الرئيسية / أخبار / بين قادم وقديم … العرب لا يقرأون

بين قادم وقديم … العرب لا يقرأون

المهندس سليم البطاينه

يبدو ان أهم ما كشفت عنه حرب الخليج الرابعة وتوابعها أنها لم تُنتج أسئلة بقدر ما فتحت أسئلة كثيرة : هل العالم العربي امام نهايات تقسيم جغرافيته وبإنتظار التنفيذ ؟

أذهلني ما كتبه الكاتب الاسكتلندي R. Busch ( أستاذ العلاقات الدولية وسياسات الشرق الأوسط في جامعة St Andrews في جلاسكو ) في صحيفة The Herald الأسكتلندية.

وهذا ملخص لما كتبه .

– إن الدول الناشئة بعد اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦ هي دول مصطنعة ! لم تحقق تقدماً فارقاً في تأسيس نموذج سياسي وتنموي حقيقي ! ومعظم تلك الدول لا زالت تشهد تفككاً في نموذج الدولة القومية ، وتراجعاً في بنية الدولة الوطنية ! نتيجة عوامل مُركبة مثل : غياب العدالة الاجتماعية ، وتفشي الفساد المالي والسياسي ، وانتشار الفقر والبطالة ، وتعثر للتنمية ، وتخلف لبرامج التربية والتعليم … الأمر الذي أدى الى تفاقم الاحتقان الاجتماعي بين الناس والى تزايد المجاعات ، وتتمدداً للخيم، وتصاعداً للهجرة ! وتبدّداً للأحلام !

الكاتب أكد ان الدور الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط أصبح من الماضي ! وان الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو انتهت صلاحيتها ، وباتت لا تعني شيئاً !

وان السياسة الأمريكية داخل حدود اتفاقية سايكس بيكو تضمنت منذ سنوات الكثير من التفاهمات الضمنية ( غير المعلنة ) مراعاة لحساسيات واعتبارات كل نظام تعاملت معه وظيفياً !

فهنالك دول تم استثناؤها من التقسيم ! وليس من الضروري تغيير حدودها ! حيث ستبقى كما هي ،، والذي سيتغير هو وظيفتها ، وتبدّل مركز قرارها !

وهنالك خرائط جديدة رسمها الأمريكيون وليس الأوروبيون ! وهناك أيضاً قرارات واتفاقيات ومشروع للتقسيم بإسم ( الشرق الجديد ) لم يكشف عنه حتى الآن ، ستصحوا عليه المنطقة قريباً كواقع مفروض ،، ولهذا فان دول المنطقة تتهيأ بواقعية بانتظار الحدث القادم ! حيث سيعرف الكل مصيره ! واين سيكون مكان وجوده ! ولون جواز سفره !

في بدايات عام ١٩٥٧ ظهر كتاب للصحفي الهندي ( رستم خورشيد كارنجيا ) بعنوان خنجر إسرائيل The Sword of Israel بعد زيارته ولقائه مع مسؤولين اسرائلين بعد حرب السويس مباشرة عام ١٩٥٦.

الكتاب عملياً سبق حرب عام ١٩٦٧ بعقد كامل ، وكأنه كان جرس إنذار مبكر للعرب لم يلتفت اليه احد !تضمّن وثيقة عُرفت بوثيقة ( كرانيجيا ) احتوت وثائق ومخططات إسرائيلية متداولة في الأوساط الاسرائيلية تتعلق بتفكيك العالم العربي وتهجير معظم سكّانه، أطلعه عليها وزير الحرب الإسرائيلي في ذلك الوقت موشيه ديان.

أخطر ما ورد بالكتاب هو استغراب ودهشة الصحفي الهندي خورشيد من جراءة موشيه ديان في كشف تلك الوثائق والمخططات أمامه ، وحديثه ببرود وابتسامة في جملة حملت استخفافاً للعقل العربي : لا تقلق العرب لا يقرأون !

اليوم وبعد مرور أكثر من سبعين عاماً يُقرأ كتاب رستم خورشيد كأنه وثيقة معاصرة ! إذ ما زال الكثير من مضامينه حاضراً في المشهد العربي المُخزي !

الحديث عن حدود سايكس بيكو وما خلّفته من ويلات للشعوب حقيقة لا يمكن تجاهلها ! ومن يقرأ واقعنا العربي الحالي سيجد مصداقاً صارخاً لذلك … شعوب تدفع اثماناً باهظة لصراعات لا دخل لها فيها !

ودول باتت عاجزة عن معالجة ابسط مشاكلها من فقر وبطالة وجوع وفساد وارتطام اقتصادي ،، حيث لم تعد قادرة على ممارسة سيادتها على ارضها وحدودها التي رُسمت لها على شكل حدود مستقيمة حصرت داخلها أعداداً هائلة من قبائل وطوائف لم تختر العيش معاً.

فـ بعد سايكس بيكو ظل سكان ومواطني تلك المناطق داخل الحدود المرسومة لهم من قبل بريطانيا وفرنسا ، لم يتغير عليهم أي شيء … كانوا يُعدوا من التبعية العثمانية ، وظلوا كذلك ضمن تابعيات مستحدثة.

المنطقة جرّبت ( تأثرت وتضررت ) من اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت أراضي الدولة العثمانية ( الهلال الخصيب ) لمناطق نفوذ ، ورسمت لها حدود تركت إرثاً من الصراعات والتحديات الجيوسياسية والمجتمعية ،،، تصارعت فيها الذاكرة مع الجغرافيا ، والدين مع الهوية ،، والهوية الوطنية مع الهويات الفرعية !

وانا اتأمل ما يجري إعتراني الحزن لفظاعة القادم ،، أمة هرب منها حاضرها ، وتركها امام محطة مجهولة في انتظار مستقبل غامض.

اليوم تقف المنطقة العربية أمام تساؤلات مفتوحة : هل حان الوقت لسايكس بيكو جديدة ؟

كاتب ونائب اردني سابق