لن يتحدد مستقبل أمن الخليج من خلال التوازن العسكري بين واشنطن وطهران وتل أبيب وحده، بل أيضاً من خلال الكيفية التي ستعيد بها السياسة الداخلية الأميركية تشكيل حسابات القوى الإقليمية.
أصبح الخليج العربي الساحة الجغرافية الأبرز التي تتقاطع فيها ثلاث معادلات استراتيجية متنافسة: سعي إيران إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي وقدراتها الردعية، ومحاولة إسرائيل الحد من القدرات العسكرية الإيرانية، ومساعي الولايات المتحدة إلى ضمان أمن المنطقة من دون الانجرار إلى حرب شرق أوسطية طويلة الأمد.
وتضيف انتخابات التجديد النصفي الأميركية متغيراً جديداً إلى هذه المعادلة المعقدة، إذ تطرح تساؤلات بشأن استمرارية الالتزامات العسكرية الأميركية، والقدرة السياسية على تحمل تكاليف المواجهة مع طهران، ومدى استعداد واشنطن لتحمل التداعيات الاقتصادية لأي تصعيد إقليمي.
لقد كشفت المواجهة عن تناقض جوهري في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى منع إيران من امتلاك قدرات استراتيجية تهدد مصالحها ومصالح شركائها الإقليميين. ومن جهة أخرى، تحاول منع العمليات العسكرية من التحول إلى مواجهة مفتوحة تهدد الملاحة الدولية والبنية التحتية للطاقة واستقرار الحكومات الحليفة.
وبالتالي، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة صعبة تتطلب الجمع بين إظهار القوة العسكرية وتجنب التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية لتوسيع نطاق الحرب.
وتدرك إيران أن الجغرافيا تمنحها أوراق ضغط مهمة. فموقعها على الساحل الشمالي للخليج العربي وقربها من مضيق هرمز يوفران لها قدرة على التأثير في أمن الممرات التجارية الدولية، حتى في ظل تعرض قدراتها العسكرية التقليدية لضغوط كبيرة.
وتشكل الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية والعلاقات مع الجماعات المسلحة في المنطقة عناصر ضمن منظومة ردع أوسع. وقد لا تمنح هذه القدرات طهران تفوقاً عسكرياً تقليدياً، لكنها تجعل حسابات أي قوة تفكر في خوض مواجهة طويلة معها أكثر تعقيداً.
ويحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً في هذه المعادلة، لأن أمنه لا ينفصل عن الاستقرار الاقتصادي للنظام الدولي. فأي تعطيل طويل للملاحة سيؤثر في صادرات الطاقة الخليجية، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للنفط والغاز.
أما إسرائيل، فتواجه تحدياً استراتيجياً مختلفاً. فقد تعاملت مؤسساتها الأمنية مع القدرات العسكرية والنووية الإيرانية باعتبارها تهديداً طويل الأمد. لكن السؤال الأساسي يتمثل في طبيعة النتائج التي يمكن تحقيقها عسكرياً، ومدى استدامتها سياسياً وأمنياً.
فتدمير منشآت أو إضعاف قدرات صاروخية أو استهداف بنية عسكرية لا يعني بالضرورة القضاء على الأسس السياسية والتكنولوجية التي تقوم عليها طموحات الدولة المستهدفة. وقد تؤدي العمليات العسكرية إلى إضعاف الخصم، لكنها قد تدفعه في الوقت نفسه إلى إعادة بناء قدراته وتطوير وسائل جديدة للردع.
وهنا تتداخل السياسة الانتخابية الأميركية مع الحسابات الإسرائيلية. فمستوى الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه واشنطن يؤثر في قدرة إسرائيل على مواصلة عملياتها وتحقيق أهدافها. وقد يؤدي تغير السيطرة على الكونغرس إلى زيادة الرقابة على المساعدات العسكرية وصفقات الأسلحة والإنفاق الدفاعي، كما قد يفتح المجال أمام تحركات دبلوماسية جديدة.
غير أن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في طبيعة العلاقة الأمنية بين واشنطن وتل أبيب، التي تستند إلى مؤسسات واتفاقيات ومصالح استراتيجية ممتدة.
وتواجه الملكيات الخليجية معادلة شديدة الحساسية. فقد سعت السعودية إلى تعزيز موقعها الدولي من خلال تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات وتوسيع علاقاتها الدبلوماسية. كما بنت الإمارات شبكة تجارية ومالية دولية تعتمد على الاستقرار والثقة. أما قطر، فقد عززت دورها الدبلوماسي من خلال الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف تتسم علاقاتها بالتوتر والعداء.
وبالنسبة إلى هذه الدول، فإن الحرب لا تهدد صادرات النفط وحدها، بل تضع المطارات والموانئ والمراكز المالية والمنشآت الصناعية والسياحة والاستثمارات الأجنبية ومشاريع التنمية طويلة الأمد أمام مخاطر متزايدة.
إن التحول الاقتصادي الذي تسعى إليه دول الخليج يحتاج إلى بيئة مستقرة تستطيع فيها الشركات الدولية العمل، ويستطيع المستثمرون اتخاذ قرارات طويلة الأمد، ويشعر فيها العاملون والخبراء الأجانب بالأمان.
وحتى في غياب هجمات مباشرة على المنشآت الحيوية، فإن استمرار حالة عدم اليقين يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين، وتأجيل الاستثمارات، وإعادة تقييم الشركات الدولية لمدى تعرضها للمخاطر الإقليمية.
ولهذا، تمتلك دول الخليج مصلحة واضحة في الإبقاء على قنوات التواصل الدبلوماسي مع طهران، بالتوازي مع استمرار شراكاتها الأمنية مع واشنطن. ولا ينبغي تفسير هذا التوجه باعتباره تأييداً للسياسات الإيرانية، بل باعتباره إدراكاً عملياً بأن الجغرافيا تجعل المواجهة الدائمة مكلفة لجميع الأطراف.
وتعكس المصالحة السعودية الإيرانية، والنهج الإماراتي البراغماتي، والدور القطري في الوساطة، أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال حتى خلال فترات التصعيد.
وقد تصبح العلاقات بين واشنطن والعواصم الخليجية أكثر ارتباطاً بالمصالح والضمانات المحددة. فمن المرجح أن تسعى الحكومات الخليجية إلى الحصول على ضمانات أوضح بشأن حماية المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات البحرية، وتوافر الدعم العسكري الأميركي في حالات الطوارئ.
وفي الوقت نفسه، قد تتجه إلى تنويع مصادر التسليح وتوسيع التعاون مع شركاء دوليين آخرين. وقد تستفيد الصين دبلوماسياً وتجارياً من هذا التوجه، رغم أن قدرتها على أن تحل محل الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الخارجي الرئيسي للخليج لا تزال محدودة.
وتبرز تركيا أيضاً بوصفها لاعباً مهماً في المعادلة الإقليمية. فعضويتها في حلف شمال الأطلسي، وقدراتها العسكرية، وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول الخليج تمنحها موقعاً يمكن أن يصبح أكثر أهمية في جهود احتواء التصعيد والحفاظ على الممرات التجارية وفتح قنوات الاتصال الدبلوماسي.
إن الخطر الأكبر على الخليج لا يتمثل بالضرورة في مواجهة عسكرية واحدة، بل في الدخول في حالة طويلة من عدم اليقين الاستراتيجي. فالحكومات والشركات والمستثمرون يستطيعون التكيف مع المخاطر المحددة، لكنهم يجدون صعوبة أكبر في العمل عندما يصبح التصعيد احتمالاً دائماً وتصبح نوايا القوى الكبرى غير قابلة للتنبؤ.
وستسهم الانتخابات الأميركية في تشكيل هذه البيئة، لأنها ستؤثر في الظروف السياسية الداخلية التي تتخذ واشنطن ضمنها قراراتها. لكن من الخطأ افتراض أن تغير تركيبة الكونغرس سيؤدي تلقائياً إلى تحول كامل في العقيدة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
إن الخليج يحتاج إلى منظومة أمنية إقليمية تحمي السيادة الوطنية والملاحة التجارية والبنية التحتية للطاقة، مع معالجة المخاوف الأمنية لإيران وإسرائيل والولايات المتحدة. ولا يمكن تحقيق مثل هذه المنظومة بالضغط العسكري وحده، بل تحتاج إلى آليات دبلوماسية تقلل دوافع التصعيد وتمنع تحول الخلافات إلى مواجهات مفتوحة.
والدرس الأساسي من الأزمة الحالية هو أن الخليج لا يستطيع أن يظل مجرد ساحة جغرافية لتصفية الحسابات الاستراتيجية بين واشنطن وطهران وتل أبيب. فدوله تمتلك مصالحها وأولوياتها التنموية والأمنية، وسيعتمد مستقبل النظام الإقليمي على قدرتها على تنسيق هذه المصالح، بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع القرارات التي تُتخذ خارج حدودها.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
