أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / فخّ الدبلوماسية: حين يصبح الوقت سلاحًا وتتحول المفاوضات إلى حرب بوسائل أخرى

فخّ الدبلوماسية: حين يصبح الوقت سلاحًا وتتحول المفاوضات إلى حرب بوسائل أخرى

 

د. شهاب المكاحله

في كل أزمة جيوسياسية، تأتي لحظةٌ تتوقف فيها الدبلوماسية عن كونها مسارًا للحل، لتتحول إلى أداةٍ للإيقاع بالطرف الآخر. تلك اللحظة ليست بعيدة… لقد بدأت بالفعل.

ما نشهده اليوم ليس تعثّرًا في المفاوضات، بل تحوّلها إلى آلية خنقٍ استراتيجي. لم يعد الوقت عنصرًا محايدًا، بل أصبح ساحة مواجهة قائمة بذاتها.

في قاموس Henry Kissinger، لم تكن الدبلوماسية يومًا فنّ الوصول إلى اتفاق، بقدر ما هي فن إدارة الضغوط المتناقضة دون الانزلاق إلى الصراع. لكن ما يحدث الآن هو العكس تمامًا: الضغوط لم تعد تُدار، بل تتراكم وتتقاطع—بعنف—عند نقطة واحدة: واشنطن.

وهم التفاوض

للوهلة الأولى، يبدو المشهد فوضويًا: لا وفود، لا اتفاق يلوح في الأفق، وتصريحات متضاربة تتدفق من Donald Trump بوتيرة تُربك حتى أقرب حلفائه. غير أن هذا ليس فوضى، بل حالة جمودٍ صلب، حيث تتحول كل خطوة إلى مخاطرة، وكل قرار إلى كلفة سياسية واستراتيجية باهظة.

تسعى واشنطن إلى نصر سريع وقابل للتسويق: تسليم اليورانيوم، وقف التخصيب، وصياغة رواية انتصار تعيد تثبيت التوازن الداخلي. أما طهران، فلا تتفاوض داخل هذه المعادلة، بل تعمل على إعادة صياغتها من الأساس.

وهنا يكمن الخلل البنيوي: طرف يتفاوض للوصول إلى نتيجة، وطرف آخر يتفاوض لإعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها.

تناقض اليورانيوم

في قلب هذا المأزق يكمن تناقضٌ عميق يقترب من حدّ الانفجار الاستراتيجي.

فواشنطن التي أعلنت سابقًا أنها نجحت في تحييد البرنامج النووي الإيراني، تعود اليوم لتطالب بتسليم اليورانيوم المخصّب. هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجية في الخطاب، بل يهدد بتقويض الأساس الذي تقوم عليه الرواية السياسية نفسها.

إذا سلّمت إيران جزءًا من مخزونها، فلن تمتلك واشنطن وسيلة حاسمة للتحقق من الباقي دون أن تكشف هشاشة ادعاءاتها السابقة. وإذا رفضت طهران، فإنها تعزز سردية التحدي. في الحالتين، يتحول “النصر” إلى عبء، والاتفاق إلى فخ داخلي.

لقد حذّر كيسنجر مرارًا من أن المصداقية هي العملة الحقيقية للقوة. وهنا، تبدو هذه العملة وكأنها تفقد قيمتها بصمت.

الوقت كسلاح غير متكافئ

في هذه الأزمة، لا يتوزع الوقت بعدالة.

بالنسبة لطهران، الزمن أداة ضغط. كل يوم يمرّ يزيد العبء—ليس عليها—بل على النظام الدولي بأسره: أسواق الطاقة، سلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم. أما بالنسبة لواشنطن، فالوقت عامل استنزاف؛ يآكل رأس المال السياسي، ويضخم القلق الاقتصادي، ويكشف هشاشة التحالفات.

المفارقة لافتة: القوة الأكبر أسيرة الاستعجال، بينما تستثمر القوة الأضعف في الصبر.

لقد تحوّل الزمن نفسه إلى سلاح.

التيار الاقتصادي الخفي

بعيدًا عن الضجيج السياسي، يكمن مركز الثقل الحقيقي للأزمة في الاقتصاد.

مجرد التهديد بتعطيل Strait of Hormuz كفيل بإحداث ارتدادات عنيفة في أسواق الطاقة العالمية. إمدادات وقود الطائرات، احتياطيات أوروبا، وسلاسل الإنتاج في آسيا—جميعها أصبحت رهينة احتمالات التصعيد.

التضخم في الولايات المتحدة لم يعد رقمًا اقتصاديًا، بل عبئًا سياسيًا متصاعدًا. أما أوروبا، فتجد نفسها على حافة أزمة مركّبة تجمع بين الطاقة والأمن الغذائي.

الأسواق لا تنتظر التصريحات… بل تُسعّر المخاطر. وهي بدأت بالفعل في إرسال إشارات القلق.

الحلفاء والصدع الصامت

الأكثر دلالة هو القلق المتنامي—وإن بصمت—بين حلفاء واشنطن. النقاشات حول سيولة الدولار، واستراتيجيات التحوط، والهمسات حول بدائل لنظام البترودولار، ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات مبكرة على تآكل الثقة.

التحالفات لا تنهار فجأة… بل تتآكل تدريجيًا، حين يتحول اليقين إلى شك.

الاستعداد العسكري: من الردع إلى الحافة

في المقابل، يكشف المشهد العسكري عن حقيقة موازية. الحشود، حاملات الطائرات، وتعزيز قدرات الحرب الإلكترونية لا توحي بسلام قريب، بل تشير إلى استعداد لسيناريوهات الانفجار.

هذا لم يعد ردعًا بالمعنى التقليدي، بل تموضع داخل ممر ضيق تتلاشى فيه الخيارات، ويصبح التصعيد نتيجة شبه حتمية.

المعادلة النهائية

ما يتشكل أمامنا ليس خيارًا بسيطًا بين الحرب والسلام، بل معادلة أكثر تعقيدًا وخطورة:

  • إيران تلعب على الوقت… فتراكم النفوذ
  • واشنطن تسابق الزمن… فتفقد المرونة
  • الأسواق تتجاوز الخطاب… وتفرض واقعها

حين تتحول المفاوضات إلى فخ، والممرات البحرية إلى أدوات ضغط، والزمن نفسه إلى عدو… لا يعود الصراع احتمالًا مؤجلًا.

بل يصبح نتيجة منطقية.

وكما أشار Henry Kissinger، فإن أخطر مراحل الدبلوماسية هي تلك التي يعتقد فيها الطرفان أن الفشل غير مقبول. ونحن الآن في قلب تلك اللحظة.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تندلع الحروب صدفة…

بل تصل—ببطء، ثم فجأة—كحتمية.