أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / من مكة إلى طهران: هل تنجح الدبلوماسية الإقليمية في إيقاف الحرب قبل انفجارها؟

من مكة إلى طهران: هل تنجح الدبلوماسية الإقليمية في إيقاف الحرب قبل انفجارها؟

د. ميساء الرفاعي 

لم يكن اجتماع طهران بين مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان وإيران مجرد لقاء أمني آخر في منطقة اعتادت إدارة أزماتها على حافة الهاوية. فالحدث الأهم ليس انتقال وفود رفيعة المستوى إلى العاصمة الإيرانية، بل أن الدول الثلاث التي وقّعت اتفاق الدفاع المشترك في مكة المكرمة في 7 أغسطس/آب 2026 اختارت أن تفتح قناة مباشرة مع طهران في لحظة تتصاعد فيها مخاطر تجدد الحرب. هنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: الدول التي تسعى إلى بناء ردع جماعي لا ترى في الردع وحده ضمانة كافية للأمن، وتدرك أن منع المواجهة قد يتطلب التفاوض مع الطرف الذي تختلف معه، لا الاكتفاء بالاستعداد لمواجهته.

السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه التحركات قادرة على تحويل الدبلوماسية إلى حاجز فعلي أمام التصعيد، أم أنها محاولة أخيرة لشراء الوقت قبل أن تستعيد الحسابات العسكرية زمام المبادرة. فالشرق الأوسط لا يفتقر إلى المبادرات والوساطات، لكنه يعاني فجوة مزمنة بين إعلان الرغبة في الاستقرار والقدرة على إلزام الأطراف بما يمنع الحرب. ومن هنا، فإن اجتماع طهران يستمد أهميته من توقيته، لكنه لن يكتسب قيمته الحقيقية إلا بما ينتجه من تفاهمات قابلة للتنفيذ.

اتفاق مكة أمام أول اختبار سياسي حقيقي

منذ توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، ساد انطباع بأن الدول الثلاث تسعى إلى بناء إطار أكثر تنظيماً للتعاون الدفاعي، بما يعزز الردع ويمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة. ونص الاتفاق، وفق البيان الرسمي الباكستاني، على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، إلى جانب تعزيز أوجه التعاون الدفاعي بينها.

لكن الاتفاق الدفاعي لا يُختبر عند توقيعه، بل عندما تتعارض حسابات أعضائه، أو عندما يتعرض أحدهم للضغط، أو عندما يصبح الرد العسكري المحتمل أكثر كلفة من احتواء الأزمة. ومن هذه الزاوية، فإن اجتماع طهران يضع المبادرة أمام اختبار سياسي لا يقل أهمية عن بعدها العسكري: هل تستطيع الدول الثلاث بناء قوة ردع موثوقة، وفي الوقت نفسه منع تلك القوة من التحول إلى حلقة جديدة في سباق التصعيد؟

ليس في لقاء طهران ما يعني أن إيران أصبحت عضواً في اتفاق مكة، أو أن الدول الثلاث تخلت عن التزاماتها الدفاعية. كما لا يعني الحوار مع طهران زوال الخلافات القائمة معها. ما يكشفه الاجتماع هو إدراك عملي بأن الردع والدبلوماسية ليسا خيارين متناقضين بالضرورة؛ فقد يكون الردع ضرورياً لمنع الهجوم، بينما يصبح الحوار ضرورياً لمنع سوء الحسابات التي قد تشعل حرباً أوسع.

وهذه نقطة جوهرية بالنسبة إلى الرياض على وجه الخصوص. فالمملكة تحتاج إلى حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية وممراتها الاقتصادية، لكنها تحتاج أيضاً إلى بيئة إقليمية لا تفرض عليها الاستنفار الدائم أو تجعل التنمية والتحول الاقتصادي رهينتين لتقلبات الصراع. ولذلك، فإن نجاح اتفاق مكة لن يُقاس فقط بقدرة أعضائه على تنسيق دفاعاتهم، بل أيضاً بقدرتهم على تقليل احتمالات المواجهة التي قد تضطرهم إلى استخدامها.

لماذا طهران الآن؟

تأتي المباحثات في وقت تتزايد فيه المخاوف من تجدد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وتفيد التقارير المنشورة في 26 أكتوبر/تشرين الأول بأن اجتماع طهران يندرج ضمن جهود إقليمية لخفض التصعيد ودعم الوساطات التي تقودها قطر وباكستان، وسط مخاوف من انهيار المسار الدبلوماسي والعودة إلى العمليات العسكرية.

بالنسبة إلى إيران، يوفر الاجتماع فرصة لإظهار أن أمن المنطقة لا يمكن ترتيبه بمعزل عنها، وأن الدول المجاورة لا تستطيع تجاهل تداعيات أي حرب جديدة على أراضيها واقتصاداتها وممرات الطاقة والاتصالات. كما تمنحها المشاركة فرصة لتقديم نفسها طرفاً مستعداً لمناقشة آليات أمن إقليمي تقودها دول المنطقة، بدلاً من ترك القرارات الاستراتيجية الكبرى للقوى الخارجية وحدها.

لكن هذه الرؤية الإيرانية تصطدم بمشكلة أساسية: الثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها. فالدول الخليجية لا تنظر إلى أمنها من زاوية الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران فقط، بل من زاوية كل ما قد يطال أراضيها ومنشآتها وممراتها البحرية، بما في ذلك الهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة مرتبطة بطهران أو تحظى بدعمها. ومن ثم، فإن أي حديث عن منظومة أمن إقليمية مشتركة سيظل ناقصاً ما لم يتضمن التزامات واضحة بشأن احترام سيادة الدول ووقف الهجمات العابرة للحدود.

وبالنسبة إلى السعودية، لا يمكن فصل الحوار مع إيران عن المخاوف الأمنية المباشرة التي تواجه المملكة، بما فيها تصاعد الهجمات الحوثية وفق التقارير الواردة عن الأزمة. فالمطلوب ليس مجرد تطمينات بشأن النوايا، بل تفاهمات قابلة للتحقق تمنع استخدام أراضي الدول أو الجماعات المسلحة أو الممرات الحيوية أدواتٍ للضغط السياسي والعسكري.

من هنا، فإن أهمية الاجتماع لا تكمن في أن طهران استضافت خصومها أو شركاءها المحتملين فحسب، بل في أن جميع الأطراف باتت تواجه كلفة متزايدة لأي انفجار جديد. غير أن إدراك الكلفة لا يعني الاتفاق على كيفية تجنبها؛ وهذه هي المسافة التي ينبغي للدبلوماسية أن تقطعها.

السعودية: الردع من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة

تواجه الرياض معادلة دقيقة. فمن جهة، لا يمكن لأي دولة أن تتعامل مع الهجمات على أراضيها أو منشآتها باعتبارها أحداثاً يمكن احتواؤها بالتصريحات الدبلوماسية وحدها. ومن جهة أخرى، فإن الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة قد يوسع دائرة المخاطر، ويهدد البنية التحتية للطاقة والتجارة، ويرفع كلفة التأمين والنقل والاستثمار، ويقوض الاستقرار الذي تحتاج إليه الخطط الاقتصادية السعودية.

لذلك، لا ينبغي تفسير توجه السعودية إلى طهران بوصفه تخلياً عن اتفاق مكة، ولا بوصفه دليلاً على أن الاتفاق أخفق قبل أن يختبر ميدانياً. الأقرب إلى القراءة الاستراتيجية أن الرياض تحاول الجمع بين مسارين: تعزيز قدرتها على الردع، والإبقاء على قنوات اتصال تسمح بمنع التصعيد قبل بلوغه نقطة يصعب التراجع عنها.

ويكمن التحدي في تحويل هذا التوازن إلى سياسة قابلة للاستمرار. فإذا اكتفت الدبلوماسية بتبادل الرسائل من دون معالجة مصادر التهديد، فقد تُفسَّر على أنها مساحة إضافية للمناورة. وإذا جرى الاعتماد على الردع العسكري وحده، فقد يؤدي كل هجوم إلى رد مضاد، ثم إلى دورة تصعيد لا يملك أي طرف السيطرة الكاملة على نهايتها.

إن المصلحة السعودية لا تقتضي الاختيار بين القوة والحوار، بل تحديد وظيفة كل منهما. فالردع يرفع كلفة الاعتداء، والدبلوماسية تتيح اختبار النوايا، ووضع قواعد لتجنب سوء التقدير، وفتح مسار للتراجع المتبادل حين يصبح استمرار المواجهة أكثر خطورة من تسويتها. لكن ذلك يتطلب وضوحاً في الخطوط الحمراء، وآليات اتصال موثوقة، ومحاسبة على خرق الالتزامات.

كما أن قيمة اتفاق مكة ستتوقف على مدى وضوح التزامات أعضائه وإجراءات تفعيلها. فالبيان السياسي الذي يعلن أن الهجوم على أحدهم هجوم على الجميع يضع مبدأً مهماً، لكنه لا يغني عن الاتفاق على كيفية تقييم الهجوم، وآلية التشاور، ومستوى الاستجابة، وحدودها، وسبل منع سوء الفهم. إن الغموض قد يخدم الردع في بعض الظروف، لكنه قد يخلق مخاطر إضافية عندما تتداخل الجبهات وتتشابك الحسابات.

تركيا وباكستان: نفوذ الوساطة وحدود القدرة على التأثير

تضيف مشاركة تركيا وباكستان بعداً مهماً إلى التحرك. فأنقرة تملك علاقات إقليمية متعددة، وتتابع عن كثب تطورات أمن الخليج وشرق المتوسط وسوريا والعراق، فيما تحتفظ إسلام آباد بعلاقات مع طهران والرياض، وتؤدي دوراً في الاتصالات الرامية إلى منع اتساع المواجهة. وقد أشارت التقارير إلى أن التحرك نحو الاجتماع جاء ضمن جهود أوسع تشمل الوساطة القطرية والباكستانية.

لكن النفوذ الدبلوماسي ليس مرادفاً للقدرة على فرض التسوية. فتركيا وباكستان تستطيعان نقل الرسائل وتسهيل الاتصالات وتقريب بعض المواقف، لكنهما لا تستطيعان وحدهما ضمان التزام واشنطن وطهران أو منع إسرائيل من اتخاذ قرار عسكري مستقل. كما أن اختلاف مصالح الأطراف المشاركة قد يظهر عندما تنتقل المباحثات من العموميات إلى التفاصيل: ما الذي يُعد هجوماً؟ من يتحمل مسؤولية وقف التصعيد؟ وما الضمانات المطلوبة كي لا يُستغل ضبط النفس لإعادة ترتيب القدرات العسكرية استعداداً لجولة جديدة؟

ولذلك، فإن القيمة المضافة لأنقرة وإسلام آباد ستتحدد بقدرتهما على نقل الاجتماع من مستوى الرسائل السياسية إلى تفاهمات محددة، تتضمن إجراءات متبادلة وتوقيتات واضحة وآلية للتحقق من التنفيذ. أما الاكتفاء بإعلان دعم الاستقرار، فلن يكون كافياً في أزمة تحكمها حسابات الردع والشكوك المتبادلة.

مضيق هرمز: اختبار الدبلوماسية في شرايين الاقتصاد العالمي

لا يمكن لأي تفاهم بين واشنطن وطهران أن يتجاهل مضيق هرمز. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري محلي، بل شريان حيوي لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب مستمر فيه ينعكس على أسعار النفط والغاز، وتكاليف الشحن والتأمين، وحسابات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء.

وتتضمن المقترحات التي أوردتها المادة الصحفية الأصلية بحث إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة التجارية، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية. غير أن التفاصيل المتعلقة بترتيب التنازلات وتوقيتها تظل عنصراً حاسماً في أي اتفاق من هذا النوع. فالتفاهم قد يتعثر إذا طالب كل طرف الآخر باتخاذ الخطوة الأولى، أو إذا اعتقد أحدهما أن تقديم تنازل مبكر سيضعف موقفه التفاوضي.

وهنا تصبح آلية التنفيذ أهم من الإعلان. فإعادة فتح الملاحة تحتاج إلى ضمانات عملية، وقنوات اتصال بحرية وعسكرية، وتفاهم بشأن التعامل مع الحوادث، فضلاً عن التزامات تمنع تحويل الممر إلى أداة ضغط في المفاوضات. وفي المقابل، فإن أي تخفيف للقيود البحرية يحتاج إلى شروط واضحة يمكن التحقق منها، كي لا يتحول الاتفاق إلى هدنة مؤقتة يتبادل خلالها الطرفان الاتهامات بانتهاك التعهدات.

كما أن أمن الطاقة لا ينفصل عن أمن المنشآت والموانئ وخطوط الاتصالات. فالتهديدات التي تطال البنية التحتية الرقمية أو كابلات الاتصالات البحرية، إذا تحولت إلى أفعال، قد توسع الأزمة من المجال العسكري إلى الاقتصاد الرقمي والخدمات العابرة للحدود. ولهذا، يجب أن تشمل أي ترتيبات لتخفيف التصعيد حماية البنية التحتية المدنية، لا الممرات البحرية وحدها.

إن استقرار هرمز مصلحة مشتركة، لكنه ليس مضموناً بمجرد أن تتفق الأطراف على أهمية الملاحة. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت قادرة على فصل حرية التجارة عن الخلافات العسكرية والسياسية، ومنع تحويل الاقتصاد العالمي إلى رهينة للتصعيد.

واشنطن وتل أبيب: هل تملك المنطقة قرارها الأمني؟

يُطرح في طهران خطاب يدعو إلى منظومة أمنية تقودها دول المنطقة، بعيداً عن الاعتماد على القوى الخارجية. ويحمل هذا الطرح جاذبية واضحة في منطقة دفعت أثماناً باهظة للصراعات والتدخلات والتنافس بين القوى الكبرى. لكن الانتقال من الدعوة إلى الاستقلال الاستراتيجي إلى بناء نظام أمني قابل للحياة يحتاج إلى أكثر من استبعاد واشنطن من الصورة.

فالولايات المتحدة ما زالت طرفاً مؤثراً في المعادلات العسكرية والاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط، وإسرائيل تملك قراراتها وحساباتها الخاصة. ولا تستطيع الدول الإقليمية ضمان وقف الحرب بمجرد الاتفاق فيما بينها إذا لم تشمل التفاهمات الأطراف القادرة على استئناف العمليات العسكرية أو توسيعها.

ومع ذلك، فإن الاعتماد على واشنطن وحدها لا يوفر ضمانة كافية للاستقرار. فقد تتغير الأولويات الأميركية بتغير الحسابات الانتخابية أو الاستراتيجية، وقد تتعارض أولويات واشنطن مع تقديرات شركائها الإقليميين بشأن توقيت التصعيد وحدوده. لذلك، تحتاج دول المنطقة إلى توسيع قدرتها على التشاور والتأثير في القرارات التي تمس أمنها، لا إلى افتراض أن القوى الخارجية ستتولى إدارة أزماتها نيابة عنها.

لكن الاستقلال الاستراتيجي لا يتحقق بالشعارات، ولا بمجرد إنشاء تحالف دفاعي. إنه يتطلب اتفاقاً على الحد الأدنى من قواعد السلوك الإقليمي: احترام السيادة، وعدم استهداف المدنيين، ورفض الهجمات العابرة للحدود، وحماية الملاحة، ووجود آليات لتسوية الخلافات. كما يتطلب استعداداً للاعتراف بأن الأمن لا يمكن أن يكون امتيازاً لطرف وحرماناً دائماً لطرف آخر.

ومن دون هذه القواعد، قد تتحول فكرة الأمن الإقليمي إلى غطاء لتنافس جديد على النفوذ، بدلاً من أن تكون إطاراً لاحتواء الصراعات. فليس كل نظام تقوده دول المنطقة أكثر استقراراً تلقائياً؛ نجاحه مرهون بمدى عدالته ووضوح قواعده وقدرته على إلزام أعضائه وغير أعضائه.

ما الذي ينبغي أن تخرج به طهران؟

إذا أرادت الأطراف المشاركة أن تمنح الاجتماع معنى يتجاوز رمزيته، فهناك أربعة مسارات عملية ينبغي أن تكون في صلب أي متابعة دبلوماسية.

أولاً، إنشاء قناة اتصال دائمة بين المؤسسات الأمنية والعسكرية المعنية، تسمح بالتواصل السريع عند وقوع حادث أو هجوم، وتحد من احتمالات سوء التقدير. ففي بيئة تتعدد فيها الجبهات والفاعلون، قد يؤدي تأخر الاتصال أو غموض الرسائل إلى تصعيد لم يكن أي طرف يريده في البداية.

ثانياً، وضع تفاهمات قابلة للتحقق بشأن الهجمات على أراضي الدول والمنشآت الحيوية والملاحة البحرية. ولا يكفي إعلان رفض الاعتداءات؛ بل يجب تحديد كيفية التعامل معها، وتبادل المعلومات اللازمة، وتوضيح الالتزامات التي يتحملها كل طرف لمنع تكرارها.

ثالثاً، دعم مسار تفاوضي واضح بين الولايات المتحدة وإيران، بالتنسيق مع قطر وباكستان، يحدد القضايا التي يمكن معالجتها بصورة عاجلة، وعلى رأسها الملاحة البحرية ووقف الهجمات، ثم يفتح المجال لمناقشة الملفات الأوسع. وينبغي ألا يُحمّل اتفاق أولي كل خلافات المنطقة دفعة واحدة، لكن يجب أيضاً ألا يتحول إلى غطاء لتأجيلها إلى أجل غير معلوم.

رابعاً، ربط أي تصور للأمن الإقليمي بمبدأ الشمولية واحترام السيادة. فلا يمكن بناء استقرار دائم إذا اقتصر الحوار على توزيع النفوذ بين الحكومات، بينما تُترك القضايا الفلسطينية واللبنانية ومخاطر الاعتداءات على المدنيين خارج الحسابات. وقد أُشير في التصريحات الإيرانية بشأن الاجتماع إلى التطورات في فلسطين ولبنان والسياسات الإسرائيلية ضمن الملفات المطروحة، لكن إدراج هذه القضايا في جدول الأعمال لا يعني أن الأطراف توصلت إلى موقف موحد بشأنها. هذه الخطوات لن تنهي جميع الخلافات، لكنها قد تمنح الدبلوماسية أدوات عملية لاحتواء الأزمة. أما إذا بقي الاجتماع محصوراً في تبادل المواقف، فلن يكون كافياً لمنع التصعيد حين تتغلب حسابات القوة على كلفة الحرب.

الفرصة الأخيرة أم بداية مسار طويل؟

قد يكون من المبالغة وصف اجتماع واحد بأنه «الفرصة الأخيرة» لمنع الانفجار، لأن الدبلوماسية لا تنتهي بالضرورة عند فشل جولة، كما أن فرص التسوية يمكن أن تتجدد عندما تتغير الحسابات. لكن التوقيت يمنح اللقاء ثقلاً خاصاً: فكلما اقتربت الأطراف من مواجهة جديدة، ارتفعت كلفة الخطأ وضاقت المساحة المتاحة لتدارك القرارات المتسرعة.

والخطر لا يقتصر على قرار متعمد ببدء الحرب. فقد تنشأ المواجهة من هجوم محدود، أو رد يتجاوز التوقعات، أو تقدير خاطئ لخطوط الخصم الحمراء، أو اعتقاد بأن الطرف الآخر لن يرد. وفي منطقة تتداخل فيها القوى الحكومية والجماعات المسلحة والممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية، قد يصبح احتواء التصعيد أصعب من إشعاله.

لهذا، فإن مسؤولية الدول الأربع لا تتوقف عند إعلان الرغبة في الاستقرار. على إيران أن تقدم ضمانات عملية بشأن أمن جيرانها، وعلى السعودية وتركيا وباكستان أن تحول تعاونها الدفاعي إلى إطار يدعم الاستقرار ولا يقتصر على الرد على الأزمات، وعلى الولايات المتحدة وإسرائيل أن تدركا أن العمليات العسكرية قد توسع المخاطر بدلاً من إغلاق الملفات التي تسعيان إلى معالجتها. وفي المقابل، ينبغي ألا يُفهم ضبط النفس باعتباره قبولاً مفتوحاً بالتهديدات، بل خطوة متبادلة تقابلها التزامات واضحة.

إن المصلحة الإقليمية لا تكمن في انتصار طرف على آخر عبر حرب جديدة، بل في منع الحرب من أن تصبح الوسيلة الأساسية لإدارة الخلافات. وهذا لا يتطلب إنكار التناقضات أو افتراض حسن النيات، بل بناء قواعد تسمح للأطراف المختلفة بتقليل المخاطر حتى عندما لا تثق بعضها ببعض.

من مكة إلى طهران: امتحان القدرة على منع الحرب

يحمل اجتماع طهران رسالة مهمة: الدول التي تعزز تعاونها الدفاعي تدرك أن القوة وحدها لا تكفي لضمان أمنها، وأن الحوار مع الخصوم المحتملين قد يكون جزءاً من الردع لا نقيضاً له. لكن هذه الرسالة لن تتحول إلى إنجاز ما لم تتبعها آليات اتصال دائمة، وتفاهمات بشأن الهجمات والملاحة، ومسار تفاوضي يستطيع الصمود أمام الضغوط السياسية والعسكرية.

بالنسبة إلى السعودية، يكمن التحدي في حماية أمنها من دون الانجرار إلى حرب تستنزف مواردها وتعرض مصالحها الحيوية للخطر. وبالنسبة إلى تركيا وباكستان، يتمثل التحدي في استخدام علاقاتهما الإقليمية لتقريب المواقف من دون المبالغة في تقدير قدرتهما على فرض التسوية. أما إيران، فعليها أن تثبت أن دعوتها إلى أمن إقليمي تقوده دول المنطقة تعني التزامات متبادلة، لا مجرد المطالبة بدور أكبر في رسم الترتيبات الأمنية.

لا يكفي أن تجلس الأطراف إلى طاولة واحدة كي ينشأ نظام أمني جديد. ولا يكفي توقيع اتفاق دفاعي كي يصبح الردع مضموناً. ما تحتاج إليه المنطقة هو الجمع بين قوة تمنع الاعتداء، ودبلوماسية تمنع سوء الحسابات، وقواعد مشتركة تحد من تحويل الخلافات إلى حروب.

من مكة إلى طهران، انتقل الاختبار من إعلان التعاون الدفاعي إلى محاولة منع التصعيد. والسؤال الذي سيحسم قيمة هذه اللحظة ليس من خرج من الاجتماع بمكسب إعلامي أكبر، بل ما إذا كانت الدول المشاركة ستنجح في تحويل المخاوف المشتركة إلى التزامات عملية. فإذا فعلت، فقد تكون قد فتحت مساراً إقليمياً أكثر قدرة على إدارة الأزمات. أما إذا بقيت المبادرة عند حدود الرسائل، فستظل المنطقة أمام المعادلة القديمة نفسها: استعدادات للحرب تتسع، فيما تتراجع المساحة المتاحة لمنعها.