ناصر السيد نور
وأخيرا كشفت الحرب الجارية في السودان فصلا جديدا لا يقل مشهده الدرامي عن فصولها المأساوية الأخرى، في فضاء آخر فصله قانوني وسياسي يستهدف أحد طرفيها الطرف الآخر، باستخدام الآلية القانونية في التجريم، على طريقة محاكمات نورنبيرغ الشهيرة، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ضد الطرف المهزوم من النازيين ودول المحور. ومع الفارق في طبيعة ونتيجة الحربين بين حرب القوى العظمى وحرب السودان، إلا أن ما يضع الأسئلة المشروعة عن طبيعة وضرورة هذه المحاكمات في هذا التوقيت، وغير المسبوقة في تاريخ الصراع السياسي في السودان. وكيف يفهم سير الحرب ميدانيا، الممتدة بعمقها الزمني ومساحاتها الجغرافية، ومعاركها التي تزداد انتهاكاتها. في الوقت الذي دعت فيه المؤسسة السياسية (الجيش، الحكومة) بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى التفاوض السياسي، عهدا على ما يجري من مفاوضات سرا وعلانية في عواصم العالم المختلفة، برعاية دولية متعددة الأطراف.
والشاهد أن ما تم ارتكابه في حرب السودان منذ انطلاق شرارتها في الخامس عشر من 2023 بين الجيش والدعم السريع، من فظاعات وانتهاكات جسيمة، من قبل كل الأطراف يستوجب محاكمة الجناة من الطرفين، انصافا للضحايا وتحقيقا للعدالة في جانبها الإنساني، بما يفهم منه إجراءات قانونية تحتكم إلى حكومة شرعية بسقف دستوري، يحقق موازين العدالة؛ ولكن أن يكون ميزان القوة هو ما يحدد الجرائم اتهاما، ويشرع وينفذ القانون وفق لمقتضيات سياسية براغماتية بحتة، يعد نقصا معيبا في معايير العدالة.
ما تم ارتكابه في حرب السودان، من فظاعات وانتهاكات جسيمة، من قبل كل الأطراف يستوجب محاكمة الجناة من الطرفين، إنصافا للضحايا وتحقيقا للعدالة في جانبها الإنساني
هذه الجرائم التي صنفت جرائم ضد الإنسانية، تمت الإشارة إليها من خارج ولاية الاختصاص القضائي السوداني، من مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية التي لا حدود لولايتها على الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، فهي ليست كمحكمة العدل الدولية التي تفصل في النزاعات بين الدول على أساس القانون الدولي، ولكن محكمة تعمل وفق اختصاص بما يشبه الاختصاص القانوني الدوليUniversal Jurisdiction العابر للحدود والسيادة والأسس القضائية المحلية للدول. فيما وقع من انتهاكات في الفاشر والجنينية وغيرها من قبل الدعم السريع، ومناطق أخرى تحت سيطرة الجيش. فقد أعلن من مدينة بورتسودان، العاصمة البديلة للحكومة السودانية، منذ انطلاق الحرب، الثلاثاء الماضي عن بدء محاكمات عدد من المتهمين أبرزهم قائد الدعم السريع محمد حمدان حميدتي وإخوانه عبد الرحيم دقلو والقوني دقلو، ومن السياسيين رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، وياسر عرمان، ووجدي صالح عبده، وآخرون، أي الأطراف في الطرف الآخر المباشرين من قيادات الدعم السريع، أو السياسيين ممثلي المرحلة الانتقالية والمناوئين، بطبيعة الحال، لاستمرار الحرب. وبغض النظر عن الدعاوى التي سيقت من الوجهة القانونية، ومن المؤكد ذرائعها السياسية، فإنها تعد السابقة الأولى في المحاكمات ـ التي تتصل بحرب جارية ـ في تاريخ الحروب والقضاء السوداني. وهذا الفصل من الصراع بين القانون والسياسة في عدم وجود شرعية سياسية إلا واقع الأمر لنظام يأخذ القانون، بما تمهده مبررات الحرب، أكثر من عدالة يفترض أن يتوافق فيها القانون والدستور واللوائح. وهذه المواجهة القانونية قلل كثير من الخبراء من أهميتها في الوقت الحالي، بين مدعٍ حاضرٍ، ومدعى عليه غائب تطاله إجراءات الحكم الغيابي في التنفيذ.
ومن بين كل القوانين التي أفرزتها الحرب بعيدا عن غرابة صيغتها وروحها القانونية، هي مخالفتها لنصوص الاتفاقيات الدولية المعترف بها المتعلقة بالحرب. فقد أبرزت الحرب السودانية قوانينها الخاصة، التي هي أقرب إلى ثارات الحرب منها إلى روح القوانين وعدالة الإجراءات.
فعلى مدار ثلاث سنوات من الاقتتال المستمر، وما أدت إليه من تشوهات طالت مؤسسات الدولة وعمقت من أزمة الثقة وسط مكونات السودان الاجتماعية. وبعد كل المحاولات لهزيمة الطرف الذي يقاتل الدولة، توصلت أخيرا السلطات القائمة إلى استخدام إحدى سلطات الدولة القانونية، لتحقيق ما لم يحقق عسكريا، ويأتي فتح أبواب المحاكم كطرف في المعركة بعد أن أثبتت فاعليتها في تطبيق قوانين متحيزة غربية ودخيلة على مدونة القوانين السودانية وهو قانون «الوجوه الغريبة»، ذلك الصك القانوني الذي يحمل وجوها من حُزم تهمٍ مسبقة يستدل عليها بالانتماءات الإثنية والجهوية للأفراد، أي تصنيف عنصري يشكل أحد تداعيات الحرب الجارية، دائرة تنفيذه مناطق الجيش، أو ما بات يعرف جغرافيا بالمناطق الآمنة. وهذا القانون الذي لا يستند إلى ابسط أسس العدالة، عادة ما تنفذه تشكيلات شبه عسكرية مساندة للجيش وترتبط مباشرة بالذراع السياسي المحرك لاستراتيجية الحرب والسيطرة على قيادتها.
وبالنظر إلى مجرى المحاكمات التي تتم لإدانة خصوم سياسيين مدنيين في ضوء الأحكام الصادرة التي طالت مدنيين أبرياء، بتهم تتعلق بالتعاون مع الدعم السريع، التي جرت في الولايات التي يسيطر عليها الجيش، يتضح أن ساحة أخرى من ساحات الحرب فتحت لمواصلة الحرب، يُستخدم فيها القانون كسلاح ضد الخصوم بالمعنى العسكري والسياسي. ووجهت المحكمة المنعقدة غيابيا في بورتسودان –ـ مقر الحكومة المؤقت- تهما بالاستناد إلى القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 تتعلق بالإرهاب وغسيل الأموال وغيرها، مما يمكن في حال تنفيذها الثأر السياسي من الخصوم بأقصى درجة ممكنة وبالغطاء السياسي من الأحكام المتذرعة بشرعية القانون، من دون شرعية سيادية للسلطة نفسها. إن الشخصيات المقصودة بالمحاكمات الغيابية، تمثل تنظيمات سياسية مدنية وتعد جبهات مناوئة لخطاب استمرار الحرب الذي تتبناه حكومة الجيش، ومن خلفها التنظيم السياسي الذي يقودها من الحركة الإسلامية، ذراع السلطة البائدة لنظام الإنقاذ. ومن غير هذه الأسماء القيادية المعلنة، يقبع الآلاف كما تشير التقارير من السياسيين والمدنيين، وتجرى محاكمة بعضهم في مدن السودان المختلفة، في مواجهة اتهامات جنائية تصل بعضها إلى عقوبة الإعدام، في ظروف تغيب فيها أركان العدالة القضائية وحقوق المتهمين في الدفاع، فقد تحولت قاعات المحاكم إلى ما يشبه معسكرات الاعتقال العسكري. وساد بالتالي المشهد السياسي شكلا جديدا من أدوات الابتزاز السياسي مسنودا بالقوة العسكرية.
وعلى الرغم من الجدل الذي صاحب هذه الإجراءات القانونية الاستثنائية، في بلد يعيش تحت صراعات مسلحة، بحاجة إلى وقف عاجل للحرب، لا تمثل هذه المحاكمات التي تتم بحق السياسيين المناوئين للحرب، أو من وقعوا تحت طائلة قوانين قصد بها إرهاب الخصوم، تأثيرا على المستوى السياسي والعسكري، بل قد يزيد من حدة المواجهة بين أطراف الحرب والمؤسسات الدولية المختصة بحقوق الإنسان والعدالة مثلما حذرت الأمم المتحدة من أن انهيار أنظمة العدالة في السودان يقوض حماية حقوق المدنيين. وإذا كانت السلطة ترى في تنفيذ قوانين باستخدام وسائل قانونية بحق معارضيها يعيد هيبتها وسيادة الدولة، مع الشلل الذي أصاب جراء الحرب مؤسساتها كافة، فإن فعالية هذه الإجراءات لا تتعدى أن تكون ضمن مناورات سياسية، مؤداها إرسال رسائل إلى الداخل والخارج، على حد سواء، وفي ظل مناخ يتسيده المنطق العسكري، خالطا بين السلطة التقليدية المكونة لمؤسسات الدولة، يصبح التفريق بين الخصم والحكم على مستوى منصة القضاء، لا يعني سوى طغيان في الحكم وانحراف في العدالة. وعن مدى تأثيره هذه الإجراءات في ظل حالة الفوضى والاضطراب، التي خلقتها أحداث مع الدعوات المتصاعدة للسلام، ووقف الحرب بناء على ما هو مطروح من مبادرات داخلية وخارجية، فالأرجح أن يزداد الاحتقان السياسي بين السلطة والمكونات السياسات المستهدفة وغير المستهدفة بهذه الأحكام، بما أشاعته من حالة متوترة ازدادت فيها مساحات التباعد بين أطراف تختلف في الرؤية وبطبيعة الحال في الموقف من الحرب بين أن تستمر حربا على كلفتها البشرية ومخاطرها ومهدداتها المباشرة، ووجود السودان دولة وشعبا، والمحاكمات التي تتصورها السلطات جزءا من عدالة الحرب وما تشرعه الحرب من ممارسات يتم فيها تجاوز القيم الإنسانية وإسقاط الحقوق الدستورية ـ على فرض وجودها- لمواطنين أيا تكن انتماءاتهم الجهوية سيدفع بحالة الانقسامات التي تشهدها الدولة السودان إلى نقطة يصعب التراجع إلى ما قبلها.
كاتب سوداني
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
