الرئيسية / أخبار / هل تفعلها مصر؟ فرصة إعادة تعريف الدور الإقليمي في ظل التحولات اليمنية

هل تفعلها مصر؟ فرصة إعادة تعريف الدور الإقليمي في ظل التحولات اليمنية

احمد الدرزي

ما تزال ارتدادات الزلزال اليمني مستمرة بعد سيطرة أنصار الله على كامل الساحل الغربي، بما في ذلك مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتمددهم باتجاه لحج القريبة من عدن، وقرب اكتمال حصارهم لتعز، مترافقاً ذلك بتحولات ميدانية في مأرب.

تجاوزت هذه الارتدادات حدود الإقليم لتصل إلى قلب الاقتصاد العالمي في الولايات المتحدة، ما يهدد على المدى البعيد نظام البترودولار، الذي يشكل فيه نفط الخليج العمود الأساسي لقيامه واستمراره. وقد ألقى ذلك بظلاله على النظام الدولي القائم، بمزيد من القلق على تصاعد التحديات التي تواجه النظام وحيد القطب، خاصة إذا ما رُبطت مع اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون الأمني في بشكيك، ومنظمة بريكس في الهند.

السعودية: الملجأ الأخير بعد تقطع السبل

كان لجوء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى مصر، بعد أن تقطعت به السبل إثر التحولات الميدانية الكبرى في خارطة السيطرة اليمنية لصالح خصومه أنصار الله، اعترافاً ضمنياً بحجم المأزق الذي وصلت إليه الرياض.

فبعد أحد عشر عاماً من المغامرة في اليمن، متناسياً دروس التاريخ في المواجهة مع اليمنيين، وخاصة أهل الشمال منهم، وجد محمد بن سلمان نفسه معزولاً في مأزق استراتيجي. فالولايات المتحدة و”إسرائيل” جرّبتا التدخل المباشر للقضاء على تجربة أنصار الله، وعجزتا عن الاستمرار. بل خرجت الولايات المتحدة مهزومة بعد أن مددت مهلة القضاء عليهم لشهر إضافي، الأمر الذي أدى إلى انسحابها باتفاق معهم من خلف ظهر “الإسرائيليين”.

ومع تنصل الباكستانيين والأتراك من تنفيذ اتفاق تحالف مكة، بحجة أنهم غير ملزمين بمخاطر ما قبل التوقيع، وإنما يشمل المخاطر المستجدة، لم يبقَ أمام الرياض سوى خيارين: الذهاب نحو “الإسرائيليين” بثمن باهظ، أوله الدخول في التطبيع من بوابة الاتفاقيات الإبراهيمية، ووقوعها تحت رحمتهم بفرض مرور أنابيب النفط إلى شرق المتوسط عبر ميناء حيفا، أو الذهاب نحو مصر لإقناعها بالحرب معها في اليمن، وما يتطلب ذلك من حرب برية.

الموقف المصري: بين الإرث والقيود

على الرغم من وجود علاقات بين القاهرة وصنعاء بالحدود الدنيا جداً، إلا أن مصر صاحبة موقف إيجابي حتى الآن، وفقاً لما تردده أوساط يمنية خارج نطاق الإعلام. فرغم تضررها بعض الشيء بحركة المرور عبر قناة السويس، إثر دخول أنصار الله في حرب إسناد غزة وتعطيل الواجهة البحرية الجنوبية لجنوب “إسرائيل” في إيلات، فإن نفي وزير الخارجية المصري آنذاك سامح شكري لمحاولات التركيز “الإسرائيلي” على خطورة التدخل اليمني وتهديد حركة التجارة العالمية عبر المضيق، أكد أن المشكلة الحقيقية ليست في مضيق باب المندب، بل في ما يجري في غزة.

منذ اغتيال رئيسها أنور السادات، تعيش مصر حالة من التناقضات بين إلزامية التزامها بمسار التطبيع والخروج من الصراع مع “إسرائيل”، وما فقدته من دور عالمي وانحسارها إلى دور إقليمي لا يليق بوزنها ودورها التاريخي وقوة جغرافيتها، معززاً ذلك باقتصاد خدمي ريعي وديون تثقل كاهلها.

وقد تحركت الدولة العميقة في مصر خلال العقود الماضية وهي تحاول تقليل خسائرها الاستراتيجية، بالعمل غير المعلن على وصول السلاح والخبرات العسكرية إلى غزة، رغم الخلاف السياسي مع حركة حماس، فغضّت النظر عن دور حزب الله والحرس الثوري في عمليات التهريب والتوصيل المعقدة عبر سوريا والسودان ومصر.

وعملت مصر خلال العقود الأربعة الماضية على عدم التورط بأي مغامرات عسكرية خارج حدودها، لإدراكها أن صراعها المؤجل هو مع “إسرائيل” والمنظومة الإقليمية الأميركية التي استغلت ضعفها الاقتصادي ومديونيتها وحجم الأعباء الهائلة لبلد تجاوز عدد سكانها 109 ملايين نسمة.

يُضاف إلى ذلك التجربة المصرية بعز قوتها في اليمن عام 1962 زمن جمال عبد الناصر، التي تسببت بخسائر فادحة للجيش المصري. وهذه الأسباب الثلاثة تمنعها من التورط في حرب جديدة، بعد أن نأت بنفسها عن “تحالف مكة” رغم الإغراءات الاقتصادية.

ماذا يمكن أن تفعل مصر؟

ما جرى في اليمن يدفع العالم أجمع نحو ركود اقتصادي، بل نحو كارثة اقتصادية، بعد توقف الصادرات النفطية السعودية بشكل شبه كامل عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وخروج خط “شرق-غرب” من الخدمة لمدة قد تصل إلى ستة أسابيع، وهي مدة كافية لتدهور الاقتصاد العالمي، تجلّت بوادرها بارتفاع أسعار الديزل، المحرك الاقتصادي الأول.

ومصر تستطيع أن ترمي بطوق النجاة لولي العهد السعودي بطرح تسوية سياسية في اليمن، تأخذ بعين الاعتبار الواقع اليمني الجديد، بخسارة السعودية لكل ما تعتبره إنجازاً خلال العقود الماضية، وخاصة بعد عام 1918. والإقرار بأن صنعاء، التي تستقطب 33 مليوناً من اليمنيين من أصل 42 مليوناً، أصبحت في موقع المُقرر لمسار اليمن السيادي، معززة بقدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي.

والسعودية هي الخاسر الأكبر في التحولات الميدانية المتسارعة، وأن الوصول للاتفاق مع صنعاء الآن يقلل من حجم خسائرها الاستراتيجية، والإقرار بالواقع الجديد لا مفر منه.

ومثل هذه المبادرة، إذا طرحتها مصر كطوق نجاة وحيد للسعودية، ستدفعها للتسريع من عملية تخلّصها من قيود كامب ديفيد، وتعيد لها جزءاً كبيراً من دورها الإقليمي الذي تحتاجه للوصول إلى الحالة السيادية.

فهل تفعلها مصر؟