د. شهاب المكاحله
بعد ثلاثة عقود من توقيع معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل في وادي عربة عام 1994، تقف هذه العلاقة اليوم على مفترق طرق خطير. فما كان يُعتبر ركيزة للاستقرار الإقليمي، تحوّل إلى ساحة توتر مفتوحة، حيث تتصاعد الخروقات الإسرائيلية للاتفاقيات الموقعة، ويُواجه الأردن أزمة وجودية على صعيد المياه والاقتصاد والأمن، في وقت تُلوّح فيه الانتخابات الإسرائيلية المقبلة باحتمال عودة بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم، وهو ما قد يدفع العلاقة نحو الانهيار.
فالعلاقات الأردنية – الإسرائيلية لم تكن يوماً علاقة حب، لكنها كانت، لعقود، علاقة مصلحة متبادلة. إسرائيل كانت بحاجة إلى حدود شرقية هادئة، والأردن كان بحاجة إلى المياه والدعم الاقتصادي. لكن هذه المعادلة أصبحت مهددة بفعل سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، التي تتعامل مع الأردن كخصم يجب إخضاعه، وليس كشريك يجب الحفاظ عليه.
انتهاك إسرائيلي منهجي لاتفاقية السلام
ما نشهده اليوم ليس مجرد سوء تفاهم عابر، بل نمط واضح من السلوك الإسرائيلي المنتهك لبنود المعاهدة. تأتي أزمة المياه في طليعة هذه الانتهاكات، حيث رفضت إسرائيل تجديد الاتفاقية التي وقّعتها عام 2021 لتزويد الأردن بـ 50 مليون متر مكعب إضافية من المياه سنوياً، فوق الحصة الأساسية البالغة 50 مليوناً المنصوص عليها في معاهدة السلام. وقد انتهت هذه الاتفاقية الإضافية في أواخر عام 2025، وبدلاً من تجديدها، ربطت إسرائيل استمرار تزويد الأردن بالمياه بشروط سياسية، تطالب فيها عمان بتليين خطابها تجاه إسرائيل واستعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة.
هذا الموقف الإسرائيلي يمثل سابقة خطيرة، إذ تُعتبر هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل إلى إجراء عقابي ضد الأردن بسبب مواقفه السياسية من القضية الفلسطينية والتطورات في غزة. ولم يكتفِ المسؤولون الإسرائيليون بذلك، بل صرّحوا بأنهم “ليسوا ملزمين بتوفير كميات إضافية” من المياه، معتبرين أن تزويد الأردن بها مرتبط بـ”حسن النية” بين البلدين. هذا التصريح يتجاهل حقيقة أن الأردن، وهو من أكثر دول العالم جفافاً، يعتمد على هذه المياه لتلبية احتياجات مواطنيه، وأن حرمانه منها يُشكل انتهاكاً صريحاً لروح ونص المعاهدة.
ولا تقتصر الانتهاكات على ملف المياه. ففي يوليو/تموز 2026، اقتحم الوزير المتطرف إيتمار بن غفير باحات المسجد الأقصى، مصطحباً آلاف المتشددين اليهود الذين أدوا صلواتهم علناً في الموقع، في خرق واضح للوضع التاريخي والقانوني القائم الذي يمنح الأردن وصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. وقد دانت وزارة الخارجية الأردنية هذه الزيارة واعتبرتها “تدنيساً لحرمة المسجد، وتصعيداً، وعملاً همجياً، واستفزازاً غير مقبول”. كما أقدم وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على استخدام خريطة موسّعة لإسرائيل تضم أراضٍ أردنية، وهو ما اعتبرته عمان انتهاكاً صريحاً للمعاهدة.
هذه الخروقات المتتالية ترسم صورة واضحة: إسرائيل، وبقيادة حكومة يمينية متطرفة، تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الأردن، من شراكة استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل، إلى علاقة قوة تقوم على الابتزاز وفرض الإرادة.
الأردن بين المطرقة والسندان
يقف الأردن اليوم في موقف بالغ الصعوبة. فهو من جهة، يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وديون عامة تتجاوز 90% من الناتج المحلي، وبطالة مرتفعة، وأزمة مياه حادة تفاقمت بسبب الجفاف والموجات الحارة. ومن جهة أخرى، يواجه ضغوطاً داخلية هائلة، حيث تطالب المعارضة الشعبية والبرلمانية بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، وطرد السفير الإسرائيلي، واستدعاء السفير الأردني من تل أبيب.
وقد حاول جلالة الملك عبد الله الثاني الموازنة بين هذه الضغوط، من خلال اتخاذ خطوات رمزية مثل إلغاء البند في المعاهدة الذي كان يسمح للمزارعين الإسرائيليين بالوصول إلى أراضٍ قريبة من الحدود، مع الحفاظ على التعاون الأمني والاستخباراتي مع إسرائيل خلف الكواليس. لكن هذا التوازن الدقيق أصبح مهدداً بشكل متزايد.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه الأردن إلى الدعم الاقتصادي والموارد المائية، تستخدم إسرائيل هذه الاحتياجات كورقة ضغط لابتزازه سياسياً. وقد عبّر مصدر مقرب من العائلة المالكة عن هذا الإحباط، مشيراً إلى أن “قضية المياه مهمة جداً بالنسبة لنا، وهي جزء من اتفاقية السلام”. لكن الموقف الإسرائيلي المتعنت يدفع الأردن نحو حافة الهاوية، حيث قد يجد نفسه مضطراً للاختيار بين الاستسلام للابتزاز الإسرائيلي، أو مواجهة تداعيات انهيار الاتفاقية.
ماذا لو عاد نتنياهو؟
المشهد الأكثر إثارة للقلق هو احتمال عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء بعد انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026. تُظهر استطلاعات الرأي تبايناً كبيراً في فرص نتنياهو، حيث تتراوح تقديرات مقاعد كتلته بين 49 و63 مقعداً من أصل 120. لكن ما يهم الأردن ليس فقط ما إذا كان نتنياهو سيفوز، بل طبيعة الحكومة التي سيشكلها.
إذا عاد نتنياهو إلى الحكم، فمن المرجح أن يعيد تشكيل ائتلاف مع أحزاب اليمين المتطرف، مثل حزب “القوة اليهودية” بزعامة بن غفير، وحزب “الصهيونية الدينية” بقيادة سموتريتش. وهذه الأحزاب ليست سرية في عدائها للأردن، بل تتبنى أجندات توسعية تهدد بشكل مباشر المصالح الأردنية. فقد دعا بن غفير وسموتريتش علناً إلى فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى، وبناء كنيس يهودي في باحاته. كما أن سياساتهم التوسعية في الضفة الغربية، بما في ذلك ضم أراضٍ واسعة وتسجيلها كأراضي دولة، تُنذر بتهديد وجودي للأردن، الذي يرى في ذلك خطوة نحو “النقل الصامت” للفلسطينيين إلى أراضيه.
المقلق أن نتنياهو نفسه، الذي كان يُعتبر يوماً ما صوت العقل في العلاقة مع الأردن، يبدو اليوم وكأنه رهينة لأجنحة اليمين المتطرف في حكومته. فقد تبنّى سياسة الابتزاز المائي، وسمح لوزرائه باقتحام المسجد الأقصى، ولم يعد يُظهر أي اهتمام بالحفاظ على الاستقرار مع عمان. بل إن بعض التقارير تشير إلى أن إسرائيل تسعى بشكل منهجي إلى تقليص النفوذ الأردني في الحرم القدسي الشريف، مما يهدد الوضع القائم المعترف به دولياً.
في الأشهر الأخيرة، وتحديداً في أكتوبر الماضي، كثّف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من محاولاته للتواصل مع القيادة الأردنية، سعياً لعقد لقاء يجمعه بالملك عبد الله الثاني. ولم تكن هذه المحاولات وليدة اللحظة، بل جاءت بعد سلسلة من الطلبات المتكررة التي تقدّم بها مكتب نتنياهو إلى الديوان الملكي الهاشمي عبر قنوات عدة. إلا أن كل هذه المساعي قوبلت بالرفض القاطع من قبل العاهل الأردني، الذي لم يكتفِ بالرفض، بل وضع شروطاً سياسية صارمة لأي لقاء محتمل، تمحورت حول قضايا جوهرية مثل وقف انتهاكات الاحتلال في غزة والضفة، ووقف التهجير، وضمان حرية العبادة في المسجد الأقصى، وتوقيع اتفاقية مياه جديدة.
وقد كشفت تقارير إعلامية عبرية وأردنية أن الرفض الأردني لم يكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل جاء لأسباب جوهرية مرتبطة بشخصية نتنياهو نفسه. فقد صرّح الملك عبد الله الثاني في مقابلة تلفزيونية خلال أكتوبر 2025 بأنه “لا يثق بكلمة واحدة” ينطق بها نتنياهو، وهو موقف يعكس إحباطاً عميقاً من عدم جدوى الحوار مع حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة تواصل انتهاك الاتفاقات الموقعة والقانون الدولي.
ويرى مراقبون أن نتنياهو كان يسعى من خلال هذا اللقاء إلى تحقيق مكاسب شخصية وسياسية على حساب القضية الفلسطينية. ففي الوقت الذي يواجه فيه تهماً بارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية، كان يريد استخدام لقائه بالملك الأردني كورقة دبلوماسية لتبييض صورته الدولية، وإرسال رسالة إلى الولايات المتحدة والعالم مفادها أن علاقاته بالدول العربية لا تزال مستقرة، رغم استمرار انتهاكاته بحق الشعب الفلسطيني. لكن القيادة الأردنية، التي تدرك أبعاد هذه اللعبة السياسية، رفضت أن تكون أداة في يد رجل متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وفضّلت عدم منحه أي “إنجاز دبلوماسي” أو “مكسب سياسي” يخرج به من عنق الزجاجة، مبقية التواصل مع إسرائيل في حدود القنوات الأمنية الضيقة دون أي شرعية سياسية للقاء على المستوى الرسمي الرفيع.
سيناريوهات المستقبل
في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل العلاقات الأردنية – الإسرائيلية:
السيناريو الأول: استمرار التوتر المُدار
هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب. يستمر فيه التعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين، بينما تتصاعد التوترات العلنية حول المياه والقدس. يحاول الأردن استيعاب الضغوط الداخلية من خلال خطاب رسمي متشدد، بينما تواصل إسرائيل فرض شروطها. هذا الوضع غير مستدام على المدى الطويل، لكنه قد يبقى سائداً طالما أن كلا الجانبين يرى في انهيار العلاقة مخاطرة لا يمكن تحمل تبعاتها.
السيناريو الثاني: التصعيد والمواجهة المفتوحة
هذا السيناريو يصبح أكثر احتمالاً في حال عودة نتنياهو مع حكومة يمينية متطرفة. فاستمرار انتهاكات المسجد الأقصى، وقطع المياه عن الأردن، ومحاولات فرض أمر واقع في الضفة الغربية، قد تدفع عمان إلى اتخاذ خطوات جريئة، مثل سحب السفير، أو تجميد معاهدة السلام، أو حتى فتح الباب أمام تدخلات إقليمية بديلة. الأردن لديه خيارات، منها التوجه نحو تركيا أو روسيا أو الصين، أو تعزيز التعاون مع دول الخليج التي أصبحت أكثر استقلالية في سياستها الخارجية.
السيناريو الثالث: الانهيار التدريجي للعلاقة
هذا سيناريو طويل الأمد، حيث تفقد معاهدة السلام تدريجياً أي مضمون فعلي. يستمر التنسيق الأمني بشكل محدود، لكن العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية تنهار تماماً. الأردن يبحث عن بدائل مائية واقتصادية، مستثمراً في مشاريع وطنية مثل الناقل الوطني للمياه، بينما تتجه إسرائيل نحو تعميق علاقاتها مع دول الخليج، مهملة جارتها الشرقية. في هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها معزولة على جبهتها الشرقية، مع حدود غير مستقرة وعدو محتمل جديد.
وفي الختام، إذا فاز نتنياهو في الانتخابات المقبلة، واستمر في سياساته الحالية، فقد نكون على أعتاب مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة بين عمان وتل أبيب. الأردن، الذي تحمّل الكثير، قد يصل إلى نقطة الانهيار، حيث لن يجد خياراً سوى الرد على الانتهاكات الإسرائيلية بإجراءات مضادة، مهما كانت تكلفتها. في ذلك اليوم، سيدفع الجميع الثمن: الأردن سيدفع ثمناً اقتصادياً وأمنياً، وإسرائيل ستفقد شريكاً استراتيجياً على حدودها الشرقية، والمنطقة بأكملها ستشهد زعزعة استقرار قد تكون تداعياتها أخطر مما نتخيل.
سلام وادي عربة لم يمت بعد، لكنه ينزف. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستدرك إسرائيل، قبل فوات الأوان، أن استقرار الأردن هو استقرار لها، وأن ابتزاز الأردن قد يقود إلى نتائج عكسية؟ أم أن الرهان على القوة سيدفع الجميع نحو الهاوية!
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
