الرئيسية / أخبار / كيف سيواجه العراق “الفخاخ المركّبة” كخطة استراتيجية لتفكيكه داخلياً وعزله دولياً؟

كيف سيواجه العراق “الفخاخ المركّبة” كخطة استراتيجية لتفكيكه داخلياً وعزله دولياً؟

محمد الخزاعي

العراق أمام فخاخ استراتيجية تستهدف تفكيكه داخلياً وعزله دولياً، ومواجهتها تتطلب وحدةً وطنيةً وسيادةً مستقلةً وقدراتٍ دفاعيةً متوازنةً.

في أيّة لعبة جيوسياسية على رقعة جغرافية شائكة، نادراً ما تكون حقيقيةً ظاهرةً وتتجلّى في الالتفاف الناعم للخصم حول الدفاع، وليس في هجومه المباشر.
إذ إنّ ما يجري ويُعدّ له حالياً في العراق – بين الدعوات الأميركية لحصر السلاح والاتفاقات على الانسحاب المرحلي- ليست أحداثاً منفصلة، بل منظومة واحدة متكاملة، مصمّمة بعناية لتحقيق هدف واحد وهو: تفكيك القدرة السيادية للعراق في الدفاع عن نفسه، وتقديمه كساحة مفتوحة للفتن الداخلية والتدخلات الإقليمية، تحت ستار الفراغ من (الخروج الأميركي والسيادة الوطنية) لأطراف المعادلة، كلٌّ بحسب مصلحته ونفوذه.
السؤال الذي لم نسمع عن مناقشته سياسياً أو حكومياً، ماذا لو كان حصر السلاح والانسحاب الأميركي ليسا هدفاً أميركياً بالمعنى التقليدي، بل استراتيجية معاكسة تخدم أهدافاً بعيدة المدى تشبه الذي حدث إبان انسحابهم في 2011، وعادوا بعدها من شباك صنيعتهم “داعش”؟

الفخّ الأول: حصر السلاح كأداة لنزع سلاح المقاومة

عندما تُناقش الحكومتان الأميركية والعراقية “حصر السلاح”، فإنّ الخطاب يُركّز على نقطة واحدة، وهي توحيد الجيش والشرطة وإبعاد الحشد الشعبي ولو بشكل غير مباشر لفرض ما يُسمّونه سيطرة الدولة، وسحب الأسلحة الثقيلة من الفصائل، وهذه حُجّة تؤطّر الدولة العراقية الحديثة بإطار أكذوبة (احتكار العنف).

لكنّ التجربة مع الأميركيين وحلفائهم العرب والإقليميين، تؤكد أنّ هناك واقعاً مُغايراً عمّا يتم تسويقه إعلامياً، على وفق مجموعة من الحقائق:

أولاً: إنّ الفصائل المسلحة ليست “مشكلة أمنية” بالمعنى الذي يُروّج له، فهي في الغالب فصائل حاربت داعش على الأرض وقدّمت آلاف الشهداء والجرحى، وتمتلك قاعدة شعبية وطنية حقيقية وقدرات عسكرية منظّمة وفعّالة، والأهم؛ تملك استقلالية نسبية عن الضغوط الخارجية، إذ إنّها توفّر حاجزاً ردعياً ضد التدخل الأجنبي وبخاصة الأميركي.

ثانياً: إنّ القوات الأمنية العراقية بمختلف صنوفها ومن ضمنها الحشد الشعبي، هي الأداة الموظّفة لهذه المهمة الوطنية، فعندما تُحصر الأسلحة بيدها تُصبح الحارس الوحيد للدفاع الوطني عن البلد.

ثالثاً: إنّ حصر السلاح يُمثّل إزالةَ المتغيّر الوحيد غير القابل للسيطرة من وجهة النظر الأميركية أو (الغربية) بشكل أوسع، وهم بذلك تناسوا أنّ هناك ثوابت متجذّرة في المعادلة الشعبية العراقية لا يمكن السيطرة عليها بشكل كامل، وهي أنّ التعبئة العامة؛ سلاح أمضى من أيّة قوات رسمية أو خارجية، وهذا العديد من قوات التعبئة قد تتعاون، قد ترفض، قد تتمرّد، قد تتخذ قرارات سياسية مستقلة، لكنها لن تخضع للاحتلال “الناعم” تحت أي ظرف، وبخاصة مع وجود المرجعية الدينية.

الفخّ الثاني: الانسحاب الأميركي كخطة لخلق الفراغ الموظّف

إنّ الاتفاق على انسحاب القوات الأميركية في نهاية أيلول- سبتمبر من هذا العام، قد تبدو للعراقيين كـ”انتصار دبلوماسي”، لكن من وجهة نظر استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة يخدم أهدافاً عدّة:
أولاً: خلق فراغ أمني مُتحكَّم به، إذ إنّ الانسحاب الأميركي لن يكون انسحاباً كاملاً بل سيبقى على شكل: (قوات عسكرية “استشارية” في القواعد، ممثلين عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA، شركات حماية عسكرية خاصة، قدرات جوية قريبة من العراق – في قواعد الخليج- ).

ثانياً: تبرير العودة المستقبلية من بوابة ما يُسمّى “الفراغ” الذي سيُسبّبه الانسحاب الأميركي من نوافذ الاحتمالات المُعدّة سلفاً:
– إذا استقوت إيران، فنحن بحاجة للعودة لموازنة التأثير الإيراني.
– إذا ظهرت مجاميع إرهابية جديدة، فنحن بحاجة للعودة لمحاربة الإرهاب.
– إذا حدثت صراعات طائفية، فنحن بحاجة للعودة لحماية الأقليات.

تاريخياً: هذا النمط من الاحتمالات ليس بجديد؛ إذ إنّ الدول التي تُسمّى “عظمى” تخلق أسباباً عديدة بغية قطع تذكرة عودة من خلال السماح بظهور الفراغات.

ثالثاً: نقل الحضور من العسكري إلى الناعم وغير المرئي- الذكي:

لأنّ الحضور الأميركي العسكري الثقيل قد يكون “غير مريح شعبياً- سياسياً”، لكنّ الدخول الناعم المتمثل بـ(الاستخبارات، المستشارين، الشركات الأمنية الخاصة- منظمات المجتمع المدني- الجيوش الإلكترونية والذكاء الاصطناعي- السياسيين المرتبطين بتخادم مصالح- الإعلاميين والمؤثرين ..إلخ) من أدوات التأثر والتأثير الذكي الأقل ظهوراً للعلن، والأقل عرضة للنقد الشعبي، وهذا ما يوفّر تغييراً بـ(الصورة) لا بالواقع.

الفخّ الثالث: إثارة الفتن الإثنية والطائفية كآلية لضمان عدم الاستقرار الداخلي.

فبعد الانسحاب (الظاهري)، سيظهر “فراغاً سياسياً” مدروساً سيؤدي إلى:

أولاً: تصعيد الصراعات الطائفية من خلال استثمار “التنوع” الذي يعدّ نقطة قوة للعراق، إذا تم إدارته بحكمة، وعدم الغفلة عنه ليُصبح “سلاحاً” لمحيطه الساخن:

– الأطراف الخليجية- الإقليمية وبخاصة (تركيا- السعودية- قطر)؛ ستُموّل وتدعم العناصر السُّنية المتطرفة، وهذا حصل مراراً منذ الحرب الطائفية وما يزال مُعتاشاً على النعرات الشيعية- السُّنية.
– الكورد سيُستقطبون وسيُمارسون اللعب على وفق مصالحهم (مرة مع الأميركيين، مرة مع الأتراك، مرة الخليج، مرة مع إيران)، على أنّي أؤكد أنّ مزاجهم في التحالف السياسي والاستراتيجي في الداخل سيكون مع الشيعة لعدّة أسباب (تاريخية وعملية).
– ستُتَّهم إيران بدعم الشيعة لإحداث تغيير ديموغرافية الانتماء العقدي من خلال توسّع جغرافية ولاية الفقيه على حساب مرجعية النجف.

ثانياً: ظهور “داعش الثانية” بثوب جديد

إذ إنّ داعش الأولى كانت “حلّاً استراتيجياً” لمشكلة الفراغ الأميركي في مناطق عديدة من الدول التي جعلتها الولايات المتحدة بوابة تؤمّن منها احتياجها الداخلي عند أي انهيار اقتصادي، وتثبيتها لنظرية القطبية الأحادية “لأميركا” للتحكّم الدولي في رسم المسار العالمي، وبما أنّ ظهور داعش كان نافذةً لذلك؛ فإنّ تكرار ذلك النمط (بثوب جديد) وارد جداً من خلال:
– تنشيط الخلايا النائمة، وإعادة مشهدية العبوات الناسفة والاغتيالات والسيارات الملغمة إلى الواجهة، ويكفينا مدلولاً على ذلك عمليات “الذئاب المنفردة” التي تُنفّذ بين الحين والآخر في العراق وسوريا وتركيا وبعض البلدان الأخرى.
– تمويل خليجي خالص، وتسليح تركي مُتّفق عليه.
– دعم وتسليح محدود من قِبل جهات إقليمية (لا يُنسب إلى أميركا) لمجموعات داخل أقليات ومكونات معينة.

ثالثاً: الاستقطاب السياسي والحزبي الحادّ.

فالفراغ الأمني سيؤدي إلى فراغ سياسي، وأنّ الأحزاب والكتل السياسية ستتنافس بشراسة على ملء هذا الفراغ الذي ستحاول فيه كلّ كتلة (السيطرة على أجهزة أمنية محددة، استقطاب العسكريين إلى معسكرها، بناء جماعات عسكرية موازية)، وبالتالي ستتوافر الأرضية التي أُعدّ لها مُسبقاً وهي: دولة على حافة حرب أهلية، حكومة مركزية ضعيفة جداً، وحاجة “ملحّة” للتدخل الخارجي.

الفخّ الرابع: استهداف المشروع الإيراني من خلال تقسيم العراق

وبتقديري أنّ هذا هو الفخّ الأعمق والأكثر أهميةً جيوسياسياً لأميركا وإسرائيل.

فبعد إفراغ الاتفاق النووي مع إيران من محتواه والتطورات العسكرية الخطيرة اللاحقة بدءاً من حرب 12 يوماً، مروراً بحرب 40 يوماً وحرب المضائق، وصولاً إلى حالة اللاحرب واللاسلم التي تعيشها المنطقة، أصبح واضحاً أنّ الأميركيين ومن ورائهم الإسرائيليين يحاولون “إنهاء” الدور الإيراني في المنطقة، وهذا ما فشل عملياً؛ وأمسى العراق هو الحلقة الأضعف بالنسبة لأميركا، والأكثر أهميةً بالنسبة لإيران بلحاظ جملة من المعطيات:

أولاً: إنّ العراق هو الجسر الحيوي للنفوذ الإيراني، فلديها حدود طويلة مع العراق، ويمثّل ممراً وتحكّماً استراتيجياً على الأرض للفصائل، وللشراكات السياسية مع كتل عراقية متعددة الانتماءات والمكونات.
ثانياً: حصر السلاح يخدم أدوات النفوذ الأميركي على إيران، إذ إنّ العراق يمثّل بوابة الأمن القومي الأخطر عليها، فعندما يُصبح العراق “بلا أسلحة” تكون النتيجة هي التالي:
– غير قادر على الدفاع عن نفسه ضد التهديدات الخارجية سواء أكانت حروباً دولية أو إقليمية.
– سيكون مضطراً للاعتماد على حماة خارجيين جُدد (ربما أمريكا نفسها، أو السعودية، أو تركيا).

ثالثاً: تقسيم العراق كهدف استراتيجي

الهدف النهائي ليس فقط إضعاف إيران، بل إعادة تقسيم الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ففي العراق ستكون الخارطة كالتالي:

– مناطق كردية تابعة فعلياً لتركيا والغرب.
– مناطق سُنّية تابعة للسعودية والخليج.
– مناطق شيعية مفككة وضعيفة (لا قادرة على الارتباط بإيران استراتيجياً) و (غير قادرة على تحديد بوصلة انتمائها جيوسياسياً).

وهذا التقسيم يحقق أهدافاً استراتيجية لأميركا وإسرائيل تتمثل بـ(إضعاف إيران من خلال قطع مناطق نفوذها الرئيسة، السيطرة الأميركية على الموارد النفطية، إعادة ترسيم حدود المنطقة بما يخدم المصالح الغربية والخليجية).

لذا فإنّ سيناريو المخطط لخارطة الطريق الأميركية ستتوزع على مراحل:

المرحلة الأولى بعد (2026): الانسحاب الظاهري

من خلال خروج القوات من معسكرات علنية وهذا حدث فعلياً، الإبقاء على قوات “استشارية” غير واضحة الملامح، وتعميق العلاقات الأمنية مع الكورد وبعض الكتل السُّنّية.

المرحلة الثانية: الفراغ السياسي والفوضى الشعبية التي تتمثّل بـ:

صراعات طائفية منظمة.
صعود عناصر إرهابية جديدة.
تفكك القوات الأمنية العراقية إلى فصائل موالية لكتل سياسية مختلفة.
ضعف الحكومة المركزية بشكل كبير، وبخاصة بعد فشل المنظومة في إيجاد حلول جذرية للمشكلات (الأمنية، الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية- الخدمية) …إلخ من حبل الغسيل الفاضح الذي نُشر عليه (الفشل- الفساد) للدولة العميقة المُتجذّرة في جسد المؤسسات.
المرحلة الثالثة: العودة المُبرّرة التي تتمثّل بـ:

– ظهور “تهديد وجودي” من خلال (تنظيم إرهابي جديد، هجمات إقليمية).
– الحكومة العراقية (الضعيفة) تطلب المساعدة الأميركية.
– عودة القوات الأميركية بموافقة رسمية- سياسية وبغطاء دولي يعتمد على (قوات عسكرية أقلّ، تدخل سياسي أكبر).

وهنا ربّما حان الوقت للتساؤل المحوري للقارئ: إذن؛ كيف يجب أن يواجه العراق هذه الفخاخ، وكيف يتحرك في هذه المعادلة المسمومة؟

أُجيب لا من منظور الوهم السياسي الذي يُسوّق إلينا من دخلاء السياسة والوطنية؛ إنّما من وحيّ التجربة والتحليل وتجميع خيوط مغزى مقالتي هذه:

أولاً: فهم اللعبة بوضوح وبخاصة؛ إنْ تفهّمت النُخب السياسية والعسكرية العراقية، أن ما يجري ليس سلسلة أحداث عشوائية، بل خطة مترابطة بدأت بـ “بروباغندا” حصر السلاح والانسحاب الأميركي، ولن تنتهي حتى بانتهاء المشروع الشيعي في المنطقة، وهذا ما قاله ترامب ونتنياهو في مناسبات عدّة.

ثانياً: رفض اللعبة بصيغتها الحالية؛ وهذا لا يعني “رفضاً لحصر السلاح” بشكل مطلق، بل من خلال نسخة وطنية من حصر السلاح تخدم مصلحة الدولة تحت سيطرة وطنية كاملة لا إملاءً أميركياً، مع ضمانات أمنية حقيقية و(ليست أميركية فقط)، تتزامن مع تعزيز بناء القدرات العسكرية للقوات العراقية وفي أولوياتها (الدفاعات الجوية، الطيران المُسيّر والمُسلّح، التسليح غير المشروط والتدريب والتأهيل البشري) متعددة المنشأ، وليس حكراً على أميركا أو من ترشحه لنا.

ثالثاً: بناء توازن داخلي قوي بدلاً من الاعتماد على قوى خارجية من خلال:

– الحفاظ على تجربة الفصائل في حربها على داعش، في حال تكرر عدوان يستهدف الداخل.
– تقوية ومأسسة القوات الأمنية بمختلف صنوفها وتشكيلاتها بشركاء متعددين مثل (روسيا، الصين، إيران)..إلخ.
– بناء علاقات متوازنة مع القوى العالمية والإقليمية من نافذة التخادم في المصالح لا من حيث (التبعية).

رابعاً: إجراءات دفاعية فورية؛ تبدأ بالاستعداد لمواجهة الفتن الطائفية المتوقعة، المراقبة الدقيقة للتمويل الخارجي للعناصر الإرهابية والمتطرفة، بناء وتفعيل القدرات الاستخبارية الوطنية التي (لا تعتمد على الأجنبي)، وتسليح استباقي- دفاعي ضد أية تهديدات.

خامساً: استراتيجية عراقية- إيرانية مدروسة تستثمر التعاون مع الجمهورية الإسلامية من حيث الدعم العسكري والاستخباري والتسليح عالي المستوى، لاسيما إنّ طهران أثبتت للعالم مدى كفاية ترسانتها العسكرية مقابل أقوى دولتين في العالم من حيث التكنولوجيا العسكرية الحديثة، فضلاً عن تعاون اقتصادي وتجاري في مجالات عدّة.

وبذا فإنّ مستخلص الحكمة يقضي بالتنبّه والاستعداد الطارئ ولستُ سوداوياً ولا متشائماً وإنما؛ أرى أنّ العراق اليوم يواجه فخاخاً استراتيجية لا تقلّ خطورة (بل قد تكون أخطر) من داعش، فالفخّ لا يأتي من جيش يغزو الأرض وحسب، بل من شريك أو صديق يبدو أنّه ينسحب لمصلحتك، لكنّها يصنع لك خنجراً يتحيّن فيه الفرصة لقتلك غدراً، والحكمة تقتضي في ما مرّ سرده؛ لا تكون في رفع اليدين استسلاماً أمام مخططات القوى الكبرى، بل في فهم اللعبة والتحرك الاستباقي الحاسم، قبل أن يأتي علينا العدو وحينها؛ ولا حينَ مندمٍ.