الرئيسية / أخبار / المكاحله: الهدن ليست سلاماً: لماذا يعيش الشرق الأوسط في حالة “لا حرب ولا سلام”؟

المكاحله: الهدن ليست سلاماً: لماذا يعيش الشرق الأوسط في حالة “لا حرب ولا سلام”؟

د. شهاب المكاحله

تتصدر عناوين الأخبار اتفاقات وقف إطلاق النار في غزة، والهدنة الهشة على الجبهة اللبنانية، والتفاهمات غير المعلنة التي تكبح الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة مع إيران. يتنفس السياسيون الصعداء، وتتحدث الشاشات عن “خفض التصعيد”، ويُخيّل للبعض أن المنطقة تقترب من نهاية مرحلة دامية. لكن الحقيقة أكثر قسوة بكثير: ما نشهده ليس نهاية للحروب، بل تجميد للصراع وترحيله الى مرحلة لاحقة بعد مرحلة من جس النبض من جميع الاطراق المتحاربة تضمنت عملية إدارة الصراع.

فالفرق بين وقف إطلاق النار والسلام ليس فرقاً لغوياً أو تقنياً، بل فرق بين معالجة الأعراض وعلاج المرض نفسه. الهدنة توقف النزيف، لكنها لا تشفي الجراح. أما السلام الحقيقي فيتطلب تسويات سياسية تعالج الأسباب التي أشعلت الحروب منذ البداية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن في أي من بؤر الصراع الرئيسية في الشرق الأوسط.

في غزة، قد تصمت المدافع مؤقتاً، لكن الأسئلة الكبرى ما زالت معلقة. من سيحكم القطاع؟ كيف ستتم إعادة الإعمار؟ ما مصير الأسرى والرهائن؟ وما هو الأفق السياسي للفلسطينيين بعد كل هذا الدمار؟ إسرائيل لم تتمكن من القضاء على حماس، وحماس لم تستسلم ولم تتخلَّ عن خيار المقاومة المسلحة. ما حدث ببساطة أن الطرفين وصلا إلى حدود القدرة على الاستمرار في القتال، لا إلى حدود التفاهم السياسي.

وفي لبنان، لا يزال شبح الحرب يحوم فوق الحدود الجنوبية. الصواريخ قد تتوقف، لكن أسباب الصراع لم تختفِ. الحدود لم تُحسم، ومعادلات الردع لم تستقر، والدولة اللبنانية ما زالت غارقة في أزماتها المالية والسياسية. ما يجري هناك ليس سلاماً، بل تجميد مؤقت لجبهة قابلة للاشتعال في أي لحظة.

أما في المواجهة الأوسع مع إيران، فالصورة أكثر تعقيداً. فالعقوبات لا تزال قائمة، والبرنامج النووي مستمر، وشبكات النفوذ الإقليمي لم تتغير، والمفاوضات تُدار عبر وسطاء لا عبر اتفاقات شاملة. لا واشنطن تخلّت عن سياسة الاحتواء، ولا طهران تخلّت عن مشروعها الاستراتيجي. كل ما في الأمر أن الجميع يحاول تجنب الانفجار الكبير.

    السؤال الأهم هو: لماذا تتجه المنطقة نحو الهدن وليس نحو السلام؟

الجواب بسيط ومؤلم في آن واحد. لأن جميع الأطراف اكتشفت أن النصر الكامل مستحيل، لكن الهزيمة غير مقبولة. إسرائيل دفعت أثماناً بشرية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة منذ عقود. الفلسطينيون دفعوا ثمناً كارثياً في الأرواح والبنية التحتية. حزب الله يدرك أن حرباً شاملة قد تدمر لبنان بالكامل. وإيران، رغم خطابها الصلب، تعرف أن مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو حرباً إقليمية مفتوحة قد تهدد استقرارها الداخلي ومكتسباتها الاستراتيجية.

لقد وصل الجميع إلى القناعة ذاتها: لا أحد قادر على الحسم، ولا أحد مستعد للاستسلام. لذلك أصبحت إدارة الصراع بديلاً عن حله، وأصبحت الهدنة بديلاً عن السلام.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالهدن الطويلة قد تتحول إلى فخ سياسي واستراتيجي. عندما يتوقف القتال من دون معالجة أسبابه، تبقى جذور الأزمة حية تحت الرماد. حادثة أمنية واحدة، اغتيال سياسي، صاروخ طائش، أو عملية عسكرية محدودة، قد تكون كافية لإشعال حرب جديدة خلال ساعات. لقد شاهدنا هذا المشهد مراراً في غزة ولبنان والعراق وسوريا واليمن.

لكن إذا كانت الهدن ليست حلاً، فما الذي نحتاجه للوصول إلى تسويات حقيقية؟

أولاً، الاعتراف المتبادل بالمصالح الأمنية. لا يمكن بناء استقرار دائم بينما يعيش كل طرف على هاجس إلغاء الطرف الآخر أو تهديد وجوده. الأمن لا يُبنى بالخوف المتبادل، بل بإدارة المخاوف المتبادلة.

ثانياً، الانتقال من عقلية الغلبة إلى عقلية التوازن. تاريخ الشرق الأوسط مليء بالحروب، لكنه يكاد يخلو من حالات استطاع فيها طرف أن يمحو خصمه من المعادلة. الجميع جرب منطق الحسم العسكري، والجميع اكتشف حدوده.

ثالثاً، بناء منظومة أمن إقليمي حقيقية. فالشرق الأوسط ما زال يفتقر إلى إطار جماعي يشبه ما بنته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. لا يمكن تحقيق استقرار مستدام بينما تُدار المنطقة عبر محاور متصارعة وتحالفات مؤقتة.

رابعاً، معالجة الأزمة الاقتصادية والتنموية التي تغذي عدم الاستقرار. البطالة، والفساد، وانعدام الأفق لدى ملايين الشباب العرب والإيرانيين، ليست مجرد مشاكل اجتماعية، بل عوامل استراتيجية تساهم في إنتاج دورات متجددة من العنف والتطرف.

خامساً، توافر إرادة دولية حقيقية لإنهاء الصراعات لا لإدارتها. فالقوى الكبرى كثيراً ما تعاملت مع أزمات الشرق الأوسط باعتبارها أدوات نفوذ ومساومات جيوسياسية، لا ملفات تستحق حلولاً جذرية.

ورغم كل هذا التشاؤم، فإن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: الجغرافيا أقوى من السياسة. الحكومات تتغير، والتحالفات تتبدل، والقوى الدولية تأتي وتذهب، لكن الجيران يبقون جيراناً. إيران ستظل على الضفة المقابلة للخليج. إسرائيل ستبقى جزءاً من معادلة شرق المتوسط. والدول العربية ستظل محاطة بالتحديات نفسها مهما تغيرت التحالفات.

ولهذا السبب تحديداً نشهد اليوم عودة الحوار بين خصوم الأمس. ليس لأن الثقة عادت، بل لأن كلفة العداء أصبحت أعلى من قدرة الجميع على تحملها. السعودية وإيران أعادتا العلاقات لأن الحروب بالوكالة استنزفت الطرفين. تركيا ومصر أعادتا فتح قنوات التواصل لأن الصراع لم يعد مجدياً. وحتى أكثر الخصوم عداءً باتوا يدركون أن الاستقرار أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية قبل أن يكون خياراً سياسياً.

الخلاصة أن الهدن ليست سلاماً، لكنها ليست بلا قيمة أيضاً. إنها فرصة. فرصة لالتقاط الأنفاس، وتخفيف المعاناة، وفتح نافذة صغيرة أمام الدبلوماسية. الخطأ يكمن في الاحتفال بها وكأنها انتصار نهائي، بينما الحكمة تقتضي استثمارها لبناء تسويات أعمق.

فالبديل عن السلام التدريجي والناقص ليس نصراً مجيداً كما يتخيل البعض، بل حرباً لا تنتهي. حرباً تتكرر بأسماء مختلفة، وجبهات مختلفة، وضحايا جدد في كل مرة.

بعد غزة، وبعد لبنان، وبعد سنوات الفوضى التي اجتاحت المنطقة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ربما بدأ الجميع يدرك الحقيقة الأكثر بساطة والأكثر إلحاحاً: لا أحد يستطيع أن ينتصر وحده، لكن الجميع قادرون على أن يخسروا معاً.

ولهذا، فإن الهدن ليست الجواب النهائي، لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة قبل أن تعود المنطقة إلى دورة جديدة من النار والدمار.