الرئيسية / أخبار / بين الخوف والتصميم: إيران وأمريكا ولحظة إسلام آباد

بين الخوف والتصميم: إيران وأمريكا ولحظة إسلام آباد

د. شهاب المكاحله

 حين يتحول التاريخ إلى مرآة مكسورة

التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه—كما لو كان نصًا منقوصًا من مسرحية غير مكتملة—يتكرر على هيئة صدى مشوّه، يتدرّب في الظلال، ويظهر في اللحظة التي تشتد فيها الحاجة إلى الوهم. في بعض الأحيان، لا تُصنع اللحظات المفصلية في العلن، بل تُحاك في غرف مغلقة، حيث اللغة ليست أداة للتواصل، بل وسيلة لإعادة تشكيل الواقع. هنا، كان فهم هنري كيسنجر عميقًا: السياسة ليست ما يُقال، بل ما يُخفى خلف ما يُقال.

في عام 1972، لم يكن اللقاء الذي جرى في إسلام آباد مجرد محطة دبلوماسية، بل كان نقطة انكسار في بنية النظام الدولي. الوساطة الباكستانية لم تُقرّب بين واشنطن وبكين فقط، بل أعادت تعريف مفهوم “العدو” ذاته. لم يكن هناك اتفاق مكتوب بالمعنى التقليدي، بل ما يشبه—بلغة أورويل—إعادة برمجة للواقع: حيث تُبنى الحقيقة، وتُدار، وتُفرض.

اليوم، تعود إسلام آباد، لكن ليس كذكرى من زمن الحرب الباردة، بل كمسرح محتمل لتفاهم أمريكي–إيراني. والسؤال الحقيقي ليس إن كان اللقاء مهمًا، بل إن كان يحمل في طياته بذور التحول… أم مجرد إعادة تدوير للأزمات.

الحرب كلغة… والسلام كأداة

ما نراه اليوم ليس سلامًا، بل حالة من “التفكير المزدوج” على الطريقة الأورويلية.
حرب في الجنوب اللبناني، ومفاوضات في مكان آخر.
تصعيد على الأرض، وتهدئة في البيانات.

هذا ليس تناقضًا… بل تصميم.

ما يقوم به بنيامين نتنياهو في جنوب لبنان لا يمكن فهمه كخرق للهدنة، بل كإعادة تعريف لها. الهدنة لم تعد وقفًا لإطلاق النار، بل مساحة مرنة تُدار فيها القوة بانتقائية. الرسالة واضحة: إسرائيل لا تعترف بساحة حرب محددة، بل تعيد رسمها متى شاءت.

هنا، يعود صوت نيكولو مكيافيلي من أعماق القرون:
“على الحاكم أن يتعلم كيف لا يكون صالحًا.”
وفي هذا السياق، تصبح الأخلاق ترفًا، والبراغماتية ضرورة وجودية. الالتزام بالاتفاقيات ليس مبدأ، بل خيار تكتيكي يُفعَّل أو يُعطَّل حسب الحاجة.

معضلة إيران: بين النفوذ والبقاء

تقف إيران اليوم في حالة أقرب إلى عبثية صامويل بيكيت: انتظار بلا يقين، حركة بلا اتجاه، وتصعيد محسوب بلا نهاية واضحة.

لا تستطيع التخلي عن حزب الله دون أن تفقد شبكة نفوذها الإقليمية،
ولا تستطيع الانخراط في مواجهة شاملة دون أن تخاطر بصدام مباشر مع الولايات المتحدة.

هذه ليست معادلة عسكرية، بل معضلة وجودية.

الدعم الكامل يعني الحفاظ على الردع، لكنه يحمل خطر الانفجار.
التقليص يعني الحفاظ على التفاوض، لكنه يهدد المصداقية.

بين هذين الحدّين، تتحرك طهران بمنطق كيسنجري بامتياز:
تفعل دون إعلان،
تصعّد دون تجاوز الخطوط الحمراء،
وتفاوض دون أن تستسلم.

إنها سياسة “الغموض المدروس”، حيث لا يكون الهدف الوصول إلى حل، بل الحفاظ على مساحة الحركة.

إسلام آباد: من لحظة التأسيس إلى لحظة الإدارة

نجاح قناة 1972 كان قائمًا على وضوح العدو: الاتحاد السوفييتي.
أما اليوم، فالمشهد أكثر تعقيدًا، وأكثر ضبابية.

آنذاك، كان الهدف بناء تحالف.
اليوم، الهدف إدارة أزمة.

العالم لم يعد ثنائي القطبية، بل شبكة متداخلة من المصالح، حيث لا يوجد عدو واضح، بل مجموعة من التهديدات المتغيرة. ومع ذلك، تبقى القاعدة الأساسية ثابتة:
الأعداء لا يتفاوضون لأنهم يثقون ببعضهم، بل لأنهم يخشون البديل.

إسرائيل: عامل التعطيل البنيوي

إذا كان اتفاق 1972 قد نجح لأنه جمع المصالح، فإن المشهد الحالي يتعثر لأن هناك طرفًا ثالثًا لا يقبل التقييد.

إسرائيل لا ترى في أي تفاهم أمريكي–إيراني فرصة للاستقرار، بل تهديدًا لحريتها الاستراتيجية.
وفي منطق القوة، القيد يُقابَل بالاستباق.

التصعيد في لبنان ليس رد فعل، بل فعل استباقي—محاولة لإعادة رسم ميزان القوى قبل أن تُفرض قواعد جديدة.

كما في عالم أورويل:
من يسيطر على السرد… يسيطر على الواقع.

ثلاثة مسارات… وثمن واحد

أمام إيران ثلاث طرق، وكلها مكلفة:

المسار الدبلوماسي
محاولة إدخال لبنان ضمن إطار التفاهم، لكن إسرائيل ترفض ذلك بشدة، ما يجعل هذا المسار هشًا بطبيعته.

المسار التفاوضي
استخدام أوراق الضغط—مثل مضيق هرمز—وتحويل الأدوات العسكرية إلى أدوات تفاوض.
هنا، تتحول الحرب إلى لغة، لا إلى فعل.

المسار العسكري (الخيار الشمشوني)
تفجير الاتفاق والعودة إلى التصعيد الشامل، مع خطر إشعال المنطقة بأكملها.

لا يوجد خيار نظيف.
كل طريق يحمل في داخله بذور الخسارة.

الفوضى المُدارة: حين يصبح اللااستقرار نظامًا

ما نراه ليس فوضى عشوائية، بل فوضى مُدارة.
الحرب لا تُنهى… بل يُعاد توزيعها.
التحالفات لا تُبنى على الثقة… بل على الخوف.
الاتفاقات لا تُحترم… بل تُستخدم.

المنطقة تعيش حالة بيكيتية بامتياز:
نستمر… لأننا لا نستطيع التوقف.

الخلاصة: وهم الاختراق

قد يخرج لقاء إسلام آباد بتصريحات لامعة، وربما يُقدَّم كاختراق تاريخي.
لكن الفارق الجوهري يظل قائمًا:

1972 كان لحظة تأسيس.
أما اليوم… فقد يكون مجرد لحظة إدارة لانهيار بطيء.

في النهاية، يبقى الشرق الأوسط أسير مفارقة أورويلية قاسية:
يُعلَن السلام حيث تستمر الحرب،
وتُشن الحرب باسم السلام.

وهنا، لا يكون الصراع فشلًا…
بل تصميمًا واعيًا—مُحكمًا—للاستمرار.