أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / اقتصاد تحت الطوق.. هل تصمد إيران أمام حصار موانئها؟

اقتصاد تحت الطوق.. هل تصمد إيران أمام حصار موانئها؟

بعد أن أخفق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حسم المواجهة مع إيران عسكريًا منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير/شباط الماضي، بدا واضحًا أن واشنطن أخذت تميل بصورة أكبر إلى تفعيل سلاح الاقتصاد بوصفه إحدى الأدوات الحاسمة في معركتها لإخضاع النظام الإيراني ودفعه نحو تقديم التنازلات المطلوبة على طاولة التفاوض.

في هذا السياق، جاء قرار فرض حصار بحري مشدد على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل/نيسان الجاري، باعتباره ترجمة مباشرة لهذا التحول في أدوات الضغط، ولا سيما بعد انهيار الجولة الأولى من المفاوضات التي انعقدت في إسلام أباد، وعجزها عن إنتاج صيغة تفاهم تنهي الحرب، في ظل تمسك كل طرف بسقفه السياسي وشروطه الخاصة.

ويستهدف هذا الحصار، في جوهره، خنق الاقتصاد الإيراني من شريانه الأكثر حساسية، عبر منع السفن من الدخول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، سواء كانت ناقلات نفط أو سفنًا محملة بالسلع والبضائع، وبذلك، فإن أكثر من 90% من المنافذ التجارية الإيرانية تصبح عمليًا تحت وطأة التجميد، بالنظر إلى أن هذه الموانئ تمثل الرئة الأكبر والأخطر التي يتنفس منها الاقتصاد الإيراني.

وعليه، لم يكن مستغربًا أن يأتي الرد الإيراني حادًا وعنيفًا، بل ومحمّلًا بإشارات تصعيدية تتناسب مع حجم التهديد الذي يمثله هذا الحصار، إذ لوّحت طهران بسياسة “الكل مقابل الكل”، مهددةً بتوسيع نطاق الرد عبر استهداف الموانئ الخليجية، وضرب المصالح الاقتصادية الأمريكية في المنطقة، والدفع نحو إشعال المجال الإقليمي برمّته.

وفق تلك المقاربة يفرض هذا الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية جملة من التساؤلات الثقيلة: ما مدى جدواه الفعلية؟ وهل يملك حقًا القدرة على انتزاع التنازلات التي تريدها واشنطن من طهران؟ ثم يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى أي مدى يستطيع الإيرانيون تحمّل كلفة هذا الخنق الاقتصادي قبل أن يضطروا إلى مراجعة حساباتهم السياسية والتفاوضية؟

كم يؤلم الحصار الإيرانيين؟

يستهدف الحصار الأمريكي شلّ الحركة في مجمل الموانئ الإيرانية، عبر تطويق الساحل الإيراني بقوة بحرية تضم 15 قطعة مدججة بالسلاح، بما يجعل الطوق البحري ممتدًا على كامل الموانئ الواقعة في الخليج العربي وعلى امتداد مضيق هرمز.

ويشمل ذلك أبرز الشرايين البحرية الإيرانية، من ميناء بندر عباس (الشهيد رجائي)، إلى ميناء الخميني، وبندر ماهشهر، وبوشهر، وعسلوية (مجمع بارس)، وتشابهار، وجاسك، وصولًا إلى جزيرة خارك التي يمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيراني، بوصفها الرئة النفطية الأخطر والأكثر حساسية في بنية الاقتصاد الإيراني.

ولا يتوقف النزف الناجم عن هذا الحصار عند حدود السلع العامة أو خسائر توقف الحاويات وتعطل حركة التجارة، بل إن جوهر الأزمة يكمن في تجميد تصدير النفط الخام الإيراني نفسه، وهو المصدر النقدي الأول والأثقل وزنًا في تمويل الدولة الإيرانية، فمن هذا المورد الحيوي يلبّي النظام الإيراني القسم الأكبر من احتياجاته الداخلية، سواء ما يتصل بالإنفاق على متطلبات الداخل المعيشي، أو ما يرتبط بكلفة التسليح واستدامة المجهود الحربي

 

وتشير التقديرات إلى أن إيران تتكبد يوميًا، بفعل هذا الحصار، خسائر تُقدّر بنحو 300 مليون دولار وفق بعض أرقام التجارة الخارجية الإيرانية، فيما ترفع تقديرات أخرى هذه الفاتورة إلى ما يتجاوز 400 مليون دولار يوميًا، بينما ذهب ترامب إلى رفع الرقم إلى حدود 500 مليون دولار في اليوم، ما يشير عمليًا إلى أن طهران تواجه استنزافًا اقتصاديًا بالغ القسوة، يتصاعد مع كل يوم يستمر فيه هذا الطوق البحري.

ومن هنا تتبدى الكلفة الباهظة لهذا السلاح الاقتصادي الذي أشهره ترامب في وجه الإيرانيين، باعتباره أداة ضغط تستهدف تعميق الاختناق الداخلي، ومراكمة الضغوط على بنية النظام من الداخل، خصوصًا مع تزامن ذلك مع حزم جديدة من العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية لتضييق الخناق إلى أقصى مدى ممكن، ليبقى السؤال الأهم: إلى متى يستطيع النظام الإيراني تحمّل هذه الكلفة؟

معركة الوقت.. إلى متى يمكن لطهران تحمل هذا الحصار؟

لا شك أن خسائر تتراوح بين 300 و500 مليون دولار يوميًا تمثل كلفة اقتصادية ثقيلة للحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، إلا أنه لا توجد حتى الآن تقديرات رسمية دقيقة تحدد المدة التي يمكن لطهران أن تواصل فيها الصمود في ظل هذا المستوى من الاستنزاف المتصاعد.

وعلى الصعيد النفطي، تشير بعض التقديرات إلى أن إيران قد تتمكن من تحمّل توقف شبه كامل لصادرات النفط لمدة قد تصل إلى نحو شهرين، قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى خفض الإنتاج نتيجة القيود المرتبطة بقدرات التخزين. إذ يبلغ إنتاجها نحو 3.5 مليون برميل يوميًا، بينما كانت صادراتها تقارب 1.84 مليون برميل يوميًا في مارس/آذار الماضي، مع وجود كميات ملحوظة من الخام في التخزين العائم. غير أن تجاوز هذه المدة الزمنية قد يغيّر طبيعة الحصار من كونه أداة ضغط وإرباك اقتصادي إلى أداة خنق فعلي للإيرادات والإنتاج على حد سواء.

أما على المستوى السلعي، فمن المرجح أن طهران قد استعدت مسبقًا لمثل هذه السيناريوهات، لا سيما في ظل إدراكها لاحتمالات التصعيد، وما رافق ذلك من تلويح بورقة إغلاق مضيق هرمز واعتماد سياسة “الكل في الكل”. وهو ما يشير إلى أن هذا النوع من التصعيد لم يأتِ دون حسابات مسبقة، بل رافقه إعداد لخيارات بديلة للتعامل مع تداعياته المحتملة.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الحصار المفروض على إيران لا يبدو محكمًا بشكل كامل، إذ لا تزال بعض السفن قادرة على العبور بشكل أو بآخر، إلى جانب امتلاك طهران لبدائل جزئية ومسارات التفاف محدودة، من بينها الاعتماد على المخزونات العائمة، ومحاولة توظيف مسار ميناء جاسك خارج مضيق هرمز، رغم أنه لا يزال غير مكتمل البنية التشغيلية بالكامل. وهي عوامل قد تسهم في إطالة قدرة إيران النسبية على التحمّل، دون أن تلغي في المقابل أثر الضغوط المتراكمة على المدى المتوسط.

 

ماذا عن الرهان على الداخل؟

حين اتجه ترامب إلى توظيف سلاح الحصار الاقتصادي، بدا واضحًا أن الرهان لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل كان منصبًّا بدرجة أساسية على الداخل الإيراني، عبر محاولة خلق ضغط اجتماعي ومعيشي متصاعد قد ينعكس في النهاية على بنية النظام ويدفعه نحو قدر أكبر من المرونة على طاولة التفاوض، وهنا تجد طهران نفسها في حالة اشتباك دائم بين مقتضيات السياسة الداخلية وتداعيات الخنق الاقتصادي الخارجي.

غير أن مسار الحرب أظهر، حتى الآن، قدرة نسبية لدى النظام الإيراني على امتصاص الصدمات ومواجهة الضغوط الداخلية، كما أن التصعيد الأمريكي، وما رافقه من حديث عن توظيف بعض التيارات المعارضة في الداخل لإحداث تغيير سياسي، ساهم بصورة غير مباشرة في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية، وإعادة ترتيب الأولويات باتجاه تغليب منطق الدفاع عن السيادة في مواجهة ما يُنظر إليه كضغط خارجي.

وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال أن إيران دخلت هذه المواجهة وهي تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية ممتدة؛ إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انكماش محتمل في عام 2026 بنحو 6.1%، مع معدل تضخم يقترب من 68.9%، وهو ما يعكس أن الاقتصاد الإيراني يعيش بالفعل تحت وطأة اختلالات مزمنة تراكمت عبر سنوات طويلة من العقوبات، بما يجعل موجات الضغط الحالية امتدادًا لمسار اقتصادي مأزوم، لا صدمة منفصلة عنه، طالما أنها لم تتجاوز بعد حدودًا قد تدفع باتجاه انفجار اجتماعي واسع.

ومن ثم، فإن الرهان على الداخل الإيراني عبر أداة الخنق الاقتصادي وحدها يظل رهانًا ناقصًا في بنيته، ما لم يُدعَّم بحزمة أدوات واستراتيجيات أكثر شمولًا وتأثيرًا، وهو ما قد لا يكون متاحًا أو مكتمل الحضور في اللحظة الراهنة داخل الحسابات الأمريكية.

هل تتغير قواعد اللعبة؟

وفق المعطيات المتاحة، فإن سياسة الحصار التي ينتهجها ترامب قد تُحدث أثرًا مباشرًا، وإن كان ممتد المفعول على المدى المتوسط، بما قد يضع المفاوض الإيراني تحت ضغط متزايد يدفعه إلى إعادة تقييم مستوى تشدده حيال الشروط المطروحة على طاولة التفاوض.

غير أن هذا المسار، في المقابل، لا يبدو كافيًا بمفرده لانتزاع تنازلات حاسمة في المرحلة الراهنة، في ظل ما اتخذته طهران من إجراءات وقائية منذ بداية الحرب، وما أبدته من قدرة على احتواء الداخل سياسيًا واقتصاديًا، سواء عبر أدوات قسرية أو عبر إدارة التماسك الداخلي.

ومع ذلك، فإن استمرار هذا الضغط لفترة أطول وبشكل أكثر تصعيدًا،  مع احتمالات تعزيزه بأدوات أخرىـ  قد يُحدث تحولًا تدريجيًا في موازين التأثير، بما يجعل أدوات الحصار أكثر فاعلية مما هي عليه في اللحظة الحالية.

ومن هذا المنطلق، جاء تأكيد ترامب على استمرار الحصار رغم تمديد الهدنة، في محاولة لإبقاء مستوى الضغط قائمًا، أملاً في دفع طهران نحو قدر من المرونة التكتيكية، ليس بالضرورة عبر تقديم تنازلات جوهرية، وإنما عبر مرونة محسوبة تتيح للبيت الأبيض صياغة سردية سياسية يمكن تسويقها كإنجاز تفاوضي، لا سيما في الملف النووي، الذي يظل محور الاشتباك الأساسي، وخاصة فيما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم باعتباره العقدة الأكثر تعقيدًا في أي تسوية محتملة.

في المحصلة، يمكن القول إن هذا الحصار قد يفتح نافذة للتفاوض، لكنه لا يفرض بالضرورة مسار استسلام سياسي، فطهران، رغم محدودية قدرتها على التحمل الاقتصادي وفق تقديرات زمنية قد تقارب شهرين في سيناريوهات الضغط القصوى، لا تزال تمتلك هامشًا سياسيًا أطول نسبيًا، مدعومًا بأوراق ضغط مؤثرة في مواجهة الولايات المتحدة، فضلًا عن قدرتها على امتصاص الاهتزازات الداخلية،  ويضاف إلى ذلك، بدرجات متفاوتة، الدور الصيني والروسي في تخفيف أثر الحصار عبر قنوات غير مباشرة، بما يُبقي المشهد مفتوحًا على توازن معقد لا يحسمه عامل واحد.