الرئيسية / أخبار / المناطق التجريبية.. جنوب لبنان أمام نسخة جديدة من السيطرة الإسرائيلية

المناطق التجريبية.. جنوب لبنان أمام نسخة جديدة من السيطرة الإسرائيلية

في الاجتماع الثلاثي الرابع رفيع المستوى الذي استضافته الولايات المتحدة يومي 2 و3 يونيو/ حزيران 2026، أعلن الجانبان اللبناني والإسرائيلي، في بيان مشترك، التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإنشاء ما سُمِّي “المناطق التجريبية” بوصفها خطوة أولية ضمن مسار تفاوضي أوسع.

وربطت الصيغة المعلَنة وقف إطلاق النار بوقف عمليات حزب الله في شمال فلسطين المحتلة وإبعاد عناصره عن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، مقابل تولِّي الجيش اللبناني السيطرة الحصرية على المناطق التي تُطبَّق فيها الترتيبات الجديدة وانسحاب الجيش الإسرائيلي منها. كما اتُفق على استئناف المفاوضات السياسية والأمنية بدءًا من الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو/حزيران، بهدف التوصل إلى اتفاق أشمل ينظِّم الترتيبات الأمنية بين الطرفين.

إلا أن الإعلان ترك العديد من القضايا الجوهرية خارج إطار التفاهم المعلَن، بما في ذلك خرائط المناطق المشمولة، وآليات التنفيذ والتسليم، وإجراءات الرقابة والمتابعة، مؤجلًا حسمها إلى جولات التفاوض المقبلة في واشنطن.

ويعكس ذلك نمطًا متكررًا في إدارة الاحتلال الإسرائيلي للمسارات التفاوضية، يقوم على تحويل الاتفاقات المرحلية إلى أدوات لإعادة هندسة الوقائع الميدانية وفرض شروط جديدة على الأطراف المقابلة، مع الإبقاء على القضايا الأساسية معلَّقة، بما يتيح توسيع هامش المناورة السياسية والأمنية دون تقديم التزامات واضحة تضمن الانسحاب أو احترام السيادة.

ما “المناطق التجريبية”؟

تقوم فكرة “المناطق التجريبية” على إنشاء نطاقات محدَدة في جنوبي لبنان تُخلَى من أي وجود “مسلح خارج إطار الدولة”، وفي مقدمة ذلك حزب الله، لتصبح تحت السيطرة الحصرية للجيش اللبناني مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي منها. ووفق نص الإعلان المشترك، اتفق الطرفان على إنشاء “مناطق تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد كافة الجهات الفاعلة غير الحكومية منها”.

ولا تمثل هذه المناطق تسوية مكتملة بمقدار كونها آلية تنفيذ تدريجية تراهن عليها واشنطن لتحويل تفاهمات وقف إطلاق النار إلى وقائع ميدانية، عبر اختبار قدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته على مناطق محددة تمهيدًا لتوسيع التجربة إلى نطاقات أوسع.

غير أن أولى الإشكاليات ترتبط بالجغرافيا نفسها، إذ لا يوجد حتى الآن توافق واضح حول المناطق التي ستُطبق فيها المرحلة الأولى، فقد تحدث الرئيس اللبناني جوزيف عون عن مقترح يشمل زوطر الشرقية ويحمر ومحيط قلعة الشقيف شمال الليطاني، في حين تميل الصيغة الأمريكية إلى التركيز على قطاعات جنوب النهر.

ولا يقتصر الخلاف على تحديد مواقع جغرافية، إذ يرتبط بأهمية هذه المناطق نفسها. فهذه النقاط تشرف على مجرى الليطاني وعلى بلدات في شمال فلسطين المحتلة، وتؤثر على حركة التنقل وخطوط الإمداد والانتشار، كما أنها كانت من أبرز ساحات الاشتباك في خلال المواجهات الأخيرة بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي، ولا سيما في محيط قلعة الشقيف. وبذلك تبدأ “التجربة” من مناطق ذات قيمة عسكرية وأمنية مرتفعة، لا من أطراف هامشية يمكن عزل تداعياتها.

Lebanon
صورة تظهر تصاعد الدخان من محيط قلعة الشقيف بعد تعرضها لضربات، كما بدا من بلدة مرجعيون جنوبي لبنان- رويترز

وتستحضر بعض الأوساط اللبنانية تجربة “الخط الأزرق” بوصفها نموذجًا سابقًا للتدرج في تنفيذ التفاهمات على الأرض، غير أن المقارنة بين الحالتين تكشف اختلافًا جوهريًّا في الوظيفة والغاية. فالخط الأزرق رُسم بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 بهدف التحقق من الانسحاب وتثبيت حدوده الميدانية وفق القرار 425، ثم وُضعت لاحقًا العلامات الميدانية عليه بالتنسيق بين لبنان والأمم المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.

وأما في حالة “المناطق التجريبية”، فإن علاقة التدرج بالانسحاب شرطية، ففي حين كان الانسحاب الإسرائيلي نقطة البداية في تجربة الخط الأزرق، يتحول في التجربة الجديدة إلى نتيجة مؤجلة ومشروطة بنجاح ترتيبات أمنية داخلية تشمل انتشار الجيش اللبناني وإبعاد حزب الله عن مناطق محدَّدة.

وبناءً عليه، يعكس المسار المقترَح انقلابًا في منطق الترتيبات نفسها، إذ يُطلب من الدولة اللبنانية تنفيذ التزامات أمنية وسيادية مسبقة، بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي رهينة التقييم السياسي والأمني لمسار “التجربة”.

ويزداد الفارق وضوحًا عند النظر إلى طبيعة المهمة ذاتها، فالخط الأزرق كان إجراءً تقنيًّا يستند إلى مرجعيات حدودية وقانونية معروفة، وأما “المناطق التجريبية” فتمثل مهمة سياسية وأمنية معقدة تتعلق بإعادة تنظيم موازين القوة داخل الجنوب اللبناني وإدارة العلاقة بين الدولة وحزب الله.

ومن هذا الموضع تنبع الانتقادات الموجَّهة للمشروع، سواء بسبب الغموض الذي يحيط بحدوده وآليات تنفيذه، أو نتيجة المخاوف من أن يتحول إلى أداة لفصل ملف المقاومة عن ملف الاحتلال، وإلقاء أعباء الترتيبات الأمنية على الدولة اللبنانية قبل تقديم أية ضمانات واضحة بشأن الانسحاب الإسرائيلي أو إنهاء أسباب التوتر الأساسية على الحدود.

النموذج في مرآة غزة

تتضح الدلالة الأعمق لمفهوم “المناطق التجريبية” عند قراءته ضمن أفكار طُرحت لأنماط الإدارة الميدانية التي اعتمدها الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة على قطاع غزة. ففي خلال الحرب، برزت سلسلة مفاهيم ومسميات بدت في ظاهرها إنسانية أو إجرائية، لكنها أدت عمليًّا وظيفة واحدة تتمثل بإعادة هندسة الجغرافيا وإنتاج أنماط جديدة من السيطرة.

في هذا السياق، طُرحت ما عُرفت بـ”خطة الفقاعات“، التي استندت إلى مقاربات إسرائيلية تدعو إلى تجنب الإدارة المباشرة للقطاع لصالح ترتيبات غير مباشرة تقوم على إنشاء مناطق مخصصة لتوزيع المساعدات وإدارة السكان بإشراف جهات دولية ومحلية. ثم تطور هذا المسار إلى مشاريع أكثر وضوحًا، منها “المدينة الإنسانية” في رفح، التي تقوم فكرتها على تجميع مئات آلاف الفلسطينيين في مساحة محددة وخاضعة للرقابة (سجن كبير)، بالتوازي مع إعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية للقطاع عبر شبكة من الممرات والمحاور العسكرية، مثل ممر موراغ وغيره من الممرات التي استخدمت لتقطيع القطاع وعزل مناطقه عن بعضها البعض.

وعلى الرغم من اختلاف السياق بين غزة ولبنان، فإن ما يجمع بين الحالتين لا يتعلق بطبيعة الملف بمقدار كونه يتعلق بمنهج إدارة الصراع نفسه؛ ففي كلتا الحالتين تُفكَّك القضايا الكبرى إلى خطوات مرحلية ومناطق محدودة تُقدَّم على أنها إجراءات مؤقتة أو اختبارية، بينما تُرحَّل القضايا الجوهرية إلى مراحل لاحقة مفتوحة على إعادة التفاوض. وهو ما يحوِّل “التجريب” من أداة انتقالية نحو التسوية إلى إطار دائم لإدارة الأزمة، بما يمنح الاحتلال هامشًا واسعًا للمناورة وإعادة تعريف الالتزامات وفق موازين القوة والظروف الميدانية.

Israeli military vehicles drive through the Philadelphi Corridor area in southern Gaza, amid the ongoing conflict between Israel and the Palestinian Islamist group Hamas in the Gaza Strip, September 13, 2024. REUTERS/Amir Cohen EDITOR'S NOTE: REUTERS PHOTOGRAPHS WERE REVIEWED BY THE IDF AS PART OF THE CONDITIONS OF THE EMBED. NO PHOTOS WERE REMOVED. TPX IMAGES OF THE DAY
مركبات عسكرية إسرائيلية تسير عبر منطقة محور فيلادلفيا في جنوب غزة (رويترز)

شبح الشريط الجنوبي

إذا كانت غزة تقدم نموذجًا لفهم منهج إدارة الصراع الإسرائيلي، فإن تجربة “الشريط الأمني” في جنوبي لبنان تمثل سابقة تاريخية أكثر التصاقًا بالسياق اللبناني نفسه، فبعد اجتياح عام 1978، انسحب الاحتلال الإسرائيلي جزئيًّا تحت ضغط دولي، لكنه حافظ على نفوذه عبر دعم ميليشيا محلية بقيادة الرائد سعد حداد، تحولت لاحقًا إلى ما عُرف بـ”جيش لبنان الجنوبي” بقيادة أنطوان لحد. ومع اجتياح عام 1982 تبلورت ما سُميت “المنطقة الأمنية” التي استمرت حتى الانسحاب الإسرائيلي من جنوبي لبنان عام 2000 وانهيار البنية العسكرية المرتبطة بها.

وقد قامت تلك التجربة على فكرة بسيطة: تأمين شريط حدودي عازل يخضع لرقابة وإدارة قوة محلية متحالفة مع الاحتلال، بما يوفر لـ”إسرائيل” عمقًا أمنيًّا وإشرافًا ميدانيًّا دون تحمل أعباء الاحتلال المباشر أو كلفته السياسية والعسكرية الكاملة، وقد كان الهدف إنتاج بيئة أمنية تحول دون تشكل تهديدات عسكرية على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.

ومن هنا تنبع المخاوف التي أثارتها فكرة “المناطق التجريبية” في الأوساط اللبنانية؛ فالمشروع الجديد لا يعيد إنتاج الشريط الأمني بصيغته القديمة، ولا يقوم على إنشاء قوة محلية بديلة أو حليفة للاحتلال، إلا أن التشابه يكمن في الوظيفة الأمنية التي يسعى إلى تحقيقها؛ أي إنشاء مناطق خاضعة لترتيبات خاصة تُستبعد منها قوى المقاومة، وتتركز في مواقع ذات أهمية عملياتية تشرف على خطوط الحركة والإمداد والمرتفعات الحاكمة في الجنوب.

ويكتسب هذا القلق أهمية إضافية في ضوء النقاشات الإسرائيلية المتزايدة حول مستقبل جنوبي لبنان وإمكانية تدويل السيطرة عليه، فقد تناولت دراسات إسرائيلية، ولا سيما الصادرة عن مراكز بحثية معنية بالأمن القومي، تصورات مختلفة لكيفية ضمان إبعاد حزب الله عن الحدود وإدامة ترتيبات نزع السلاح جنوب الليطاني، بما في ذلك توسيع أدوار “مجلس السلام” للإشراف على تنفيذ التفاهمات الأمنية ومراقبتها واستنساخ تجربة قطاع غزة.

ومن هذا المنظور، تنبع حساسية “المناطق التجريبية” من احتمال تحولها إلى نواة لترتيبات أمنية دائمة تتجاوز كونها إجراءً مرحليًّا مرتبطًا بوقف إطلاق النار. فالتجربة اللبنانية تحمل ذاكرة تاريخية حاضرة حول الكيفية التي بدأت بها المنطقة الأمنية كتدبير مؤقت وانتهت إلى واقع استمر أكثر من عقدين، ولهذا يُنظر إلى أية ترتيبات أمنية مجزأة أو مفتوحة زمنيًّا في الجنوب اللبناني بوصفها مشروعًا قابلًا للتوسع والتكريس أكثر من كونها خطوة انتقالية محددة الأهداف والسقف الزمني.

ما الذي تريده “إسرائيل” من “المنطقة الأمنية”؟

منذ بداية التصعيد على الجبهة اللبنانية، دأبت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية على طرح فكرة “المنطقة الأمنية” بوصفها أحد الأهداف المركزية للحرب، فقد أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس مرارًا أن الجيش الإسرائيلي سيحتفظ بمنطقة أمنية داخل جنوبي لبنان حتى إزالة ما يصفه بتهديد حزب الله، ولو تطلب ذلك بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية لفترة غير محددة.

ولم يتغير هذا الخطاب مع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو/ حزيران 2026، إذ أكد كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته العسكرية وسيحافظ على وجوده داخل المنطقة الأمنية، مع منع عودة السكان إلى بعض المناطق التي يعدُّها ضرورية للمتطلبات الأمنية الإسرائيلية.

وتشير الوقائع الميدانية إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على الخطاب السياسي، فمع انتهاء مهلة الانسحاب المنصوص عليها في تفاهمات نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، انسحب الجيش الإسرائيلي من معظم القرى الحدودية، لكنه أبقى قواته في خمس نقاط استراتيجية تطل على مناطق واسعة من شمال فلسطين المحتلة. وبذلك كُرِّس عمليًّا نموذج يقوم على الانسحاب الجزئي مع الاحتفاظ بمواقع حاكمة توفر الرقابة والإنذار المبكر وحرية التدخل عند الحاجة.

تُشكل “المناطق التجريبية”، من هذه الزاوية، جزءًا من مقاربة أوسع تسعى “إسرائيل” من خلالها إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها، فبدل الاكتفاء بخطوط الحدود الدولية، تتجه العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي برزت بقوة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 نحو إنشاء أحزمة أمنية متعددة الطبقات تمتد إلى ما وراء الحدود، سواء في غزة أو جنوبي لبنان أو جنوبي سوريا، بما يتيح نقل خطوط المواجهة بعيدًا عن العمق الإسرائيلي وتوفير مساحات أوسع للمراقبة والتدخل العسكري.

غير أن الاعتبارات الأمنية وحدها لا تكفي لتفسير هذا التوجه، فصعود اليمين الإسرائيلي والائتلاف الحكومي بقيادة بنيامين نتنياهو وعضوية إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش أضفى على مفهوم “المناطق الأمنية” أبعادًا سياسية وأيديولوجية تتجاوز مقتضيات الأمن المباشر. إذ تنظر قطاعات واسعة داخل اليمين الإسرائيلي إلى السيطرة على الأرض على أنها قيمة استراتيجية بحد ذاتها، وتتعامل مع الأحزمة الأمنية والمناطق العازلة كأرضية لأطماع الاستيطان وأدوات لترسيخ وقائع جغرافية جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

ولذلك، لا يتعلق النقاش حول “المنطقة الأمنية” فقط بترتيبات عسكرية مؤقتة أو إجراءات احترازية مرتبطة بالحرب الحالية، إذ يرتبط أيضًا بكيفية توظيف هذه الترتيبات في إعادة رسم موازين السيطرة والنفوذ على الحدود وحلم “إسرائيل الكبرى“. فقد أظهرت التجارب السابقة أن المناطق التي تُنشأ تحت عنوان أمني مؤقت قد تتحول مع الوقت إلى وقائع سياسية طويلة الأمد، خصوصًا عندما لا تكون مقيَّدة بجدول زمني واضح أو بضمانات ملزمة للانسحاب الكامل.

نتنياهو صورة من حسابه على X
مشروع نتنياهو التوراتي: إسرائيل الكبرى على أراضي 8 دول عربية- منصة إكس

تجربة نحو الحل أم آلية لتأجيله؟

عند جمع عناصر الصورة كافة، من نمط إدارة التسويات الذي برز في غزة، إلى الذاكرة اللبنانية المرتبطة بالشريط الأمني، مرورًا بالتصريحات الإسرائيلية المتكررة حول “المنطقة الأمنية”، وبنية الاتفاق القائمة على التدرج المرحلي وغياب الجداول الزمنية الملزمة، يبرز احتمال قوي بأن تكون “المناطق التجريبية” جزءًا من مقاربة تهدف إلى إدارة الصراع أكثر من حله.

فالمسار المطروح يؤجِّل القضايا الجوهرية إلى مراحل لاحقة، ويترك الخرائط وآليات التنفيذ ومعايير التقييم خارج الإطار الملزم للاتفاق، ويحوِّل العملية برمَّتها إلى سلسلة خطوات مشروطة، ليصبح الانتقال من مرحلة إلى أخرى رهينة لتقديرات سياسية وأمنية قابلة لإعادة التفسير والتعديل بصورة مستمرة.

وتعزِّز التصريحاتُ الإسرائيليةُ هذا الانطباع، إذ يترافق مع تأكيدات متكررة حول استمرار حرية الحركة العسكرية والحفاظ على متطلبات الأمن الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. كما أن التباين الظاهر بين الرغبة الأمريكية في تثبيت التهدئة وبين توجهات داخل الحكومة الإسرائيلية تميل إلى إبقاء خيار التصعيد مفتوحًا، يضيف مزيدًا من الغموض إلى مستقبل هذا المسار.

وعليه، فالإشكالية الأساسية في “المناطق التجريبية” أنها مصممة لاختبار مدى استعداد لبنان للانخراط في عملية تفاوضية طويلة ومجزأة لا تملك حتى الآن نقطة نهاية واضحة. فكلما نُفِّذت خطوة جديدة برزت شروط إضافية وخريطة جديدة ومرحلة أخرى تحتاج إلى التفاوض.

ومن وجهة النظر هذه، تمثل “المناطق التجريبية” إطارًا لإعادة هندسة الصراع وضبطه ضمن ترتيبات أمنية متدرجة، لا خطوةً تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة. وبينما تُدار المفاوضات حول التفاصيل والإجراءات، يبقى جوهر القضية معلَّقًا باحتفاظ الاحتلال بحرِّية الحركة والنفوذ الميداني، فيما يتحول الانسحاب الكامل وإنهاء أسباب الصراع إلى أهداف مؤجَّلة باستمرار تحت عنوان “استكمال التجربة” أو “نجاح المرحلة التالية”.