الرئيسية / أخبار / هل يستطيع ترامب أن يكبح جماح نتنياهو؟

هل يستطيع ترامب أن يكبح جماح نتنياهو؟

سارعت الأطراف المنخرطة في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران – بما فيها دولة الإمارات، و”حزب الله” اللبناني، الذي لا زال يخوض معارك عنيفة مع جيش الاحتلال – إلى إعلان الانتصار، وهو أمر يبدو سابقا لأوانه، ولم تتحقّق شروطه الأساسية، مثل فتح مضيق هرمز، الذي ما زالت مئات السفن عالقة فيه، أو اكتشاف إيران وجود طائرات مسيّرة أمريكية في أجوائها بعد إعلان الاتفاق.
إضافة إلى ذلك، يبدو أن المفاوضات المزمع عقدها في إسلام أباد، غدا السبت، لا تقوم على أساس واضح، فهناك اختلاف على وجود نصّ واحد متفق عليه للتفاوض، فحسب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس فإن ما يعرف بـ”خطة النقاط العشر” لم تكن وثيقة واحدة بل ثلاث نسخ مختلفة، وعليه فإن الأطراف ليست متفقة بعد على ما سيتم التفاوض عليه.
كشفت المجازر الإبادية التي نفذتها القوات الإسرائيلية ضد اللبنانيين، الأربعاء، عن هذا الاختلاف بشكل واضح، ففي حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن لبنان غير مشمول بالاتفاق، فإن رئيس الجمهورية الإسلامية، مسعود بزشكيان، وغيره من المسؤولين أكدوا أن ما حصل في لبنان كان انتهاكا للاتفاق، وبناء على هذا الانتهاك فقد استمر إغلاق مضيق هرمز.
وظّفت إسرائيل هذا “الالتباس” في ما اتفق عليه، لتنفيذ غاراتها الهمجية الأخيرة على لبنان، وعلى الأغلب أيضا، للانتقام من حصول هذا الاتفاق أساسا، الأمر الذي سيعيد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى سدة المحاكم بسرعة كبيرة (كما أعلن أمس)، ويتركه نهبا لانتقادات الساسة والإعلاميين والجمهور لإخفاقه في تحقيق أي من الأهداف التي أشعل هذه الحرب ضد إيران لتحقيقها، أو سعيا لتخريب المفاوضات، ومواصلة “الحرب الأبدية” ضد المنطقة العربية كلها.
بدت الهجمة الدموية الأكبر منذ بدء الحرب أمرا منافيا لمنطق الهدنة والدبلوماسية والتفاوض، وأعادت تظهير “الدرس” الذي ما فتئ يشتد وضوحا بعد الحرب على قطاع غزة عام 2023، والمتمثّل بطبيعة حكومة إسرائيل الشديدة الاختلاف حتى عن حكومات الاستعمار التقليدي، فهذه الحكومة لا تسعى إلى حكم من تستعمرهم وضمهم إلى “حضارتها” والالتزام بـ”قوانينها”، بل تسعى إلى تجريدهم من أرضهم، وإنسانيتهم، وثقافتهم، والتخلّص منهم ككتلة سكانية زائدة، إن كان بالإبادة الجماعية، كما يجري في قطاع غزة، أو بالتطهير العرقي، كما يجري في الضفة.
تتضح الصورة أكثر عندما نلحظ أن الأمر لا يختلف كثيرا عند معارضي نتنياهو، كما هو حال يائير لابيد، الذي يأخذ على رئيس الحكومة إخفاقه في تنفيذ أهداف الحرب، ويعتبر الاتفاق “كارثة دبلوماسية غير مسبوقة”، مزاودا بذلك على نتنياهو وبقية الطاقم الوزاري، في موضوع الحرب على إيران.
من الواضح أن هدنة الأسبوعين التي أعلن عنها ترامب كانت بسبب إطلاق الرئيس الأمريكي تهديدات فظيعة لا يستطيع تنفيذها، من إعادة إيران إلى “العصر الحجري”، ووصولا إلى “محو حضارتها”. وفر إعلان الهدنة السريع، ضمن هذا السياق، طريقة للهبوط عن سلّم التصعيد، وهو ثمن أرخص من إعلان التراجع عن تهديداته، بشكل يظهره ضعيفا، ولكنه يحمل سمات أسلوبه نفسه في التسرّع وقبول “النقاط العشر” التي عرضتها إيران، وهذا يعني أن هذا التحرك لم يكن وقفا لإطلاق النار بل مجرد مخرج جانبي للتهرّب من تهديداته غير المحسوبة.
وفّرت هذه المعطيات الإمكانية لنتنياهو لتنفيذ ضربته الإجرامية الهائلة للبنان (تحت مسمى “الظلام الأبدي”)، وسمحت له بصنع خرق كبير يمكن البناء عليه، مع احتساب المفاعيل الممكنة للعنجهية الأمريكية (كما عبّر عنها فانس بإعلان أن الصيغة الأولى من “النقاط العشر” تم رميها إلى سلة المهملات)، أو التناقضات الداخلية ضمن الأجنحة المتشددة في النظام الإيراني، كما عبّر عنها حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة “كيهان”، الذي اعتبر التفاوض ووقف إطلاق النار “هدايا للعدو”.