا يثبت أن الاتصالات تتعلق بالهجوم، ولا أن المستخدمين ينتمون إلى خلية إرهابية، ولا أن أي سلطة سياسية أو عسكرية وجهت العملية.

هذه ليست تفصيلاً شكلياً. إنها الفرق بين مؤشر استخباري يمكن أن يوجه تحقيقاً ودليل يمكن أن يبرر عملاً عسكرياً عبر الحدود.

جغرافيا درعا ليست حكماً بالإدانة

تحتل درعا موقعاً حساساً في حسابات الأمن الأردني. فجنوب سوريا شهد سنوات من الصراع، وتكاثر الفاعلين المسلحين، وتغير ترتيبات السيطرة الإقليمية. والأدلة الموثوقة على استخدام الأراضي السورية للتخطيط لهجمات ضد الأردن ستحمل implications أمنية وسياسية عميقة.

لكن الانتقال من الأهمية الجغرافية لدرعا إلى إسناد المسؤولية للسلطات الفعلية في دمشق يتطلب أدلة مستقلة. فنشاط الاتصالات في منطقة معينة لا يثبت أن السلطة التي تسيطر على تلك المنطقة وجهته، أو علمت به، أو سمحت به عمداً. وبالمثل، فإن إثبات مشاركة فرد أو شبكة محلية في عملية لا يجعل الحكومة التي تمارس السلطة على ذلك الإقليم مسؤولة تلقائياً عن كل نشاط يقع في نطاق سيطرتها.

يجب التمييز بين ثلاث احتمالات: خلية مستقلة تعمل داخل الأراضي السورية؛ أو شبكة محلية تستغل ثغرات في السيطرة الأمنية؛ أو دعم وتوجيه من كيان منظم. كل احتمال يتطلب أدلة مختلفة. ولا يمكن التعامل معها بمسؤولية كاستنتاجات قابلة للتبادل.

لذلك، ينبغي أن تركز الأسئلة المناسبة للسلطات الانتقالية السورية على مسؤوليتها عن منع استخدام أراضي البلاد لمهاجمة الدول المجاورة، والتحقيق في الأدلة المتاحة، والتعاون مع أجهزة الأمن والقضاء الأردنية، وتوضيح مدى سيطرتها الفعلية على المناطق الحدودية. هذه أسئلة تتطلب إجابات قائمة على الأدلة، لا افتراضات قائمة على الجغرافيا.

العتبة القانونية التي لا يمكن تجاوزها

للأردن واجب حماية مواطنيه. قتل الهجوم تسعة أشخاص خلال جنازة. وللحكومة كل الحق في التحقيق وملاحقة المشتبه بهم ومنع المزيد من العنف.

لكن حتى الضرورة الأمنية العاجلة لا تعفي العمل العسكري عبر الحدود من متطلبات القانون الدولي. فوجود بيانات استخبارية لا يحسم، بحد ذاته، legality استخدام القوة داخل أراضي دولة أخرى.

يعتمد التقييم على الوقائع والأدلة والظروف القانونية المعمول بها: الأساس القانوني الذي تستند إليه الدولة التي تنفذ العملية؛ وما إذا كانت شروط الدفاع عن النفس، إذا تم الاعتماد عليها، قد استوفيت؛ وضرورة القوة المستخدمة وتناسبها؛ والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين؛ والاحتياطات المتخذة لتجنب إيذاء المدنيين.

ولا يحسم النجاح التكتيكي التقييم القانوني أو الاستراتيجي. فقد يعطل غارة جوية شبكة مسلحة بينما يتسبب أيضاً في ضحايا مدنيين، ويخلق توترات دبلوماسية، ويقوض الثقة بين الدول المجاورة. لذلك يجب أن يتضمن التقييم الشامل التهديد المستهدف، والأدلة التي تربط ذلك التهديد بالمواقع المختارة، والنتائج الفعلية للعملية، والبدائل المتاحة.

والخلاف بين عمان ودمشق حول ما إذا كانت ضربات 26 تشرين الأول/أكتوبر قد تم التنسيق لها مسبقاً يؤكد فقط حجم المخاطر. فالعمل العسكري المبني على معلومات جزئية، دون تحقق شفاف، يخاطر بأن يصبح نبوءة ذاتية التحقق — تخلق التصعيد نفسه الذي تدّعي منعه.

الخطر الأكبر

يثير هجوم كنيسة حمود أسئلة جوهرية حول قدرة الأردن وسوريا على منع المناطق الحدودية من أن تصبح فضاءات عمل للجماعات المسلحة العابرة للحدود. كما يسلط الضوء على الدور المتزايد للاستخبارات التقنية في تشكيل القرارات الأمنية — من مراقبة الاتصالات إلى تحديد الأهداف المحتملة.

لكن قوة التقييم الاستخباري لا تقاس بثقة لغته. بل تقاس بما إذا كانت البيانات الأساسية قابلة للفحص، والمنهج التحليلي قابل للشرح، والتفسيرات المتنافسة قابلة للاختبار، وحدود الاستنتاجات معترف بها.

إذا أثبتت بيانات موثقة وجود تنسيق بين أفراد في درعا ومن نفذوا هجوم الكرك، فإن ذلك الدليل سيكون مهماً للتحقيق ولتحديد المسؤولية. أما إذا كانت المعلومات المتاحة تتكون فقط من زيادات وانخفاضات في حجم الاتصالات، فإنها تبقى مجموعة مؤشرات تتطلب تأكيداً إضافياً — وليست دليلاً قاطعاً على التخطيط أو التفويض أو المسؤولية السياسية.

السؤال الأهم للسلطات في عمان ودمشق ليس ببساطة ما إذا كانت إشارات الاتصالات قد تغيرت قبل الهجوم وبعده. بل ما إذا كان يمكن تحويل تلك المؤشرات إلى تحقيق موثوق وشفاف يحمي المدنيين، ويثبت المسؤولية على أساس الأدلة، ويمنع المزيد من الهجمات — دون السماح للمعلومات الناقصة بأن تصبح أساساً لتصعيد جديد في منطقة لا تحتمل مزيداً من عدم الاستقرار.

المعيار الذي يجب الوفاء به

في أعقاب الجرائم البشعة، يكون الضغط من أجل اتخاذ إجراء حاسم هائلاً. تطالب المجتمعات بالعدالة. وتواجه الحكومات ضغطاً سياسياً لإظهار الحزم. وقد تُغرى أجهزة الاستخبارات، التي تعمل في ظل عدم اليقين، بتقديم نتائج جزئية كتقييمات كاملة.

لكن تكلفة التجاوز لا تقاس فقط في التحديات القانونية أو الخلافات الدبلوماسية. بل تقاس في مصداقية المؤسسات التي تدّعي حمايتنا. ففي كل مرة تُقدَّم فيها الاستخبارات على أنها أكثر قطعية مما هي عليه، وفي كل مرة يُلبس فيها الارتباط ثوب السببية، وفي كل مرة تُعامل فيها بصمة الإشارة كبصمة مسؤولية — يتآكل أساس الثقة العامة.

الأردن يستحق أفضل من ذلك. سوريا تستحق أفضل من ذلك. وضحايا كنيسة حمود يستحقون تحقيقاً يلبي أعلى المعايير الإثباتية، لا تحقيقاً يختصرها باسم الإلحاح.

قد تكون بصمة الإشارة حقيقية. لكن المسؤولية تتطلب أكثر من ارتفاع في نشاط الاتصالات. إنها تتطلب أدلة تصمد أمام التدقيق، ومناهج يمكن فحصها، واستنتاجات تعترف بحدودها.

هذا هو المعيار. ولا ينبغي قبول أي شيء أقل من ذلك.