أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / النفط والغاز وثمن الحرب: كيف يمكن للانتخابات الأميركية أن تعيد تشكيل أمن الطاقة العالمي؟

النفط والغاز وثمن الحرب: كيف يمكن للانتخابات الأميركية أن تعيد تشكيل أمن الطاقة العالمي؟

أعادت المواجهة مع إيران التذكير بحقيقة أساسية مفادها أن أمن الطاقة العالمي لا يزال مرتبطاً بصورة مباشرة بالتطورات الجيوسياسية في الخليج والقرارات السياسية في واشنطن.

على مدى عقود، انصب النقاش الدولي حول أمن الطاقة على حجم الإنتاج، والاستثمارات، والتطور التكنولوجي، والتحول نحو مصادر الطاقة المتجددة. لكن المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة أعادت إلى الواجهة حقيقة أكثر تقليدية: أن النظام العالمي للطاقة لا يزال معرضاً للاضطرابات الجيوسياسية.

فالآبار النفطية ومصافي التكرير ومحطات الغاز الطبيعي المسال والممرات البحرية وشركات التأمين تشكل شبكة مترابطة، يمكن أن يؤدي اضطراب أحد عناصرها في منطقة جغرافية محددة إلى تداعيات اقتصادية تمتد إلى مختلف القارات.

وتجري انتخابات التجديد النصفي الأميركية في ظل هذه المعادلة، إذ أصبحت أسعار الطاقة قضية داخلية مؤثرة في حسابات الناخب الأميركي. فارتفاع أسعار الوقود يؤثر في النقل والزراعة والصناعة وتكاليف المعيشة، كما يعقد جهود الإدارة الأميركية في تقديم صورة عن الاستقرار الاقتصادي وتحقيق الوعود المتعلقة بالنمو والقدرة الشرائية.

وبذلك أصبحت السياسة الخارجية مرتبطة بصورة مباشرة بالنقاش الداخلي حول تكاليف المعيشة والتضخم.

ويحتل مضيق هرمز مركز هذه المعادلة. فأهميته لا تقتصر على حجم النفط الذي يمر عبره، بل تمتد إلى دوره في ربط المنتجين الخليجيين بالأسواق الآسيوية والدولية، فضلاً عن كونه ممراً أساسياً لصادرات الغاز الطبيعي المسال.

وتشير تقديرات مجلس العلاقات الخارجية إلى أن نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ونحو 19 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، مرّا عبر المضيق خلال عام 2025. وهذه الأرقام توضح لماذا لا يمكن اعتبار أمن المضيق قضية إقليمية محدودة، بل مسألة ترتبط بالاستقرار الاقتصادي الدولي.

ويؤدي أي اضطراب في حركة الملاحة عبر هرمز إلى مجموعة من الضغوط المتزامنة. أولها المخاوف المتعلقة بالإمدادات الفعلية. وثانيها ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وثالثها اتجاه الشركات والدول إلى زيادة مخزوناتها الاحتياطية تحسباً لأي انقطاع محتمل.

وقد تتفاقم تقلبات الأسواق حتى قبل أن تتضح الأبعاد الكاملة لأي توقف فعلي في الإمدادات.

ولا تستجيب أسواق النفط فقط لحجم البراميل التي تختفي من الإنتاج، بل تتأثر أيضاً بالتوقعات والمخاطر والاحتمالات المستقبلية. فالمتداولون يراقبون ما إذا كانت المواجهة ستبقى محصورة جغرافياً، وما إذا كانت المنشآت الحيوية ستتعرض للاستهداف، وما إذا كانت حركة الملاحة ستعود إلى طبيعتها، وما إذا كانت الحكومات ستلجأ إلى استخدام احتياطياتها الاستراتيجية.

وفي مثل هذه الظروف، يتحول ما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية إلى عنصر أساسي في تحديد أسعار النفط العالمية.

أما البعد السياسي الأميركي، فيتمثل في احتمال أن يؤدي استياء الناخبين من الكلفة الاقتصادية للحرب إلى زيادة الضغوط على الإدارة للتوجه نحو خفض التصعيد.

فأي اتفاق دبلوماسي يعيد انتظام الملاحة البحرية يمكن أن يسهم في تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة والتجارة الدولية. لكن أي تسوية مستدامة ستحتاج إلى معالجة ملفات تتجاوز مجرد إعادة فتح الممرات البحرية، بما في ذلك العقوبات والبرنامج النووي والأمن البحري والانتشار العسكري في المنطقة.

كما يمكن لتغير تركيبة الكونغرس أن يؤثر في سياسة الطاقة الأميركية من خلال الموازنات والرقابة والتشريعات والبيئة التنظيمية للاستثمار. ومع ذلك، فإن الرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية مهمة في مجالات السياسة الخارجية والأمن القومي، ما يعني أن التغيير التشريعي قد يعقد عملية صنع القرار أكثر مما يؤدي بالضرورة إلى انقلاب كامل في الاستراتيجية الأميركية.

وتواجه الدول الخليجية المنتجة للطاقة تحديات مباشرة في هذا السياق. فالسعودية معنية بالحفاظ على موثوقية صادراتها ودورها المركزي في أسواق الطاقة الدولية. والإمارات مطالبة بحماية إنتاجها ومنشآتها التصديرية وسمعتها التجارية. أما قطر، فتكتسب أهمية خاصة في سوق الغاز الطبيعي المسال، حيث تمثل موثوقية الإمدادات والعقود طويلة الأجل أحد أهم عناصر قوتها الاقتصادية والاستراتيجية.

وبالنسبة إلى هذه الدول، لا تقتصر القضية على ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها. فقد يؤدي ارتفاع الأسعار مؤقتاً إلى زيادة الإيرادات، لكن الحرب الطويلة يمكن أن تضر بالبنية التحتية، وترفع التكاليف التشغيلية، وتضعف الثقة الاستثمارية، وتؤثر في موثوقية الإمدادات على المدى البعيد.

وهنا يجب التمييز بين المكاسب السعرية المؤقتة والأمن المستدام للطاقة.

وتواجه أوروبا بدورها تحديات متزايدة، إذ عملت حكوماتها خلال السنوات الأخيرة على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الإمدادات المعرضة للمخاطر الجيوسياسية. لكن أي اضطراب في صادرات الغاز الطبيعي المسال الخليجية قد يزيد المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين، ويضع ضغوطاً إضافية على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

أما الاقتصادات الآسيوية، فتواجه تعرضاً أكبر لهذه التطورات بسبب اعتمادها على واردات النفط والغاز من الخليج. فالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تحتاج إلى إمدادات مستقرة للحفاظ على الإنتاج الصناعي والنمو الاقتصادي.

وبالتالي، فإن حساباتها الدبلوماسية لن ترتبط فقط بعلاقاتها مع واشنطن وطهران، بل أيضاً بضرورة ضمان وصول الطاقة إلى أسواقها بصورة منتظمة.

وتحتل الولايات المتحدة موقعاً استثنائياً في هذه المعادلة. فالإنتاج المحلي الكبير يمنح الاقتصاد الأميركي قدراً من الحماية من بعض اضطرابات الإمدادات الخارجية، لكنه لا يعزله عن تقلبات الأسعار العالمية. فالنفط سلعة عالمية، وارتفاع الأسعار الدولية يمكن أن ينعكس على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة حتى مع استمرار الإنتاج المحلي.

وهناك تداعيات بعيدة المدى قد تدفع الحكومات إلى تسريع الاستثمار في خطوط النقل البديلة، والاحتياطيات الاستراتيجية، والطاقة المتجددة، والطاقة النووية، وتعزيز الإنتاج المحلي.

لكن هذه الاستثمارات تحتاج إلى سنوات، ولا يمكنها أن تحل سريعاً محل البنية التحتية الحالية التي تربط المنتجين الخليجيين بالأسواق العالمية.

وقد تتحول الانتخابات الأميركية، بصورة غير مباشرة، إلى اختبار للعلاقة بين القوة العسكرية الأميركية والاستقرار الاقتصادي الدولي. فالناخبون لا يقررون بالضرورة التفاصيل التقنية لأمن الملاحة في الخليج، لكنهم يشعرون بتداعياته من خلال أسعار الوقود والتضخم وتكاليف المعيشة.

ومن هنا، فإن الاستقرار طويل الأمد لنظام الطاقة العالمي سيتطلب أكثر من زيادة الإنتاج. فهو يحتاج إلى ضمان أمن البنية التحتية والممرات البحرية، وتطوير آليات تعاون دولية قادرة على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى صدمات اقتصادية عالمية.

إن الانتخابات الأميركية لن تحدد مستقبل الطاقة العالمية بمفردها، لكنها ستؤثر في الحسابات السياسية للدولة التي لا يزال وجودها العسكري وثقلها الدبلوماسي عنصرين أساسيين في أمن الخليج.

وبالنسبة إلى الدول المستوردة للطاقة، لن تُقاس نتائج هذه الانتخابات بالمواقف السياسية وحدها، بل بمدى استقرار الإمدادات، وتكاليف النقل، واستقرار أسعار الطاقة بالنسبة إلى المستهلكين والقطاعات الصناعية.