عصام نعمان
لبنان بلد الأزمات والتسويات، منذ استقلاله (النظري) سنة 1943 والأزمات تتوالى في جميع مجالاته وساحاته ومرافقه. قد يبدو هذا الأمر طبيعياً، لأن كل بلد معرض لأزمات وكوارث. لكن اللافت في لبنان كثرة الأزمات وتسارع وقوعها وتباطؤ الحلول والتسويات لمعالجة تداعياتها. مردّ هذه الظاهرة، باختصار، تركيبةُ البلد التعدّدية المعقدة والمرهقة، وفعالية التدخلات الخارجية في شؤونه ومصالحه وعلاقاته.
لعل امتناع معظم المصارف عن تسديد ودائع المودعين، من أبرز وأخطر ما واجه البلد من أزمات سياسية واقتصادية، أسبابُ الأزمة متعددة، لكن أولها وأخطرها قيامُ أصحاب المصارف وكبار السياسيين من زبائنها، بتهريب أموالهم وودائعهم إلى خارج البلاد. جرت محاولات وتحركات كثيرة من المودعين، خصوصاً من صغارهم، الذين يشكّلون 85 في المئة من تعدادهم الإجمالي، كما من القوى السياسية المتنافسة، لإيجاد مخرج من هذه المعضلة، لكن دونما جدوى، لذلك أسبابٌ عدّة أهمها وأخطرها النفوذ الهائل الذي يتمتع به أصحاب المصارف لدى أهل السلطة.
لم تكن مجرد صدفة أن تتزامن إحالة الحكومة «مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع» على مجلس النواب مع تصاعد وتيرة اعتداءات إسرائيل على لبنان بدعوى الحؤول دون تمكين حزب الله من إعادة تسليح نفسه. فُسّر التعجيل بتوليف القانون بأنه محاولة من الحكومة لدعم المواطنين، الذين يقاسون من وطأة الانهيار الاقتصادي، وتعاظم التضخم (الغلاء) المترافقين مع ضغط إسرائيل العسكري على البلاد، لاسيما وأن تسريبات من مشاركين في لجنة الإشراف (ميكانيزم) على تنفيذ قرارات واتفاقات وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني كشفت أن ممثلي الولايات المتحدة في اللجنة، أكدوا ضرورة دعم لبنان اقتصادياً لمساعدة حكومته على المباشرة في تنفيذ قرارها بنزع سلاح حزب الله.
ثم إن مراقبين سياسيين وإعلاميين تحدثوا أيضاً عن سيناريوهات عدّة لوقف الأعمال العدائية في الجنوب، بينها واحد قوامه تجميد حزب الله لعمليات المقاومة ضد إسرائيل، بغية حملها على وقف اعتداءاتها على لبنان، ما يساعد بيئة المقاومة على تعويض خسائرها باسترداد المودعين ـ وبينهم أعضاء ومناصرون لحزب الله ـ ودائعهم المجمدة في المصارف. لئن يبدو هذا التفسير واقعياً، غير أنه ينطوي ايضاَ على حقائق مغايرة ينبغي جلاؤها:
*الحرب بين إسرائيل وحزب الله، بما هو العمود الفقري للمقاومة في لبنان، طويلة وتعود إلى 35 سنة خلت، وكان بإمكان أمريكا استخدام العون الاقتصادي في هذا السبيل قبل الآن، لو كانت جادة فعلاً في مساعدة لبنان واللبنانيين على الخروج من أزمتهم الاقتصادية.
*صحيح أن سكان جنوب لبنان قاسوا كثيراً، وما زالوا، من اعتداءات إسرائيل المتواصلة، لكن دعم أكثريتهم الساحقة للمقاومة لم يتراجع، وإلاّ لما استطاع حزب الله الاستمرار في الاضطلاع بدوره الكفاحي البارز طيلة السنين الماضية.
*لم يُبدِ كيان الاحتلال في أيّ وقت إشارة إلى إمكانية التراجع عن عدائه الشديد لحزب الله، لأن التزام القادة الصهاينة بمختلف انتماءاتهم السياسية والحزبية، عميقٌ وراسخ بوجوب مواصلة الحرب لتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، من الفرات إلى النيل.
*ثم إن الولايات المتحدة بمختلف رؤسائها المتعاقبين ناصرت ودعمت كيان الاحتلال، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ولم يصدر عن قادتها أية إشارة إيجابية إلى حزب الله من شأنها إقناعه بأنها أرغمت إسرائيل فعلاً على التسليم بأن لبنان هو منطلق طبيعي لحزب الله، لأن أنصاره ومقاتليه مواطنون لبنانيون مقيمون فيه.
أخيراً وليس آخراً، إن الأزمة المصرفية التي تعصف بلبنان، لاسيما لجهة امتناع المصارف عن تسديد ودائع المودعين، هي أزمة قديمة ومتفاقمة، ولم يعد في وسع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وشركائه في الحكم، التباطؤ في معالجة انعكاساتها السلبية على البلاد والعباد. لذا من الطبيعي والمنطقي أن يحزم أركان الشبكة الحاكمة أمرهم ويقرروا المباشرة في معالجة الأزمة بعد طول تأخير.
هذه الحقائق لا تحجب حقائق أخرى لها علاقة وطيدة وحساسية خاصة لدى الحكومة وحزب الله:
*الأزمة في لبنان مزمنة وعميقة ولم يعد في وسع العاملين في الحقل العام، موالين ومعارضين، التمادي في تأجيل مواجهتها. كل ذلك حمل المسؤولين ـ وبعضهم غير مشارك البتة في ملابساتها ولا مصلحة له في استمرارها ـ على القيام بأي تدبير يمكن ان يُسهم في تخفيف وطأتها.
*ثم إن حزب الله نفسه عانى كثيراً خلال السنين الـ35 الماضية. فقد خسر قائده التاريخي السيد حسن نصرالله والصف الأول من قادته، بالإضافة إلى آلاف المجاهدين، فضلاً عن كمية من أسلحته المتطورة، ما حمله على أن يضع في حسبانه التحديات والتحولات الآتية:
ـ المعاناة الشديدة التي قاساها شعب لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وما تعانيه بيئة المقاومة على وجه الخصوص.
ـ انتقال الحكم في سوريا منذ 2024/12/8 الى أيدي فئة سياسية، متعاونة مع الولايات المتحدة، ما حرم قوى المقاومة جسراً برياً آمناً لنقل الأسلحة إليها من إيران وغيرها.
ـ ثمة احتمال راجح بأن تقوم إسرائيل باحتلال جنوب لبنان، وتحويله منطقةً عازلة وخالية من أي قوات لبنانية، حتى لو كانت نظامية، الأمر الذي يستوجب اتحاد جميع اللبنانيين بكل مشاربهم لمنعها، وان لدى قوى المقاومة من الرجال والسلاح والعتاد ما يمكّنها مع حلفائها من صدّها وهزمها.
*اتجاه بعض الدول العربية والإسلامية والأجنبية لدعم لبنان اقتصادياً، ولاسيما في إعادة الإعمار، ما حَمَل حزب الله على الترحيب وانتظار انعكاسات إيجابية لهذا الاتجاه على لبنان عامةً وجنوبه خاصةً.
في ضوء هذه الحقائق والتطورات قرر حزب الله، على ما يبدو، اعتماد سياسة مغايرة قوامها، حثّ الحكومة اللبنانية، أولاً، على تفعيل عملية الإعمار، لاسيما في جنوب لبنان ودفعها، ثانياً، إلى تليين قرارها بحصر السلاح بيد الدولة، بحيث يجري تنفيذه في منطقة جنوب الليطاني دون غيرها، لاسيما وأن حزب الله كان قد وافق على تنفيذ أحكام اتفاق وقف الأعمال العدائية في 2024/11/27، وقام بسحب أسلحته المتطورة ومجاهديه من تلك المنطقة، لتسهيل قيام الجيش اللبناني بالمهام الموكولة إليه.
وعليه، لا يمانع حزب الله بتجميد عمليات المقاومة ضد العدو الصهيوني في منطقة جنوب نهر الليطاني، شرطَ ان يكون ذلك متزامناً مع انسحاب إسرائيل من التلال السبعة، التي تحتلها في جنوب لبنان، وتتوقف تالياً عن منع أهالي القرى الحدودية من العودة إليها لترميم منازلهم المتضررة. فوق ذلك، يشترط حزب الله وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية قبل مباشرة قوى المقاومة تجميد عملياتها ضد كيانه المحتل.
يوحي ظاهر الحال ومواقف بعض النواب والسياسيين المقربين من حزب الله، بأنه متجاوب مع تنفيذ سياسة حصر السلاح بيد الدولة، فور قيامها باعتماد استراتيجية للدفاع الوطني، يكون قوامها تسليح الجيش اللبناني بأسلحة متطورة من جميع المصادر المتاحة، والتزامها قواعد محكمة وواضحة لتكريس تعاون الجيش اللبناني مع قوى المقاومة، في مواجهة جميع الاعتداءات على الوطن والشعب أياً كانت أسبابها وغاياتها. إذا تحققت هذه الأماني والشروط لا يعود يهّم أحداً، إن تزامن تجميد عمليات المقاومة مع تسديد ودائع المودعين، أم لم يتزامن!
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
