أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / السباق للحصول على البيانات: عولمة البيانات في ظل الصراع الرقمي

السباق للحصول على البيانات: عولمة البيانات في ظل الصراع الرقمي

تخيل أنك تلتقط صورة في مقهى صغير يُطِلُ على نهر النيل في مصر، تحتفظ بالصورة على الخادم السحابي الخاص بك وأنت تقول لنفسك “لن أشاركها مع أحد سأحتفظ بها لنفسي.” هذه الصورة الشخصية والعفوية التي احتفظت بها لنفسك، أصبحت في الواقع عالمية. حين ترفع صورتك على السحاب فأنت فعلياً ترسلها كإشارات ضوئية عبر كابلات عملاقة من الألياف الضوئية العابرة للمحيطات إلى قارة أخرى او بلد آخر لتستقر في احدى مراكز البيانات العالمية. صورتك أصبحت مُغترب رقمي ينام في خادم مادي (مركز بيانات) مبني في قارة أخرى ويخضع لقوانين حماية البيانات والمعلومات المعمول بها في البلد المتواجدة به. هذه الصورة أصبحت جزءاً من هذا العالم العابر للحدود والمحكوم بالتكنولوجيا.
تخيل معي الآن أنك تتواجد في بلد أوروبي، فرنسا مثلاً، وتتفاعل مع منصات ذكاء صناعي توليدي، على سبيل المثال، شات جي بي تي، غوغل جميني، الكسا، سيري، او اي روبوت محادثة ذكي. أنت لا تتحدث مع نفسك أو عبر جهازك فقط، بل أنت تُطلق رحلة بيانات معرفية استكشافية مذهلة عن ذاتك و أفكارك وميولك ومعتقداتك وتوجهاتك. هذه المحادثات والاستفسارات والأفكار المُتبادلة بينك وبين روبوت الدردشة كلها عابرة للحدود والقارات وتستقر في خادم مادي في بلد آخر، قد يكون ولاية أميركية أو مدينة صينية. هذه المحادثات هي البيئة الرقمية الأمثل التي يتغذى عليها الذكاء الاصطناعي ليطور نفسه.
أما الآن تخيل معي بأنك زبون مستهلك تعيش في استراليا وتشتري بضائع عبر الإنترنت، على سبيل المثال، أمازون، شي أن، تامو، أو أي شركة تجارية عالمية اخرى. حين تضغط على زر الشراء فإنك ترسل تدفقات رقمية معقدة تعبر القارات الى معالجات تقنية عالمية تقوم بمعالجة بياناتك. اولاً أنت تقوم باستدعاء خوارزميات لوجيستية في بلد ما كأمر تجهيز وشحن الشراء الذي قمت به. ثانياً، أنت تصدر أمر مالي مشّفر إلى خوادم بنكية عالمية لدفع المبلغ ثمن الشراء. ثالثاً، خوارزميات التسويق تجمع أثرك الرقمي وترسل إشارات عصبية عبر السحاب تعمل على تحليل سلوكه الشرائي والتنبؤ باحتياجات وارسال إعلانات موجّهة. رابعاً، معلوماتك الشخصية، اسمك، عنوانك، رقم تليفونك، البنك أو الشركة المالية التي تتعامل معها، الأوقات التي تكون فيها اونلاين، المشتريات التي تستهويك، كلها يتم الاحتفاظ بها ومطابقتها مع بيانات مشابهة في خادم مادي (مركز بيانات) في قارة أخرى. كل ذلك يتم في أقل من ثانية.

هذا ليس تخيلاً، هذا واقع نعيشه جميعاً
مرحبا بنا جميعاً إلى عولمة البيانات!

تُعّد عولمة البيانات، المصطلح الأكثر جاذبية للشركات الذكاء الاصطناعي، وهي من أهم المصطلحات التي تجذب انتباه الحكومات التي تسعى إلى تطوير الذكاء الاصطناعي وتعتمد عليه. يُعد هذا المصطلح الأكثر اهمية في العالم اليوم ويتم تصنيفه على لائحة الأولويات لدى أكبر الدول التكنولوجية الرقمية كالصين والولايات المتحدة. عولمة البيانات في عصر الذكاء الصناعي التوليدي هو المصدر الأساسي لتوليد وتدريب الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات حول العالم.

ما هي عولمة البيانات
لنفهم هذا المصطلح جيداً لا بد اولاً من تعريف البيانات واستخداماتها
البيانات هي المعلومات والسلوكيات والأنماط التي يجمعها الذكاء الاصطناعي عن المستخدمين.

على سبيل المثال، الأشخاص الذين يستخدمون روبوت دردشة توليدي فهم يساهمون بشكل مباشر في تقديم معلومات وبيانات مجانية للذكاء الاصطناعي. لا يخلو هاتف أو كمبيوتر محمول من تطبيقات وخصائص لمواقع افتراضية أو منصات رقمية. كلما تصفحت المواقع الإلكترونية أو كلما قمت بتفاعل مع منشور معين أو كلما قمت بشراء منتج عبر الإنترنت، فأنت تساهم في تجميع بياناتك الشخصية وتخزينها في السحاب. بالإضافة إلى البيانات الفردية، السلوكيات والتفضيلات وأوقات التصفحّ الأكثر اعتماداً، مشترياتك، دورتك الشرائية، اهتماماتك، دائرة معارفك، افكارك، هواجسك، أماكن تواجدك، وحتى حياتك الشخصية أصبحت بيانات مهمة للحكومات والشركات التجارية الكبرى حول العالم. تستفيد الشركات التجارية من هذه البيانات من خلال إعادة بيعها لأغراض التجارة والتسويق. وفي حالات كثيرة، يتم تجميعها ومشاركتها مع الحكومات وشركات الذكاء الاصطناعي لمساعدة توليد جيل جديد من الذكاء الاصطناعي.

عولمة البيانات هي عملية جمع ونقل ومعالجة وتخزين البيانات من خلال ترابط وثيق فيما بين الشركات والحكومات والمنصات الرقمية حول العالم. الشركات العالمية الكبرى مثل مايكروسوفت، ماتا، غوغل، علي بابا، تيك توك، يوتيوب، فايسبوك، وهواوي … هم من أهم المساهمين بعولمة البيانات. على سبيل المثال، تقدم مايكروسوفت خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي للعديد من الشركات والحكومات والدول حول العالم. تخزن هذه البيانات على بنية تحتية سحابية (مراكز بيانات) وفقاً لموقع الاستضافة. قد تعالج هذه البيانات في البلد المستضيف أو تنقل هذه البيانات إلى مناطق جغرافية أخرى حيث يتم معالجتها والاستفادة منها. بالإضافة إلى الخدمات السحابية، تقدم مايكروسوفت نظام التشغيل والبرمجيات ويندوز الذي ينتشر بشكل كبير على معظم الأجهزة والحواسيب الشخصية المحمولة والذي ينتشر في معظم الشركات حول العالم. أما هواوي فبالإضافة إلى تقديمها خدمات الحوسبة السحابية فهي رائدة في مجال شبكات ومعدات الاتصالات وخاصة الجيل الخامس من مزودي الخدمة. تساهم كل من الشركتين في عولمة بيانات المستخدمين ونقلها من منطقة جغرافية إلى أخرى.
مثال آخر، منصة يوتيوب وتيك توك هما من أكثر المنصات تفضيلاً لدى المستخدمين إذ لم تعد هذه المنصات قائمة من أجل الترفيه فقط بل أصبحت اقتصاد متكامل يقدم عوائد مادية لصنّاع المحتوى وحثهم على الاستمرار في ضخ وتحميل فيديوهات، صور، آراء، وتفاعلات مستمرة على مدار الساعة. هذه التفاعلات المستمرة عبر هذه المنصات ليست مجرد ترفيه آني او تواصل اجتماعي بل هي عملية مستمرة من تأمين الغذاء (سلوكيات المستخدمين) الذي تلتهمه الخوارزميات وترسله الى مراكز البيانات.

الصراع الرقمي وأهمية عولمة البيانات
تُعد عولمة البيانات من أهم المصادر الي يُعتمد عليها في تدريب وتحديث الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي. يعتمد تدريب وتأهيل عقل اصطناعي على كميات هائلة من البيانات التي يتغذى عليها ويتطور من خلالها. يقوم المطورون بتلقين الالة ملايين من الصور والمحادثات والتفاعلات والفواتير والنصوص والفيديوهات التي تصف موضوع معين. تقوم الالة بتحليل هذه المدخلات عبر أنظمة تكنولوجية متطورة مثل التعلم العميق وبرامج اللغة الطبيعية. خلال هذه العملية تقوم الالة بتحويل المدخلات إلى لغة رقمية ومصفوفات رياضية قادرة على تحليل الأنماط المتعددة وإيجاد القواسم المشتركة بين المدخلات. تتنكر هذه العملية ملايين المرات مع تدخلات خارجية من المطورين عند اللزوم لتصحيح مسار التعليم وتفادي المخرجات الخاطئة.
هذا النهم الهائل إلى البيانات يرافقه نهم سياسي مضاعف من الصين والولايات المتحدة لتأمين البيانات وضمان استمرارية عملية التعلم والتطور القائمة لإيجاد عقل صناعي مطابق للعقل البشري. تتناطح كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية في الأسواق العالمية عبر شركات كلاّ البلدين لجمع وتنقية بيانات المستخدمين حول العالم.
شركات تجارية لبيع السلع والمنتجات، شركات مصرفية عالمية، مواقع تواصل اجتماعي كتيك توك وفايس بوك ويوتيوب، مجلات رقمية عالمية، مواقع بحث، روبوتات دردشة، مواقع ألعاب افتراضية، محطات اخبار عالمية، شبكات تلفزيونية رقمية كلها أدوات صينية أميركية يتم عبرها جمع بيانات المستخدمين وترحيلها إلى خوادم عملاقة لمعالجتها وتنقيتها ومن ثم تدريب الالة عليها.
مع التزايد السريع في إنتاج البيانات، أضحى امتلاك هذا الشريان المتدفق بالغذاء المعنوي للآلة بالغ الاهمية ويتطلب حنكة وذكاء ونفوذ. المسألة لم تعد من يحصل على البيانات، المسألة أصبحت من يصل إلى البيانات أسرع ومن يحتكرها. الصراع تحول إلى صراع استحواذ عالمي أبطاله الشركات الصينية والاميركية وأدواته المستخدمين العاديين (نحن). كلما زادت البيانات والتفاعلات عبر المنصات المذكورة انفاً، كلما اقتربنا أكثر من عقل صناعي فائق الذكاء.
الحداثة المفرطة في التكنولوجيا الحالية والمفروضة على نمط حياتنا هي ليست مجانية بالمعنى التام ولكن هي تستهدف بياناتنا وسلوكياتنا وتسرق خصوصياتنا وتشاركها مع حكام البيانات المسيطرين حول العالم. ان كنت ممن يعتمد على هذه التكنولوجية بشكل مستمر فلا تستغرب ابداً بأن كميات هائلة من بياناتك وسلوكياتك وخصائصك يتم جمعها وتعليبها وإعادة بيعها في سوق البيانات مع كل ثانية تمر.
في المستقبل القريب عندما تسأل سؤال بسيط لروبوت محادثة توليدي، مثل تشات جي بي تي، تذكر دائماً بأن إجابته الصحيحة جاءت عبر شبكة عصبية رقمية بعد ملايين المحاولات والتدريبات على مدخلات أنت نفسك جزءاً منها.

نبذة تعريفية بالكاتب:
د. نسرين مستو اسعد
دكتوراه في إدارة الاعمال وباحثة متخصصة في أبحاث الحكومة الإلكترونية والملفات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي التوليدي (تطبيقات ChatGPT). يركز عملها على النوايا السلوكية لدافعي الضرائب لاستخدام الحكومة الإلكترونية، ونظام الملفات الإلكتروني، واعتماد أدوات المحادثة بالذكاء الاصطناعي عند تعبئة الملفات الضريبية. وتركز حاليًا على التقاطع بين التكنولوجيا الرقمية وتأثيرها على التفوق العالمي.