الرئيسية / أخبار / سبعة أوهام استراتيجية في حرب إيران: السلطة، الإدراك، وانهيار التفسير

سبعة أوهام استراتيجية في حرب إيران: السلطة، الإدراك، وانهيار التفسير

د. شهاب المكاحله

ليست كل الحروب مجرد وقائع عسكرية تُسجَّل في دفاتر التاريخ؛ بعضها لحظات كاشفة، تُعرّي ليس فقط حدود القوة، بل حدود الفهم ذاته. والحرب الأخيرة مع إيران تنتمي إلى هذه الفئة النادرة: لم تكن مواجهة عسكرية فحسب، بل زلزالًا معرفيًا ضرب صميم التفكير الاستراتيجي الغربي.
إن استمرار عجز كثير من المراقبين—يميناً ويساراً—عن قراءة سلوك دونالد ترامب لا يعكس اختلافاً في التقدير، بل يكشف عن جمود ذهني عميق. فالمفردات التي استُخدمت—الاندفاع، اللاعقلانية، وحتى التوصيفات النفسية الكاريكاتورية—لم تكن أدوات تحليل، بل أدوات هروب من مسؤولية التحليل.

لقد خالفت هذه الحرب كل التوقعات. لم يتحقق الانهيار الشامل، ولم تنفجر المنطقة في فوضى لا يمكن احتواؤها. وبدلاً من ذلك، برزت حقيقة أكثر إزعاجًا: أن الأطر التي اعتمدت عليها النخب الغربية لفهم الردع والقوة ونوايا الخصوم قد أصبحت متقادمة، وربما عاجزة.

ما يلي ليس مجرد تفنيد لأخطاء التقدير، بل تفكيك عميق للأوهام التي أنتجتها.

أولاً: وهم حرية القرار الاستراتيجي

الحديث عن هذه الحرب كخيار طوعي هو في حد ذاته سوء فهم لطبيعتها. فالحروب الاختيارية تفترض وجود بدائل، بينما هذه الحرب نشأت من تآكل تلك البدائل تدريجياً.
لقد تلاقت ديناميكيتان حاسمتان: تسارع القدرات العسكرية الإيرانية، وتضاؤل نافذة التدخل الفعّال. ما بدا كخيار كان في الحقيقة ضرورة مؤجلة.
إن “الخط الأحمر” المتعلق بالسلاح النووي لم يكن شعاراً سياسياً، بل تعبيراً عن نقطة حرجة: اللحظة التي تتحول فيها الدولة إلى كيان محصّن استراتيجياً، خارج نطاق الردع التقليدي. عندها، لا تعود الدبلوماسية تفاوض—بل تُصادق على واقع مفروض.

ثانياً: سراب التهدئة الدبلوماسية

الاعتقاد بأن الدبلوماسية قد روّضت إيران يعكس خلطاً خطيراً بين الامتثال الإجرائي والتحول الاستراتيجي.
فما جرى تحت السطح كان عكس ذلك تماماً: تراكم منهجي للقدرات.
الانفراج الاقتصادي تحوّل إلى استثمار عسكري، والقيود التقنية جرى الالتفاف عليها، والشبكات الوكيلة توسعت.
ما بدا تهدئة لم يكن سوى إعادة تموضع زمني—هدنة تكتيكية لتعظيم النفوذ.

الاستقرار الذي رآه البعض لم يكن توازناً… بل كموناً (في حالة كمون وسبات).

ثالثاً: خرافة الانسحاب ما بعد الحرب

الادعاء بأن الولايات المتحدة خرجت من حروب الشرق الأوسط يكشف هشاشة اللغة الاستراتيجية الحديثة. فالحرب اليوم لا تُعلن، ولا تُخاض بشكل متماثل. إنها تنتشر عبر الوكلاء، والهجمات السيبرانية، والضربات المحدودة، والاختناقات البحرية. من منظور طهران، لم تغب الولايات المتحدة يوماً؛ بل كانت هدفاً لضغط مستمر دون عتبة الحرب الشاملة.

تسمية هذا الواقع “سلاماً” ليست توصيفاً… بل إعادة تسمية للصراع.

رابعاً: وهم التحول عبر التفاوض

حين تنفصل الدبلوماسية عن البنية الصلبة للقوة، تتحول إلى إدارة للوهم.
أي اتفاق لا يمس جوهر القوة—الصناعية، العلمية، والعقائدية—لا يمكن أن يُحدث تحولًا حقيقيًا.
لقد أظهرت إيران وعيًا عميقاً بقابلية الالتزامات للتراجع: نسب التخصيب يمكن تعديلها، المخزونات يمكن إعادة تشكيلها، والتعهدات يمكن إعادة تفسيرها.
لكن ما لم يُمس هو البنية التحتية للقوة.

ما قُدّم كحل… كان في الحقيقة إدارة للزمن.

خامساً: سردية الاستدراج الخارجي

القول إن الولايات المتحدة انجرت إلى الحرب بفعل أطراف أخرى يعكس فهماً قديماً لتحالفات لم تعد تُدار بالإملاء. إن التقاطع بين واشنطن وتل أبيب لم يكن مفروضاً، بل نشأ من إدراك مشترك للتهديد. فالخطر الصاروخي الذي يهدد إسرائيل يهدد أيضاً المصالح الأمريكية، واضطراب الملاحة لا يبقى محلياً، بل يمتد إلى أسواق الطاقة العالمية.

إنه ليس تحالف إكراه… بل تزامن ضرورة.

سادساً: مغالطة الفصل الاستراتيجي

الاعتقاد بأن الانخراط مع إيران يُضعف التركيز على الصين يقوم على تبسيط جغرافي لم يعد قائماً. فالعالم اليوم شبكة مترابطة من الطاقة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية. وموقع إيران في مضيق هرمز يجعلها لاعبًا محوريًا في استقرار الاقتصاد الآسيوي بقدر الشرق الأوسط، فيما يعكس دعم الصين لطهران نمطًا من التلاقي غير المباشر للمصالح.

الانسحاب من ساحة لا يعني التركيز على أخرى… بل خسارة الاثنين.

سابعاً: اختزال الاستراتيجية في الشخصية

أخطر الاختزالات هو تفسير السياسة عبر نفسية القادة. فحين تُفسَّر القرارات بالطباع، يُعفى التحليل من مواجهة المنطق البنيوي.
لقد حققت العمليات العسكرية أهدافاً واضحة: تعطيل البرنامج النووي، تقليص القدرات الصاروخية، وإضعاف الشبكات الوكيلة.
عدم تحقيق القضاء الكامل ليس فشلاً—بل تعبير عن واقعية استراتيجية.

إن تصوير قادة مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو كحالات نفسية شاذة ليس تحليلاً، بل خطاباً يُحوّل الخلاف إلى إدانة أخلاقية، ويُغني عن مواجهة النتائج.

بقاء الأوهام وسقوط النماذج

الحروب لا تختبر الجيوش فقط… بل تختبر العقول التي تفسرها.
وقد كشفت حرب إيران عن فجوة عميقة بين الواقع وأدوات فهمه—فجوة لا تعود إلى نقص المعلومات، بل إلى تصلّب الافتراضات.

المشكلة لم تعد في سوء القراءة… بل في الإصرار على القراءة بأدوات عفا عليها الزمن.
وإذا لم تتجدد النماذج التحليلية وفق الواقع، فإن الخطأ لن يبقى عرضياً—بل سيتحول إلى نمط ممنهج.

أما التاريخ… فلا يكترث بالسرديات التي نصوغها للهروب منه.