الرئيسية / أخبار / المكاحله: الوجع الاقتصادي في الأردن إلى أين؟

المكاحله: الوجع الاقتصادي في الأردن إلى أين؟

د. شهاب المكاحله

لم يعد الأردن يقترب من مفترق طرق اقتصادي؛ بل يقف اليوم في قلبه تمامًا. من العقبة جنوبًا إلى إربد شمالًا، تروي الأرقام قصة واحدة لا لبس فيها: مجتمع يعيش على الدَّين بدل أن يبني عبر الفرص. ما نشهده ليس أزمة سيولة عابرة، بل اختلالًا اقتصاديًا بنيويًا جرى تطبيعه بصمت حتى صار واقعًا مألوفًا.

تكشف أحدث بيانات القطاع المصرفي حقيقة مقلقة. ففي الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي وحدها، اقترض الأردنيون عشرات المليارات من الدنانير—لا للاستثمار أو التوسع أو الابتكار، بل للبقاء.

سجّلت العقبة وحدها قروضًا بقيمة 600 مليون دينار، تلتها الكرك بـ689 مليونًا، وإربد بأكثر من 1.08 مليار، والزرقاء بـ1.26 مليار، فيما بلغت القروض في عمّان رقمًا صادمًا وصل إلى 29.4 مليار دينار. هذه ليست قروضًا لتمويل مصانع أو تكنولوجيا أو صادرات؛ إنها قروض استهلاكية—لتسديد أقساط المدارس، وترميم منازل هرِمة، وتغطية نفقات العلاج، وتأمين أساسيات الحياة.

حين يصبح الاقتراض وسيلة للبقاء لا للنمو، يكون الاقتصاد قد كفّ عن التنفّس—وأصبح يلهث.

الدَّين عَرَضٌ لا خيار
حجم المديونية لا يعكس ترفًا، بل نقصًا. ففي محافظات مثل معان والطفيلة، لا يُعد الاقتراض خيارًا. فالطفيلة—إحدى أفقر مناطق البلاد—سجّلت قروضًا بقيمة 150 مليون دينار رغم البطالة المرتفعة وضعف النشاط الاقتصادي. وحدها هذه الحقيقة كافية لدحض أسطورة أن الدَّين نتاج إفراط استهلاكي.

حتى في عمّان، العاصمة ومحرّك النمو المفترض، تغرق آلاف الأسر تحت وطأة الأجور المتدنية وغلاء المعيشة. موظف متقاعد بدخل شهري يبلغ 850 دينارًا، يعيل أبناءً جامعيين عاطلين أو شبه عاطلين عن العمل، ليس حالة استثنائية—بل قصة وطن تتكرر.

وتزيد أسعار الفائدة المرتفعة الطين بلّة. فمع توسّع دين الحكومة، ترتفع كلفة الاقتراض على المواطنين، لتقع الدولة والأسر معًا في حلقة مفرغة. والنتيجة اقتصاد يستهلك الغد كي ينجو اليوم.

واقع الدخل في قلب الأزمة
في صميم أزمة الدَّين في الأردن حقيقة صارخة: الدخول منخفضة على نحو لا يحفظ الكرامة.

تُظهر البيانات الحكومية أن متوسط الأجور الشهرية يتراوح بين 689 دينارًا في العقبة و683 في عمّان، وينخفض إلى 444 في إربد، و471 في المفرق، و388 فقط في عجلون. أرقام تصطدم بعنف مع كلفة المعيشة.

والأكثر إثارة للقلق أن 53% من الأردنيين يتقاضون أقل من 500 دينار شهريًا، و28% دون الحد الأدنى القانوني للأجور البالغ 290 دينارًا. وبين المتقاعدين، يعيش 68% على رواتب تقاعدية تقل عن 450 دينارًا. في مثل هذه الظروف، لا يكون الاقتراض سوء إدارة—بل حتمية.

انخفاض الدخل هو المحرّك الأساسي للمديونية. لكنه لا يعمل في فراغ؛ إذ تعزّزه البطالة، وضعف سوق العمل، وتآكل الطبقة الوسطى.

البطالة: الأزمة داخل الأزمة
تتراوح معدلات البطالة الرسمية بين 21% و22%، لكنها تُخفي تصدّعات أعمق. فبين المتزوجين تبلغ البطالة 24%. وتصل بطالة الشباب إلى 35.9%، فيما تبلغ نسبة العاطلين من حملة الشهادات الجامعية 44%. أما بين الخريجات، فالوضع كارثي: تقديرات البطالة تصل إلى 76.6%.

وتشير أبحاث مستقلة إلى أن أكثر من 1.33 مليون أردني فوق سن 18 عامًا بلا عمل—وهو رقم يفوق بكثير التقديرات الرسمية التي تتراوح بين 430 و485 ألفًا. سنويًا، تخرّج الجامعات نحو 70 ألف طالب، بينما لا يسجّل الاقتصاد رسميًا سوى قرابة 22 ألف فرصة عمل جديدة.

هذه ليست فجوة؛ إنها هوّة.

والنتيجة متوقعة: يأس، ومديونية، ورغبة متزايدة في الرحيل. تُظهر استطلاعات الرأي أن 42% من الشباب و39% من الشابات يرغبون بالهجرة إذا أُتيحت لهم الفرصة. أمة تُعلّم أبناءها ثم تفقدهم، إنما تُصدّر مستقبلها بصمت.

الفقر واللامساواة وتلاشي الطبقة الوسطى
وفقًا للبنك الدولي، يعيش نحو 4 ملايين شخص—أي قرابة 35% من سكان الأردن—تحت خط الفقر. أما الطبقة الوسطى، التي كانت يومًا عمود الاستقرار الاقتصادي، فقد انكمشت بشدة أو انزلقت إلى الهشاشة.

وتزيد اختلافات خطوط الفقر من الإرباك بدل أن تحلّه. فبينما يقدّر البنك الدولي خط الفقر بنحو 800 دينار للأسرة شهريًا، تتراوح التقديرات المحلية بين 360 و500 دينار للفرد. هذا الغموض يقوّض تماسك السياسات ويؤخر الحسم المطلوب.

المسألة لا تحتمل التأجيل
لم تعد الروايات الحكومية حول التشغيل والإصلاح متطابقة مع الواقع المعيشي. وعود توفير 100 ألف فرصة عمل سنويًا تتناقض بوضوح مع السجلات الرسمية التي لا تُظهر سوى 22 ألف وظيفة مسجّلة. وحين تعتمد المؤسسات على أرقام متنازع عليها بينما تعتمد الأسر على القروض لتأمين الغذاء، تتآكل الثقة.

أزمة الأردن ليست إحصائية؛ إنها اجتماعية. ولا يمكن حلّها بمبادرات مجتزأة، أو إصلاحات متفرقة، أو تفاؤل خطابي.

الخيارات

ما يحتاجه الأردن اليوم ليس تقشّفًا متنكرًا بلباس الإصلاح، ولا نموًا يُقاس فقط بجداول البيانات. بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة تُعلي الاستثمار المنتج، والأجور اللائقة، وخلق فرص العمل—خصوصًا للشباب والنساء.

على الأكاديميا والحكومة والمجتمع المدني أن يعملوا معًا لإعادة تصميم الأولويات الاقتصادية: توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إصلاح سوق العمل، واستعادة قابلية الطبقة الوسطى للحياة.

البيانات واضحة. وإشارات الإنذار لا لبس فيها. والسؤال الوحيد المتبقي هو: هل تتوافر الإرادة السياسية؟

الأردن يصرخ—لا طلبًا للتعاطف، بل مطالبة بالفعل. وإن استمر تجاهل هذه الصرخة، فستتحول قريبًا إلى ما هو أخطر بكثير: صرخة يأس جماعية.