د. شهاب المكاحله
في النزاعات الممتدة، هناك لحظات يتبدّل فيها الخطاب قبل أن تتبدّل الخرائط، وتسبق التعديلات الإدارية الهادئة المسارات الدبلوماسية، وتصبح الأدوات القانونية أكثر حسماً من الألوية المدرعة. قد يثبت الثالث عشر من فبراير/شباط 2026 أنه إحدى تلك اللحظات الفاصلة؛ ففي ذلك اليوم أقرّ المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي حزمة إجراءات، لا تعلن الضم رسمياً، لكنها توسّع بشكل منهجي سلطة الدولة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما يعيد هندسة الأسس الجغرافية والقانونية والاقتصادية التي قام عليها – على نحو هشّ – مفهوم الدولة الفلسطينية المستقبلية.
ما جرى لم يكن استعراضاً سياسياً صاخباً، بل عملية إجرائية وتقنية وبيروقراطية صامتة؛ ولهذا تحديداً تكمن خطورته الاستراتيجية. فقد أجاز المجلس نشر سجلات الأراضي في الضفة الغربية، ورفع القيود عن بيع الأراضي لغير الفلسطينيين، وإعادة تفعيل آليات الاستملاك الحكومية، وتوسيع تطبيق القانون الإسرائيلي، ونقل صلاحيات إدارية في الخليل وبيت لحم إلى هياكل مدنية إسرائيلية. جوهر المسألة يكمن في السياق البنيوي: الضفة الغربية ليست أرضاً مضمومة رسمياً، بل تخضع لإدارة عسكرية، ما يعني أن هذه القرارات لا تحتاج إلى تصويت في الكنيست، ويمكن تنفيذها بأوامر تنفيذية–عسكرية، بسرعة وكفاءة وبأدنى قدر من الاحتكاك التشريعي. بلغة الأمن: تسريع للحوكمة تحت مظلة الحكم العسكري.

التصريحات الرسمية جاءت صريحة على نحو غير معتاد. فقد وصف وزير المالية وحامل حقيبة الاستيطان بحكم الأمر الواقع بتسلئيل سموتريتش هذه اللحظة بأنها “دفن لفكرة الدولة الفلسطينية”، معتبراً إياها يوماً تاريخياً لمستوطنات “يهودا والسامرة”. وذهب وزير الطاقة إيلي كوهين ومجلس “يشع” في الاتجاه ذاته، باعتبار الخطوات تمهيداً للسيادة الكاملة. لم تكن هذه لغة دبلوماسية مشفّرة، بل إعلاناً أيديولوجياً تُرجم مباشرة إلى هندسة إدارية. بات الخطاب الإعلاني والطبقة البيروقراطية يعملان في انسجام كامل.

الأداة الأكثر حساسية استراتيجياً في هذه الحزمة هي نشر سجلات الأراضي. فبعد أن كانت مقيّدة بدعوى منع الاحتيال وحماية المالكين الفلسطينيين الغائبين، ستصبح متاحة، ما يمكّن المستوطنين والجهات المرتبطة بهم من تحديد المالكين، وتقديم عروض شراء مباشرة، والطعن في الملكيات، وجرّ النزاعات إلى ساحات قضائية تتسع تدريجياً لتطبيقات القانون الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، أُلغيت قيود تعود إلى الحقبة الأردنية كانت تحظر نقل الأراضي إلى غير الفلسطينيين، ما أزال حاجزاً قانونياً ظلّ قائماً لعقود. يحذّر منتقدون من تزوير ادعاءات الملكية، ومن حملات استحواذ مكثّفة داخل النسيج العمراني الفلسطيني، ومن استنساخ نموذج التغلغل الديمغرافي الذي شهدته البلدة القديمة في الخليل في مدن أخرى. بلغة الاستخبارات: انتقال من السيطرة عبر التمدد المحيطي إلى السيطرة عبر الاختراق القانوني.

تداعيات هذه الخطوات لا تقتصر على المنطقة “ج”. فبموجب اتفاق أوسلو الثاني لعام 1995، بقيت المنطقة “ج” – التي تمثل نحو 60% من الضفة – تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، بينما خُصصت المنطقتان “أ” و“ب” لإدارة فلسطينية وترتيبات أمنية مشتركة. الإجراءات الجديدة توسّع عملياً صلاحيات الجيش الإسرائيلي لفرض أوامر الهدم وقيود البناء خارج المنطقة “ج”، تحت ذرائع تتعلق بالآثار، والبيئة، وإدارة المياه، وحماية التراث. كما يجري الدفع بتشريع لإنشاء “هيئة تراث يهودا والسامرة”، بما يكرّس إشرافاً إسرائيلياً مركزياً على مواقع أثرية، بينها مواقع فلسطينية رمزية مثل سبسطية. هكذا يتحول “إدارة التراث” إلى أداة تطبيع إقليمي للسيادة.

في الخليل وبيت لحم، نُقلت صلاحيات إدارية تتعلق بالحرم الإبراهيمي/قبر الآباء وقبر راحيل من الولاية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية. هذه المواقع ليست مجرد معالم دينية، بل بؤر توتر تقع عند خطوط صدع ديمغرافي حساسة. نقل الصلاحيات لا يعني إعادة ترتيب بيروقراطي فحسب، بل إعادة معايرة لميزان السيطرة الأمنية، وسلطات التخطيط، وأنماط التوسع الاستيطاني في محيطها المباشر.
كل ذلك يحدث في ظل هشاشة اقتصادية فلسطينية حادة. فقد أفاد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية بأن الاقتصاد الفلسطيني مع نهاية 2024 تراجع إلى مستويات تقارب عام 2014. احتجاز عائدات الضرائب، وتعليق تصاريح العمل، وقيود الحركة، وتسريع المصادقة على مخططات استيطانية منذ عودة بنيامين نتنياهو مطلع 2023، عمّقت الانكماش البنيوي. وفي عام 2025 وحده، تقدمت عشرات آلاف الوحدات الاستيطانية عبر مسارات التخطيط. الضغط الاقتصادي وإعادة التشكيل الجغرافي يسيران في مسارين متوازيين – نموذج ضغط مزدوج.
البيانات الأمنية تضيف بعداً آخر للتصعيد. فوفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية منذ اندلاع حرب غزة، بينما تجاوز عدد الضحايا في غزة 72 ألفاً وسط دمار واسع واتهامات بتقييد وصول المساعدات الإنسانية. لم تعد الساحات منفصلة؛ ديناميات الضفة متشابكة مع مسار غزة، والإشارات الاستراتيجية في ساحة ترتدّ أصداؤها في الأخرى.


الردود الدولية بدت نقدية في الخطاب، محدودة في الفعل. أدان الرئيس الفلسطيني محمود عباس الإجراءات وناشد مجلس الأمن. اعتبر الاتحاد الأوروبي الخطوات تسير في الاتجاه الخاطئ، ورأت المملكة المتحدة أنها تتعارض مع القانون الدولي. أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب فأعاد التأكيد على رفض الضم الرسمي، مع التشديد على “استقرار الضفة” كركيزة لأمن إسرائيل. لكن اللافت هو غياب أدوات الإكراه: لا عقوبات، ولا اشتراطات، ولا آليات ردع تغيّر حسابات الكلفة والمنفعة لدى إسرائيل. الدبلوماسية الخطابية لم تتحول إلى رافعة ردعية.
السؤال الاستراتيجي لم يعد ما إذا كان إعلان ضم رسمي وشيكاً، بل ما إذا كان الضم عبر الامتصاص الإداري قد بدأ فعلياً. السيادة القانونية قد تبقى غير معلنة، لكن الاندماج الفعلي يتقدم عبر سياسات الأرض، وتوسيع نطاق القانون، وإدارة التراث، والضغط الاقتصادي. نموذج الدولتين لا يُنسف بضربة واحدة درامية، بل يُفرَّغ من مضمونه عبر تراكم تنظيمي بطيء يشبه الترسيب الجيولوجي.
بالنسبة للأردن، الذي يتقاطع توازنه الديمغرافي ودوره في رعاية المقدسات في القدس مباشرة مع استقرار الضفة، فإن التداعيات عميقة. وبالنسبة للقيادة الفلسطينية، فإن تآكل الترابط الجغرافي يضرب قابلية الحكم ويقوّض الموقف التفاوضي الدولي. أما الفاعلون الإقليميون المنخرطون في أطر التطبيع، فقد يجدون أن إعادة معايرة واقع الضفة تعقّد بنى دبلوماسية افترضت – ولو نظرياً – قيام دولة فلسطينية في نهاية المسار.
التاريخ غالباً ما يسجّل الحروب، ونادراً ما يسجّل المذكرات الإدارية. لكن في هذه الحالة، قد تكون المذكرات أكثر تحوّلاً من الصواريخ. وإذا استمر ترسيخ هذه الإجراءات من دون قيود خارجية، فلن يتصاعد النزاع فحسب، بل سيُعاد تعريفه. قد تبقى الحدود غير مرسومة رسمياً، لكن الخريطة العملياتية تتبدل في الزمن الحقيقي.

التقييم الحاسم أمام صانعي السياسات ومخططي الأمن واضح وصادم: هل نشهد المراحل الأولى لضم معلن، أم اكتمال نموذج سيادة زاحفة يجعل الإعلان الرسمي بلا ضرورة؟ المساران يلتقيان عند النتيجة البنيوية ذاتها: إعادة تشكيل جذرية للمعادلة الإسرائيلية–الفلسطينية.

ما يتكشف في الضفة الغربية ليس مجرد جولة تصعيد جديدة، بل ربما نقطة انعطاف في المسار التاريخي للقضية الفلسطينية؛ حيث يتقاطع الامتصاص الجغرافي مع الخنق الاقتصادي والضبابية الدبلوماسية، وحيث أي “صفقة” إقليمية ناشئة قد تُموَّل سياسياً على حساب الفلسطينيين والأردنيين بدرجة غير متكافئة.
.الخرائط لم ترسم على الورق بعد. لكن على الأرض، هندسة الصراع أعيدت صياغتها الآن
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.