أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / تعقيدات المشهد الفرنسي: إرث الاحتجاج وتداخُل الأزمات

تعقيدات المشهد الفرنسي: إرث الاحتجاج وتداخُل الأزمات

ورد كاسوحه

ثمّة عوامل عديدة لا يمكن من دون مقاطعتها تقدير المشهد الذي يتشكّل حالياً في فرنسا على نحو متّسق أو دقيق.
هنالك، أولاً، الاستقطاب السياسي الحادّ بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، وهو وضعٌ مستمرّ منذ الولاية الأولى لماكرون، حيث لم تعد المرونة التي كانت تميّز التقليد السياسي العريق هناك، قادرةً على احتواء الانقسام المتزايد بين الوجهتين الراديكاليتين للسياسة الفرنسية الحالية. هذا لا يقيّد عمل نظام الجمهورية الخامسة فحسب، بل يجعله عاجزاً أيضاً عن معاودة اجتراح الصيغة الثنائية (يمين ويسار الوسط) التي أمّنت الاستقرار

السياسي والاجتماعي للبلاد، أقلّه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ووصول شارل ديغول إلى الحكم، عقب هزيمة النازية.
ثمّ بعد ذلك تأتي الأزمة الاقتصادية التي باتت تتخذ أشكالاً لم تكن ممكنةً أو متوقّعة من قبل. وهي مثلها مثل الاستعصاء السياسي القائم، تبدو عصيّةً على الاحتواء، وأقرَبَ ما تكون إلى الحال اليونانيّة التي اضطرَّ فيها

البنك المركزي الأوروبي إلى التدخّل، لتقديم «وصفات إنقاذ للاقتصاد اليوناني»، لقاءَ شروط تقشّفية قاسية جداً.
المسألة هنا تتجاوز المؤشّرات الكلية للاقتصاد الخاصّة بالتضخّم وتآكل القدرة الشرائية وعجز الموازنة وتطبيق وصفات التقشُّف، إلى السياسات النقدية نفسها. فهذه الأخيرة لن تكون قادرة على معالجة تزايُد الدين العامّ، ما لم يتمّ تخفيض نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي (تبلغ حالياً 119%)، وما لم يُكبَح كذلك المعدّل المرتفع للعوائد على السندات السيادية الفرنسية، حيث أصبحت تفوق من حيث النسبة، نظيراتِها في كلٍّ من ألمانيا والولايات المتحدة.

وهنا أيضاً، لا تبدو أزمة الديون منفَصلة عن الكلفة الباهظة التي باتت تتحمّلها الاقتصادات الأوروبية جميعها، بما في ذلك الأكبر حجماً بينها مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا، جرّاء المضيّ قُدُماً في سياسة العقوبات تجاه روسيا. المنظور الجيوسياسي لجهة دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً في مواجهة روسيا، ليس هو الأهمّ هنا، بقدر ما هي القدرة على الاستمرار في العسكَرة إلى ما لا نهاية، من دون تحميل الفئات الأكثر هشاشةً في هذه المجتمعات، تبعات الإمعان غير المسبوق في إسناد الحرب.

وهو ما كانت تفعله بالمناسبة الولايات المتحدة في حقبة بايدن، قبل قدوم ترامب إلى الرئاسة، ولكن من دون أن ينعكس ذلك مباشرةً على الاقتصاد الأميركي. ومردّ ذلك إلى أنّ سياسة العقوبات التي تهندسها واشنطن ضدّ روسيا، وتكلّف الحلفاء بتنفيذها، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، غير مصمَّمة للتسبُّب بأضرار، على الداخل الأميركي، مثلما هي الحال مع باقي الحلفاء. فهؤلاء الذين يقبعون على الضفّة الأخرى من الأطلسي ويدعَمون سياسات زيليسنكي المتخبِّطة، يقفون في المقدِّمة بخلاف الولايات المتحدة، وحين تبدأ المواجهة العسكرية بالتعثّر، يكونون أوّل من يدفع الثمن، على شكلِ تضخُّم وتراجُع في التنافسيّة وعجز عن احتواء معدّلات الديون الموروثة من أزمات سابقة.

وما يجعَل هذه التقاطعات كلّها، من السياسة إلى الاقتصاد إلى الموقف الجيوسياسي من الحرب، أكثر فاعليةً في الأزمة الحالية هو الجيل الذي يقود الاحتجاجات حالياً، ويبدو من البنية الصلبة والمتراصّة التي يتحرّك عبرها، وكأنه لا يبحث عن حلول وسط أو تسويات، مثلما كانت عليه الحال مع الأجيال السابقة. الأمر لا يتعلّق بالضرورة، بالعنف الاحتجاجي الذي تمَّت أيقَنَته، و تجاوَزَ في مداه، توقّعات الكتل السياسية المؤطِّرة للتحرّك ممثّلةً في حزب فرنسا الأبيّة وشركائه في النقابات وتنسيقيات الاحتجاج، بقدر ما يتصل بالمنظور الذي تريد الكتلة الشابّة، الدفعَ به، في مواجهة أزمات الجمهورية الفرنسية المختلِفة، وغير المسبوقة في حدّتها.

إذا كان المحتجون يقترحون إطاراً شبيهاً بذاك الذي انتهت إليه ثورة العام 1968، مع تنحّي شارل ديغول عن الرئاسة، والتحضير لمرحلة انتقالية، كان لرئيس وزرائه آنذاك جورج بومبيدو دورٌ أساسيٌّ فيها، فهذا يقتضي تحديد الأدوات أكثَر، بحيث تُوضَع آلية لتثمير الفعل الاحتجاجي، سياسياً، بدلاً من أيقَنة العنف بحدّ ذاته، كونه لم يكن مطروحاً بهذه الحدّة، في تلك الحقبة. هذا فضلاً عن ضرورة تفادي الحملة اليمينية الشرسة، سياسياً وإعلامياً، والتي اتخذت من أعمال النهب والحرق في 17 أكتوبر، ذريعةً، ليس فحسب لشيطنة الاحتجاجات وإلقاء تبعاتها على المهاجرين وحدهم، بل أيضاً لمحاصَرة حزب «فرنسا الأبية»، من النواحي كافّةً، عبر تشديد القبضة الأمنية على فعالياته (وقد فشلت فشلاً ذريعاً عقب نجاح الحَشْد سلمياً في تظاهرات 24 أكتوبر)، بوصفه القوّة الدافعة فعلياً، لهذا المُنعطَف في تاريخ فرنسا الحديث.
ثمّة أمرٌ لا بدّ من التذكير به في سياق المقارنات مع أحداث مماثِلة سابقة، وهو أنّ الزخم الذي يقوده اليسار في مفاصِل تاريخية معيّنة، عادةً ما يستغرق وقتاً ليؤتي أكُله، وأحياناً لا يستطيع إيصال منظورِه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إلا بعد مرور سنوات من الذروة الاحتجاجية، سواءً الحالية أو التي سبقتها.

في ثورة 1968، التي أفرَزَت، بالإضافة إلى القيادات السياسية الكبيرة مثل فرانسوا ميتران وليونيل جوسبان، معرفةً إبداعية ونظرية، غزيرة وخلّاقة، انتقلت من السياسة إلى الفلسفة والفكر النقدي والسينما، أخفَقَ اليسار في الفوز بالانتخابات الثانية التي أعقَبَت الثورة، عبر مرشّحه فرانسوا ميتران، لمصلحة مرشّح اليمين المدعوم من التيار الديغولي، فاليري جيسكار ديستان. اقتضى الأمر استنفاد الزخم الديغولي إلى حدودِه القصوى، مع رئيسين على التوالي متحدَّرين من اليمين الحاكم، حتى تبدأ مقاربات اليسار التي بلوَرتها أحداث أيار 68، بالتحقّق، ونيْل القبول الشعبي، على شكل حوامِل اجتماعية فعلية.
الانتقال إلى هذه المرحلة تطلَّبَ ليس فحسب تأزُّم حكم اليمين طوال ولايتين، بل أيضاً وصول أكثرية شعبية فعلية إلى قناعة، بأنّ مقاربة اليسار يمكن أن تمثّل بالفعل حلّاً ممكناً، لمجموعة الاستعصاءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي واجهتها فرنسا حينها، على نحوٍ تقاطعيّ يذكِّر بالوضع الحالي، وبعجز اليمين آنذاك، تماماً كما هي الحال الآن مع الوسط، عن تجاوُزِها أو حلِّها.

* كاتب سوري