الرئيسية / أخبار / المكاحله: أميركا، إيران، ودبلوماسية الهاوية

المكاحله: أميركا، إيران، ودبلوماسية الهاوية

د. شهاب المكاحله

هناك لحظات في التاريخ لا يتقدّم فيها العالم، بل يحبس أنفاسه. وهكذا هي الساعة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران: زمنٌ معلّق بين الرعد والصمت، لا تُعلَن فيه الحرب، ولا تُعترف فيه بالسلام. الهواء مثقل برسائل لم تُرسل، وبخطوط حمراء رُسمت بحبر يتلاشى، وبمفاوضات لا تُدار على أساس الثقة، بل على أساس الخوف من العاقبة.

هذه ليست دبلوماسية التسويات المهذّبة،
بل دبلوماسية الإسعاف الوجودي.

المحادثات الجارية اليوم—غير المباشرة، المتدرّجة، المتحفّظة—لا تولد من حسن النية، بل من رهبة المصير. كل طرف يقترب من الطاولة كما يقترب من حافة سحيقة: يقيس الريح، يزن الخطوة، ويدرك أن السقوط هنا لا رجعة فيه. ما يجري التفاوض عليه ليس مستويات تخصيب ولا بنود عقوبات فحسب، بل المسألة الأثقل: ذاكرة التاريخ، وكم يجب أن يُدفَع للماضي قبل أن يُسمَح للمستقبل بأن يولد.

إيران لا تحضر هذا المشهد كصفحة بيضاء، بل كمخطوطة كُتبت فوقها الجراح. الانقلاب على محمد مصدق لم يكن حدثًا عابرًا، بل تعليمًا سياسيًا، لقّن أجيالًا أن السيادة قد تُستعار، لكنها لا تُمتلك، متى كانت مرهونة بالرضا الخارجي. الثورة التي أعقبت ذلك لم تكن إسقاطًا للملكية فحسب، بل لائحة اتهام لنظام عالمي يتزيّن بالشراكة ويمارس الهيمنة. وحين تتحوّل الذاكرة إلى سياسة، تصبح العقيدة قدرًا.

أما الولايات المتحدة، فتدخل المشهد مثقلة بمفارقة الإمبراطورية: تطلب الاستقرار وهي تمارس الإخلال، تدعو إلى ضبط النفس وهي تحيط، تبشّر بالقواعد وتستثني الحلفاء. حضورها العسكري—الهائل، المتشعّب، الدائم—لم يعد درعًا بقدر ما أصبح لغةً تُجبِر المنطقة على التحدّث بها. ومع ذلك، حتى الإمبراطوريات تتعلّم التواضع حين تصبح كلفة الفرض أعلى من قيمة الطاعة.

وهكذا، تمضي المفاوضات لا كمصالحة، بل كـتأجيل للكارثة.

إيران تتحدّث بلغة الحقوق: السيادة، الحضارة، ما لا يُساوَم عليه. تصرّ على أن التخصيب ليس سلاحًا، بل رمزًا—دليلًا على أن الكرامة لا يمكن خنقها بالعقوبات. في المقابل، تتحدّث الولايات المتحدة بلغة النظام: الاستقرار الاستراتيجي، منع الانتشار، مصداقية التحالفات. وبين اللغتين صمتٌ خصيب، ينمو فيه سوء الفهم كما تنمو شرارة الاشتعال.

وفوق هذا الحوار الهش، تحوم إسرائيل، التي ترى في الغموض ذاته تهديدًا وجوديًا. فإمكانات إيران ليست عندها مخاطر مستقبلية، بل نذرًا حاضرة؛ ليست نوايا، بل مسارات حتمية. ومن هنا تنبثق حرب الظل: هجمات سيبرانية، عمليات سرّية، أيادٍ بلا توقيع، عنف بلا اسم. هنا تعلّم التاريخ أن يهمس بدل أن يصرخ.

ومع ذلك، تبقى الحرب غائبة على نحو لافت.

غيابها ليس مصادفة، بل نتاج حسابٍ قاتم تشترك فيه الأطراف جميعًا، وإن لم تُفصح عنه: أن الحرب الشاملة لن تحلّ المسألة الإيرانية، بل ستخلّدها؛ أن أسواق الطاقة سترتجف، والدول ستتصدّع، والوكلاء سيتكاثرون؛ وأن النصر نفسه سيصل مشوّهًا، بلا ملامح. لقد غدت المنطقة متشابكة أكثر من أن تحتمل حروبًا نظيفة، ومنهكة أكثر من أن تصدّق ملاحم جديدة.

ما نشهده، إذًا، هو دبلوماسية تُدار تحت ظل الفناء—لا فناء الدول، بل فناء الأوهام: وهم أن القوة تمحو الأيديولوجيا، وأن الضغط يولّد الاستسلام، وأن التاريخ ينسى.

كتبت إميلي ديكنسون أن أعظم الحقائق تصل بهدوء، «كالبرق إلى العين». وحقيقة هذه اللحظة لا تقل خفاءً: لا واشنطن ولا طهران تؤمنان بأن الحرب ستمنحهما ما عجزت الدبلوماسية عن انتزاعه. ولهذا يتفاوضان—لا ليتعانقا، بل ليتفاديا الاصطدام؛ لا ليتّفقا، بل ليستمرّا.

هنا تكمن مأساة اللحظة وكرامتها معًا. قد تفشل المحادثات، وقد تنهار الكلمات تحت ثقل التوقّعات. لكن فعل الكلام ذاته—عبر الوسطاء، وعبر محيطات من الريبة—يشير إلى إدراكٍ عميق بأن الإبادة ليست استراتيجية، وأن الصمت ليس قوة.

بين الرعد والصمت، اختارت البشرية دائمًا اللغة.
حتى حين تُقال—بين أسنان مطبقة.

وهكذا ينتظر العالم، لا سلامًا، بل ضبطًا للنفس؛ لا انسجامًا، بل تأجيلًا للخراب. وفي هذا الممر الضيّق بين الحرب والحكمة، لا يُكتب المستقبل…
بل يُؤجَّل.
وربما—وهذا جوهر الرجاء—يُنجّى.