كشفت معطيات حصل عليها “عربي بوست” عن تثبيت موعد جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة، في خطوة تعكس انتقالاً تدريجياً في تدبير واشنطن للأزمة بين لبنان وإسرائيل، من إدارة الهدنة المؤقتة إلى محاولة تأسيس مسار تفاوضي مباشر.
ووفق هذه المعطيات، فإن اللقاء المرتقب بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي لن يقتصر على بحث تمديد وقف إطلاق النار المؤقت، بل يُنظر إليه كبوابة أولى نحو إطار تفاوضي أوسع قد يتطور لاحقاً إلى مفاوضات رسمية طويلة الأمد، برعاية أمريكية مباشرة.
غير أن هذا الطرح يواجه تحفظاً داخل بيروت، التي تخشى من أن يؤدي توسيع الوفد إلى نقل الانقسامات الداخلية إلى مسار التفاوض، ما يدفعها إلى التمسك بصيغة وفد محدود يجمع بين الطابعين التقني والسياسي، إلى جانب تحذيرات إقليمية عربية لبيروت من خطورة تقديم تنازلات دون تحقيق مكاسب.
قناة تفاوضية تتوسع تحت الضغط الأمريكي
قال مصدر حكومي لبناني لـ”عربي بوست” إنه تم تثبيت موعد جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة، حيث يلتقي السفيران اللبناني والإسرائيلي في واشنطن ضمن مسار تفاوضي مباشر يجري العمل على تثبيته وتطويره تدريجياً وفق خطة أمريكية.
وفق ذات المصدر، فإن هذه الجولة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل لن تقتصر على بحث تمديد هدنة الـ10 أيام، بل ستشكل مدخلاً لبلورة إطار تفاوضي أوسع قد يتطور لاحقاً إلى مفاوضات رسمية.
ويوضح المصدر الحكومي لـ”عربي بوست”، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى هذه القناة كفرصة لإعادة ترتيب المشهد في الجبهة الشمالية لإسرائيل، عبر نقل المواجهة من الميدان إلى الطاولة، مع ما يستتبع ذلك من إدخال لبنان في مسار تفاوضي طويل الأمد.
وتمارس واشنطن، يقول المصدر، ضغوطاً مباشرة لتوسيع الوفد اللبناني المفاوض، بحيث يضم تمثيلاً سياسياً أوسع، معتبرة أن أي اتفاق مستقبلي بين لبنان وإسرائيل يحتاج إلى شراكة داخلية لبنانية تضمن تنفيذه.
لكن هذا الطرح يواجه تحفظاً واضحاً داخل لبنان، حيث تخشى الدولة اللبنانية من أن يؤدي توسيع الوفد إلى إدخال الانقسامات الداخلية إلى طاولة التفاوض، أو إلى فرض وقائع سياسية تتجاوز قدرة الدولة على الالتزام بها لاحقاً.
لذلك، يميل لبنان إلى تشكيل وفد محدود الطابع، تقني-سياسي، برئاسة السفير سيمون كرم، مع الإبقاء على هامش المناورة مفتوحاً.
فجوة استراتيجية بين شروط لبنان وإسرائيل
المعلومات التي توصل بها “عربي بوست” كشفت أن الفجوة بين الطرحين اللبناني والإسرائيلي لا تزال واسعة، بل بنيوية.
إذ يطرح لبنان شروطاً تقليدية تنطلق من منطق استعادة السيادة، تبدأ بوقف الاعتداءات فورياً، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وإطلاق الأسرى، وترسيم الحدود البرية والبحرية بشكل نهائي. وهي شروط يعتبرها المصدر الحكومي “الحد الأدنى المقبول وطنياً”.
في المقابل، ترفع إسرائيل سقفها إلى مستوى مختلف كلياً، حيث تربط أي انسحاب ميداني بمسار نزع سلاح حزب الله تدريجياً، وتطرح إنشاء منطقة عازلة، إضافة إلى تفاهمات أمنية واقتصادية طويلة الأمد قد تشمل ملفات الطاقة والحدود البحرية.
ويؤكد مصدر دبلوماسي عربي لـ”عربي بوست” أن هذا التباين بين لبنان وإسرائيل هو “صراع بين مقاربتين”، الأولى تريد إنهاء الحرب، والثانية تريد إعادة تشكيل التوازن الداخلي في لبنان، وهو ما يجعل التفاوض، في شكله الحالي، أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى مسار حل نهائي.
عون بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل
في قلب هذا المشهد، يتحرك رئيس الجمهورية جوزيف عون على خطين متوازيين، خارجي لتأمين دعم عربي ودولي للبنان في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وداخلي لمحاولة بناء حد أدنى من التوافق السياسي.
وتؤكد مصادر “عربي بوست” أن الرئيس اللبناني يوسّع دائرة مشاوراته بشكل ملحوظ، مدركاً أن أي مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل من دون غطاء داخلي قد يتحول إلى عامل تفجير سياسي.
المصدر الدبلوماسي العربي أشار إلى أن عون تلقى رسائل متناقضة، تتمثل في ضغوط أمريكية لتسريع التفاوض، مقابل نصائح عربية واضحة من السعودية وقطر ومصر، بضرورة التريث وعدم تقديم تنازلات مجانية، وتحديداً عدم الذهاب إلى تفاوض منفرد، بل ضمن مظلة عربية أو إقليمية أوسع تشارك فيها سوريا أقله، لتفادي خطر الاستفراد به.
في هذا الإطار، لا يستبعد المصدر أن يلجأ عون إلى فتح نقاش داخلي حول ملف السلاح، أو حتى الدعوة إلى حوار وطني، كخطوة استباقية لتحصين الموقف اللبناني قبل الدخول في أي التزامات تفاوضية.
رفض إقليمي لشرعنة مبكرة لإسرائيل
يوازي هذا الحذر اللبناني مواقف عربية وإقليمية رافضة لأي خطوات سياسية متقدمة قبل تحقيق مكاسب ميدانية واضحة.
ويؤكد المصدر الدبلوماسي العربي أن هناك شبه إجماع على رفض عقد لقاء مباشر بين عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة، باعتبار أن ذلك سيُفسَّر كمنح شرعية سياسية لإسرائيل من دون مقابل.
هذا الموقف ينسجم مع توجه لبناني داخلي يرفض الذهاب إلى خطوات رمزية كبيرة قبل وقف العمليات العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل استمرار الخروقات الميدانية.
ووفق المصدر، فإن المبعوث السعودي الخاص الأمير يزيد بن فرحان ومدير المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد أكدا لعون ضرورة التريث وعدم الخوف من تهديدات نتنياهو وتهويل ترامب في هذه المرحلة.
ترابط مع المسار الأمريكي-الإيراني
رغم هذا الحراك السياسي، تكشف المعطيات أن الواقع الميداني يسير في اتجاه معاكس، إذ تستمر إسرائيل في خروقاتها للهدنة، مع تكريس فعلي لمنطقة عازلة في الجنوب، وتوسيع نطاق عملياتها العسكرية، ما يضعف ثقة لبنان بأي مسار تفاوضي.
وأشار المصدر الحكومي اللبناني إلى أن المشكلة الأساسية ليست في إطلاق التفاوض، بل في غياب الضمانات، معتبراً أن إسرائيل تستخدم التفاوض كغطاء لتثبيت وقائع ميدانية جديدة، لا كمدخل لحل فعلي.
فيما بات الملف اللبناني جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، مرتبطة بشكل مباشر بالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، فاستمرار الهدنة في لبنان مرتبط عملياً بمصير هذه المفاوضات، وأي انهيار فيها قد يعيد التصعيد فوراً إلى الجبهة اللبنانية.
ويحذر المصدر الدبلوماسي العربي من أن لبنان “لم يعد ساحة مستقلة في هذا الملف، بل بات جزءاً من حزمة تفاوضية أكبر”، ما يحد من قدرته على التحكم بمسار الأحداث.
وتكشف هذه المعطيات أن ما يجري يتجاوز بكثير مسألة تثبيت وقف إطلاق النار، إذ إن الصراع الحقيقي يدور حول شكل المرحلة المقبلة، هل ستكون هدنة طويلة الأمد تُدار ضمن توازن هش، أم مدخلاً لتسوية سياسية-أمنية أوسع؟
حتى الآن، ترجّح المصادر أن السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار حالة “الاستقرار البارد”، لا حرب شاملة، ولا سلام فعلي، بل إدارة دقيقة للتوتر، تحكمها توازنات داخلية وإقليمية يصعب كسرها.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
