الرئيسية / أخبار / المكاحله: هل يتفكك التحالف عبر الأطلسي؟ أوروبا أمام اختبار تاريخي

المكاحله: هل يتفكك التحالف عبر الأطلسي؟ أوروبا أمام اختبار تاريخي

د. شهاب المكاحله

لم تأتِ تحذيرات نائب المستشار الألماني ووزير المالية لارس كلينغبايل من فراغ، حين قال إن العلاقة مع الولايات المتحدة «بصدد التفكك»، وإن أوروبا تمر بمرحلة تُطرح فيها تساؤلات غير مسبوقة حول ثوابتها السياسية والاستراتيجية. فالكلمات التي أطلقها في برلين لم تكن مجرد توصيف دبلوماسي، بل تعبير عن قلق أوروبي آخذ في التبلور إزاء تحولات عميقة تقودها سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّل التحالف عبر الأطلسي حجر الزاوية في النظام الأمني والسياسي الأوروبي. الولايات المتحدة كانت الضامن العسكري، وأوروبا الشريك السياسي والاقتصادي. لكن هذا التوازن بدأ يتصدع مع عودة ترامب إلى الواجهة السياسية، حاملاً معه رؤية تقوم على مبدأ «أمريكا أولاً» دون اعتبار يُذكر للكلفة التي يدفعها الحلفاء.

تحذير كلينغبايل من أن التحالف يشهد «تحولاً أعمق بكثير مما نرغب في الاعتراف به» يعكس إدراكاً متأخراً لحقيقة باتت واضحة: واشنطن لم تعد تنظر إلى أوروبا كشريك استراتيجي بقدر ما تراها عبئاً أو ورقة ضغط. فالتهديدات المتكررة التي أطلقها ترامب تجاه دول حليفة أو صديقة مثل كولومبيا والمكسيك، ناهيك عن كوبا وغرينلاند التابعة للسيادة الدنماركية، تكشف نمطاً سياسياً لا يعترف بالخطوط الحمراء التقليدية للعلاقات الدولية.

الأخطر في حديث المسؤول الألماني كان توصيفه للتدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي، معتبراً أنه «جرس إنذار» لأوروبا. فحين تتجاوز القوة العظمى التي لطالما قدّمت نفسها كحامية للنظام الدولي القواعد التي ساهمت في صياغتها، فإن ذلك يفتح الباب أمام مرحلة من الفوضى الاستراتيجية، حيث تصبح القوة لا القانون هي المرجعية.

أوروبا اليوم تقف أمام لحظة تاريخية دقيقة. فالتساؤل لم يعد مقتصراً على طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، بل امتد إلى جوهر المشروع الأوروبي نفسه: هل تستطيع القارة الاعتماد على نفسها أمنياً؟ وهل تملك الإرادة السياسية لبناء استقلال استراتيجي حقيقي؟ أم أنها ستظل أسيرة مظلة أمريكية باتت مشروطة ومتقلبة؟

كلام كلينغبايل عن أن «كل ما كنا نعتبره ثوابت صار موضع شك» يلخّص المشهد بدقة. فالثوابت التي حكمت النظام الدولي الغربي لعقود لم تعد مضمونة. والتعامل مع هذا الواقع يتطلب من أوروبا أكثر من بيانات القلق؛ يتطلب إعادة تعريف دورها، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وبناء سياسة خارجية أقل تبعية وأكثر توازناً.

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، لم يعد الرهان على الماضي خياراً آمناً. وأوروبا، إذا لم تُحسن قراءة التحذيرات القادمة من داخلها قبل خارجها، قد تجد نفسها في نظام دولي جديد بلا ضمانات ولا حلفاء موثوقين.