الرئيسية / أخبار / تساؤلات وجودية حول المستقبل السوري

تساؤلات وجودية حول المستقبل السوري

عبدالباسط سيدا

في لقاء من اللقاءات الدبلوماسية المكثفة التي كنا نعقدها أيام المجلس الوطني السوري بحثاً عن التأييد والدعم لقضية السوريين الذين كانوا قد ثاروا على استبداد وفساد وجرائم سلطة آل الأسد، طرح عليّ مسؤول غربي سؤالاً مباشراً، ومن دون أي مواربة أو تورية: ما هي الضمانات التي تقدمونها والإجراءات التي ستتخذونها لمنع حصول مجازر بحق العلويين إذا ما سقط حكم بشار الأسد؟ كان ذلك في صيف عام 2012، ولم نكن وحدنا في ذلك اللقاء بطبيعة الحال، بل كنا مجموعة ضمن وفد المجلس الوطني السوري، وكان هناك عدد من الشهود والدبلوماسيين.
لم يكن السؤال متوقعاً من جانبي، ولكن مع ذلك كان الجواب حاضراً في الذهن ليس من باب التسويق أو المجاملة العامة غير الملزمة، وإنما لقناعتي به؛ وهي قناعة تستمد مشروعيتها من حقيقة كون الاستقرار المجتمعي السوري حاجة سورية وطنية، لا شرطاً يفرض من الخارج. ومن دون هذا الاستقرار لا يمكن بناء دولة سورية حقيقية تكون بجميع السوريين ولجميع السوريين.
قلت للمسؤول الغربي: العلويون هم جزء أساسي من نسيجنا المجتمعي الوطني الذي نعمل للحفاظ على وحدته وتماسكه بكل الإمكانيات. وسنتخذ كل الإجراءات التي نستطيع القيام بها لمنع حدوث أي مجازر بحق العلويين وغيرهم من السوريين. ولكن ماذا تقول بشأن المجازر التي ترتكبها اليوم سلطة بشار ضد السوريين الآن؟ وكنت أقصد مجازر تلبيسة ومعرزاف وغيرها من المجازر التي كانت قد ارتكبت وترتكب في ذلك الحين. التزم الرجل الصمت المطبق، وأمعن النظر فيّ بطريقة فسرتها بأنه لم يكن ينتظر هذا الجواب الذي كان رداً واضحاً مباشراً على سؤاله المباشر.
وبعد أعوام من الثورة التي قدّم خلالها السوريون نماذج غير مسبوقة في التضحية والشجاعة والصبر، والإصرار على القطع النهائي مع سلطة آل الأسد، شاركت في لقاء مغلق جمع بين العديد من القيادات السورية المعارضة السياسية والعسكرية والنخب الفكرية والمحللين الاستراتيجيين. وكان الهدف هو مراجعة ما كان، والبحث عن المخارج لإنقاذ السوريين من براثن توحّش سلطة آل الأسد التي كانت تستغل سلبية المجتمع الدولي وعدم جديته في دعم الشعب السوري؛ هذا على الرغم من الوعود المعسولة التي كانت تُغدق علينا، ولكن من دون أي ترجمة واقعية على أرض الواقع.
ما سمعته في ذلك اللقاء من بعض المشاركين السوريين بخصوص العلويين أرعبني بكل ما تحمله كلمة الرعب من معان. وقد عبرت عن هواجسي بكل وضوح وصراحة أمام الجميع، قائلاً: أنا من معارضي سلطة آل الأسد منذ بدايات سبعينات القرن الماضي، ولكن ما أسمعه الآن يقلقني، بل يرعبني كثيراً، فما بالكم بما سيشعر به العلويون أنفسهم، والسوريون من المكونات المجتمعية الأخرى؟
وأضفت مبيناً موقفي مما سمعته من بعضهم: أنتم تصرون على وحدة سوريا أرضاً وشعباً وهذا أمر جيد نتوافق عليه تماماً. ولكن ماذا ستفعلون بالعلويين؟ كيف ستتخلصون منهم ما دمتم لا تستطيعون التعايش معهم؟ بهذه العقلية لن نتمكن من بناء سوريا التي يتطلع نحوها السوريون بكل انتماءاتهم ويضحون من أجلها.
وتابعت: سوريا اليوم هي أشبه بأسرة غاب عنها الأب الراعي لها على مدى سنين طويلة، ثم عاد ليجد أن كل أبن من أبنائه قد اتخذ طريقاً مخالفاً لطريق الآخر، ما هو الحل؟
العلاج الأفضل في مثل هذا الوضع لاستعادة وحدة الأسرة وتماسكها، وضمان مقومات استمراريتها، هو أن ينصت الأب إلى ما يقوله كل عضو من أعضائها بشأن مخاوفه ومشاعره وتطلعاته؛ ويضع نفسه في مكانه ليتمكّن من فهم واستيعاب هواجسه. هذا ما نحتاج إليه في الأسرة السورية الكبيرة. نحتاج إلى طمأنة جميع السوريين؛ حتى يشعروا بأن ما ينتظرهم هو الخلاص الذي يضمن مستقبلاً أفضل لهم ولأبنائهم وأحفادهم ومجتمعهم وبلادهم.
ما نسمعه اليوم، بعد مرور أكثر من عام ونصف على الخلاص من سلطة آل الأسد، وبعد الأحداث المؤسفة التي كانت في منطقة الساحل، عن فتاوى وحملات وممارسات تستهدف العلويين كطائفة أو جماعة وطنية سورية ككل لا يطمئن السوريين بكل انتماءاتهم المجتمعية وتوجهاتهم السياسية، ولا يؤسس لسوريا التي يستحقها السوريون بعد كل التضحيات التي قدموها؛ وهي تضحيات تستعصي على أي توصيف.
أسلوب العقوبات الجماعية أسلوب بدائي يتناقض مع المنطق، ولا ينسجم أبداً مع دولة القانون والمؤسسات العصرية ومسؤولية المواطن الفردية. وإذا ادنّا العلويين كجماعة بناء على مشاركة بعض أفرادها في جرائم سلطة آل الأسد ضد السوريين فماذا سنقول بشأن الكثير من أبناء السنة الذين كانوا على مختلف المستويات وفي سائر الميادين (السياسية والعسكرية والأمنية والدبلوماسية والتجارية والدينية وحتى العلمية الأكاديمية وغيرها) عوناً لتثبيت سلطة آل الأسد، وواجهة للتغطية على توجهاتها المعادية للسوريين بكل انتماءاتهم وتوجهاتهم؟
المكوّنات السورية جميعها من دون أي استثناء ليست متجانسة، ولا يمكن الحكم على جميع أفرادها بجريرة أفعال حفنة ارتضت أن تربط مصيرها بمصير سلطة فاسدة مستبدة لأسباب مختلفة، أو ارغمت على ذلك. والعقوبات الجماعية جائرة بطبيعتها لا تقبل بها الشرائع الدينية (وفي المقدمة منها الشريعة الإسلامية) ولا الشرائع الوضعية. كما ان استغلال الأوضاع الهشّة التي تعيشها سوريا على الصعيد المجتمعي، وعلى مستوى الدولة، ومن جهة الظروف السياسية المعقدة التي تعيشها المنطقة نتيجة تشابك المخططات والحسابات والمصالح الإقليمية والدولية؛ تمكّن أصحاب العقد المَرَضية بكل أشكالها، وأولئك الذين لا يضمرون أي خير للسوريين ووطنهم، من تمرير مكائدهم التي تؤدي في الكثير من الأحيان إلى إثارة الغرائز الجماعية، وتؤدي إلى استقطابات ما قبل وطنية، وتهدّد بتفجر مجتمعي لن يكون في صالح جميع السوريين بغضّ النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم.
المرحلة الحالية التي تمرّ بها سوريا هي مرحلة انتقالية؛ ومن أولى مهامها توفير شروط الاستقرار المجتمعي لتمهيد الطريق أمام العمران المزدهر. والاستقرار المجتمعي لا يمكن أن يكون من دون طمأنة الناس على حياتهم وأرزاقهم وكرامتهم ودورهم. فكرامة الأوطان من كرامة المواطنين، وعزتها تصان من خلال الحفاظ على عزة المواطنين. وحتى تتم العملية الانتقالية بنجاح لا بد من وجود رؤية موحدة متكاملة، وخطة واضحة تبين الخطوات التي ستكون، والسقف الزمني لكل خطوة، والآليات التي ستعتمد لبلوغ الأهداف بكل سلاسة وبما يطمئن الجميع. ولا يمكن بأي شكل من الأشكال إنجاز المهام الانتقالية بعقليات مختلفة، وإجراءات متباينة متضاربة، أو عبر التنصّل من المسؤوليات، والتذرع بالأخطاء الفردية.
كيف سنصل إلى سوريا تنسجم مع مصالح سائر السوريين، وتحقّق وحدتهم على أسس ومبادئ عادلة تحترم الخصوصيات والحقوق على مستوى الجماعات والأفراد ضمن إطار الجماعة الوطنية العامة الشاملة؟
هذا هو السؤال المحوري الحيوي الوجودي الذي يستوجب الإجابة الواضحة الصريحة، بعيداً عن المجاملات الخاوية العامة التي تقول كل شيء ولا تُلزم صاحبها بأي شيء.
هل نتجه نحو نظام سياسي يفرض الشريعة الإسلامية السنية قانوناً يسري على جميع السوريين مسلمين ومسيحيين ويهود وإزيديين بكل مذاهبهم وتوجهاتهم؟ أم نحن في طريقنا نحو نظام توجهه قوموي عروبي من دون أخذ الواقع السوري المشخص الذي يتمثل في التنوع القومي الذي يشمل العرب والكرد والسريان الآشوريين والتركمان والشركس والجاجان والأرمن؟ هذا مع أهمية الإقرار بالأغلبية العددية (التي لا تتطابق عادة مع الأغلبية السياسية) العربية السنية في سوريا؟
هل الهدف الأساس للسلطة الانتقالية الحالية هو التوجه نحو نظام حكم وطني عام جامع عادل؛ يفسح المجال أمام الجميع للمشاركة والمساءلة والمحاسبة وفق الآليات والأطر الدستورية التي يتم التوافق عليها؟
أم نحن نسير، بصرف النظر عما قيل ويُقال وأُعلن ويُعلن، نحو نظام حكم شمولي تتحكّم فيه مجموعة تحاول تفصيل الواقع السوري وفق رؤاها أو نموذجها الذي تعتقد فيه النموذج الأفضل والأصلح والأكثر قابلية لتعزيز هيمنتها عبر نظام مركزي صارم لا يستفيد من أخطاء النظام المركزي الأمني البيروقراطي الفاشل الذي فرضته سلطة آل الأسد على السوريين على مدى أكثر من نصف قرن، وهو النظام الذي اتخذ من الواجهات الديمقراطية من مجلس شعب ونقابات ومنظمات أدوات تزينية للتعمية، تغطي على تحكّم المجموعة اللامرئية في دائرة الأسد الابن والأب بمصير البلاد والعباد؟
الأمور في سوريا ما زالت في دائرة الغموض المقلق. ولكن على الرغم من كل شيء، نرى أن الوقت لم ينفد بعد ليقرّر الرئيس أحمد الشرع الانفتاح على السوريين الحريصين على مصير شعبهم وبلدهم ممن هم ليسوا بطلّاب المصالح والسلطات والامتيازات؛ ولديهم سجل حافل في العمل الوطني؛ لمناقشة كل القضايا التي تهم السوريين، والتوافق على اعتماد الوسائل التي تساعد على مدّ الجسور بين السوريين عوضاً عن بناء جدران العزل والانعزال. فهذا الانفتاح هو الحل الأفضل والإجراء الأمثل من أجل الاستعداد لمختلف التحديات التي تواجهها سوريا والمنطقة بأسرها.
خلاصة القول: الأحكام القدحية العامة التبسيطية الرغبوية المسبقة، والإدانات الجماعية، واستخدام الخطاب التجييشي غير الجامع بأشكاله وصيغه المختلفة، كل ذلك سيمهّد الطريق في أجواء القهر والعوز والاضطراب والتوجس واستعدادات المتربّصين أمام احتمالات كارثية تهدّد الاجتماع والعمران السوريين. أما الحل فهو أن نتعامل مع الواقع السوري بكل حساسياته وتعقيداته بعقل وقلب مفتوحين، لنتمكّن من تحويل ما يبدو اليوم أنه مبعث الضعف إلى مكمن القوة.
كاتب وأكاديمي سوري