أرئيل كهانا
أحد لم يعد يحصي كم مرة التقى ترامب ونتنياهو منذ 2016. لكن إذا كان ثمة شيء ما ميز اللقاء بينهما أمس وهو شاذ جداً إزاء كل ما عرفناه في الماضي، فهو الإبقاء في الظل الذي طبع اللقاء.
عند الخروج من اللقاء، أبقى ترامب على الغموض المحيط بالخيار العسكري، وشدد مرة أخرى على أنه يريد استنفاد المفاوضات مع إيران. “كان هذا لقاء جيداً جداً، والعلاقات الهائلة بين دولتينا تتواصل”، قال ترامب. “لم يتخذ أي قرار نهائي، باستثناء أني أصررت على مواصلة المفاوضات مع إيران كي نرى إذا كان ممكناً الوصول إلى صفقة. إذا كان ممكناً، أوضحت لرئيس الوزراء، فهذا هو الأفضل، وإذا لم يكن، سنرى ما ستكون عليه النتيجة. في المرة السابقة، فضلت إيران ألا تتوصل إلى صفقة، فتلقوا “مطرقة على الرأس، وهذا لم يمر بخير لهم. آمل هذه المرة أنهم سيكونون أعقل وأكثر مسؤولية. إضافة إلى ذلك، بحثنا في التقدم الهائل الذي تم في غزة والمنطقة بعامة. يوجد حقاً سلام في الشرق الأوسط”.
لم يفتح ترامب الغرفة البيضاوية للأسئلة، ولم يعقد مؤتمراً صحافياً بعد اللقاء. رئيس الوزراء هو الآخر فر تقريباً من الأضواء. وعلى أي حال، لم يجرِ إحاطة للإعلام الإسرائيلي، بل حتى لم يجرِ لقاءات مع الإعلام اليميني الأمريكي الذي لم يفوت أي فرصة قط للظهور أمامه. كل هذا ينضم إلى الغائية شبه الجافة للزيارة. أقل من 30 ساعة على الأراضي الأمريكية.
كما أن وسائل الإعلام الأمريكية لم تهتم بوصول رئيس الوزراء إلى العاصمة الأمريكية. يبدو أنها اعتادت اللقاءات المتواترة بين الرجلين.
لكن كل المؤشرات تشهد على أن محاولة إظهار البرودة تجاه الخارج كانت على نقيض أجواء الداخل. وحتى لا يؤخذ انطباع مغلوط وكأن إسرائيل هي التي توجه خطى ترامب، خفض نتنياهو البصمات الإعلامية للزيارة.
بالقدر ذاته، بل أكثر، لم يكن البيت الأبيض أيضاً معنياً بأن يضع الموضوع الإيراني في مركز جدول الأعمال. فهو الذي أغلق اللقاء أمام الصحافة، وذلك جزء من سياسة تتواصل منذ بضعة أسابيع، باستثناء الأقوال عن الموضوع المتفجر، بكل معنى الكلمة.
مجلس سلام ومجلس حرب
لماذا يحصل هذا؟ يخيل أن التفسير الأدق قدمه السناتور جون كيندي في مقابلة مع “إيران إنترناشيونال”. بعد أن التقى ترامب الأربعاء، شرح كيندي بأن “الرئيس سيوفي بتعهداته للشعب الإيراني”. وشرح بأن المطلوب “استراتيجية حذرة وليس أعمالاً متهورة”. وأضاف بأن المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية التي عرضها نتنياهو على ترامب في اللقاء ستوضح ما هي الإمكانيات العملياتية القابلة للتنفيذ. عندما نربط الأقوال برسائل الإدارة العلنية والمسربة، فالاستنتاج المتكرر هو أن عملية أمريكية ضد إيران ليست مسألة هل، بل مسألة متى. الاتفاق بين الدولتين ببساطة غير ممكن. الإيرانيون يستعدون للمعركة، و”يلقون بيانات ترامب “في القمامة” خلال استعراضات في طهران بمناسبة يوم الثورة، ويعرضون الجنرالات في التوابيت وأساساً غير مستعدين للتنازل في مواضيع يطالب بها ترامب ويرى فيها تنازلات.
وكان الرئيس ترامب قال لـ “فوكس نيوز”: “يجب معالجة الصواريخ وكل ما تبقى”. لكن الإيرانيين غير مستعدين للبحث في هذه المواضيع. من يعتقد أن رجال هذه الإدارة أصبحوا فجأة براك أوباما أو أنتوني بلينكن، فلا يعرف عما يتحدث.
قبل بضع دقائق من دخول نتنياهو أمس إلى ترامب، وقع على انضمامه إلى المحفل التأسيسي لـ “مجلس السلام”. لكن إذا ما اقتبسنا دبلوماسياً غربياً مطلعاً، فإن لقائه السابع مع ترامب منذ كانون الثاني 2025 كان انعقاداً آخر لـ “مجلس الحرب”. وإذا كان الاثنان تحدثا حقاً عن الحرب، فهذا بالتأكيد يشرح طول الحديث بينهما إلى ما يتجاوز ما خطط له.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
