الرئيسية / أخبار / الحرب على إيران: من إسقاط النظام إلى فوضى الملاحة العالمية

الحرب على إيران: من إسقاط النظام إلى فوضى الملاحة العالمية

ابراهيم نوار

يكشف مسار الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران منذ نهاية فبراير الماضي، حالة من العبث غير المسؤول في العلاقات الدولية والإقليمية بواسطة الدولتين المعتديتين، حيث أصبحت الحرب هدفا مستقلا تسعيان لتحقيقه والاستمرار فيه، وصياغة خطاب سياسي خبيث لتبريره، ويتضح من تطورات صيغة هذا الخطاب، أن الحرب بدأت لغرض إسقاط النظام وتجريده من عناصر قوته الثلاثة:
أولا، مستوى القدرات النووية التي حققها.
ثانيا، البرنامج الصاروخي الذي يتكامل مع البرنامج النووي بتوفير وسيلة إرسال لضرب أهداف في أراضي وأجواء ومياه الخصم.
ثالثا، منظومة التحالف الإقليمي التي أقامتها إيران على مدى العقود الماضية في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
والهدف الأخير أعاد نتنياهو في بداية الأسبوع الحالي التأكيد عليه، من خلال كلمة وجهها للإسرائيليين والعالم أرفقها بخريطة تبين خمسة أهداف باللون الأحمر هي إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن. كلمة نتنياهو يوم السبت الماضي (11 أبريل الحالي) تكشف بوضوح أن الحرب على إيران في يونيو من العام الماضي، فشلت في تحقيق أهدافها، كما فشلت بشكل عام ما سمته إسرائيل «حرب الجبهات السبع»، رغم كمية الدمار التي أحدثتها في غزة والضفة الغربية والجبهات الخمس الأخرى، التي وردت في كلمة نتنياهو. وعلينا أن نلاحظ بدقة دلالات ما أطلقه نتنياهو على إسرائيل بوصفها «قوة عظمى عالميا». هذا الوصف يحتاج من كل دولة مجاورة أن تدرسه، وأن تدقق في تداعياته، لأنه ليس مجرد وصف بلاغي أو إنشائي.
في الوصلة الأولى من الحرب الحالية لم يسقط النظام ولم يهب الإيرانيون عن بكرة أبيهم استجابة للنداءات المتكررة التي أطلقها نتنياهو وترامب للثورة. وعلق نتنياهو على ذلك يائسا بما يعني أنه مهد الطريق للثورة لكن الإيرانيين لا يريدون السير فيه. ويبدو أن اختيار مستشاره العسكري رئيسا جديدا لجهاز المخابرات «الموساد» يحمل في طياته رغبة في مواصلة الطريق إلى تحفيز محركات تغيير النظام في إيران. وكان مئير بن شبات رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، قد انتقد في مقال له الشهر الماضي إعلان هدف تغيير النظام في إيران، من دون الإعداد له وتوفير محركاته والوقود اللازم لتشغيله أولا. أما الأهداف الأخرى العسكرية والإقليمية للحرب فقد ثبت أيضا فشل إسرائيل والولايات المتحدة في تحقيقها. وكانت النتيجة أن سرعة الرد الإيراني باختيار خليفة للمرشد الأعلى، الذي تم اغتياله جاء تعبيرا عن استمرار النظام المتشدد على الأقل، كما أن ما حققته إيران في مجالي الدفاع الجوي الداخلي والهجمات الصاروخية على إسرائيل، أدى إلى تعديل ميزان القوى في مسرح العمليات لمصلحتها، على حساب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

اكتشاف إيران أهمية مضيق هرمز كأصل استراتيجي قابل للاستخدام في الحرب، جعل ترامب يعيد صياغة خطابه السياسي بشأن الهدف من التورط العسكري ليصبح «فتح مضيق هرمز»

لكن إيران حققت ما هو أهم من ذلك، وهو إعادة اكتشاف أهمية مضيق هرمز كأصل استراتيجي قابل للاستخدام في الحرب، وقد نجحت طهران في ذلك، ما جعل ترامب يعيد صياغة خطابه السياسي بشأن الهدف من التورط العسكري ليصبح «فتح مضيق هرمز». بمعنى آخر فإن الأهداف المعلنة للحرب غاصت إلى القاع، لتطفو مكانها على السطح أهداف أخرى تتعلق بتصحيح الخلل التكتيكي، الذي أسفرت عنه المرحلة الأولى من الحرب في مسرح العمليات. من الناحية العملياتية فإن تغيير الهدف يكشف عن تخبط استراتيجي، كما أن وقف إطلاق النار مؤقتا، وقبول مبدأ التفاوض، يكشف عدم ثقة القيادة السياسية الأمريكية في قدرة الحرب على فتح المضيق للملاحة، لأن الحرب في واقع الأمر كانت السبب في إغلاقه. عند تلك اللحظة افترق الخطاب السياسي الأمريكي عن نظيره الإسرائيلي، وتبنى ترامب دعوة لوقف الحرب مؤقتا من دون التنسيق مع نتنياهو، الأمر الذي أثار اضطرابا شديدا في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي ظل حريصا على تجنب إثارة أي انتقادات رسمية لقرار ترامب بقبول الهدنة ووقف الحرب مؤقتا. ومع ذلك فقد جرى السماح للإعلام الإسرائيلي بإطلاق ما يشاء من الانتقادات ضد الهدنة والمفاوضات، وكذلك التنسيق مع وسائل إعلام من داخل الولايات المتحدة للقيام بالدور نفسه. وقال نتنياهو أكثر من مرة إن الحرب على إيران لم تنته بعد، وأنه سيواصلها بالتنسيق مع الولايات المتحدة رغم قرار ترامب بالتفاوض.
يعتبر الانتقال من الحرب إلى المفاوضات رسميا تحولا دراميا في النهج الاستراتيجي الأمريكي، تم على أساسه إرسال وفد كبير بقيادة نائب الرئيس جى دي فانس إلى إسلام أباد، للتفاوض مع وفد إيراني رفيع المستوى بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يبدو على مسرح الأحداث حاليا بوصفه «رجل إيران القوي» الذي يحدد موقع الخطوة التالية لمسار الحرب والمفاوضات. وفي مفاوضات الـ21 ساعة التي جرت في إسلام أباد جرى اللقاء بين الوفدين، من دون ترتيب جدول أعمال مسبق باستثناء النقاط التي تضمنها المقترح الإيراني، التي اعتبرها ترامب أساسا مقبولا يمكن العمل طبقا له. وتم في اللقاء تبادل أوراق مكتوبة بين الوفدين وإجراء مناقشات بشأن قضايا أولها، فتح مضيق هرمز للملاحة، إضافة إلى البرنامج النووي والصاروخي والأرصدة الإيرانية المجمدة، والعقوبات والأمن الإقليمي في الخليج وغيرها. ومن الضروري ذكر أنه جرى العرف في المفاوضات على البدء بطرح ما يسمى «الموقف التفاوضي» لكل طرف، كما علّمنا هانز مورجنتاو وهنري كيسنجر، مع يقين لدى كل طرف بأن الموقف التفاوضي لا يتطابق بالضرورة مع المنتج النهائي لعملية المفاوضات. كما علّمنا أساتذة فن التفاوض أن تحقيق اختراق سياسي في المفاوضات يحتاج إلى وقت كاف لإنضاج النتائج النهائية، وأن المفاوضات هي عملية سياسية قد تحتاج الأطراف المتفاوضة خلالها إلى اتخاذ قرارات تتعلق ببناء الثقة، ما يساعد على الوصول إلى نتائج متوازنة. الأهم من كل ذلك أن المفاوضات بطبيعتها كعملية سياسية ليست ذات طابع صفري، بل إن نجاحها يتوقف على مرونة كل من الطرفين في تقديم تنازلات. ومن السذاجة السياسية أن يتصور البعض أن المفاوضات يمكن أن تحقق النتائج المرجوة منها في يوم وليلة، وهو ما يعتقد البعض في البيت الأبيض، وما يروجه الإعلام الصهيوني سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة. ويعلم العالم كله أن نتنياهو يريد للمفاوضات أن تفشل وللحرب أن تستمر. ومن ثم فإن إعلان فشل المفاوضات في اليوم التالي لبدايتها يمثل اغتيالا لها لمصلحة العودة للحرب، أي انتصار منطق نتنياهو، وإعادة الموقف الأمريكي إلى المسار الذي تريده إسرائيل، بعد أن كان قد فارقه لعدة أيام. ويكشف التضخيم الشديد في ادعاءات فشل المفاوضات مدى قوة اللوبي المؤيد للحرب في كل من إسرائيل والولايات المتحدة. لكن الحرب إذا عادت هذه المرة، سواء ضمن استراتيجية الضغوط القصوى أو غيرها فإن هدفها قد تحرك للمرة الثالثة. في المرة الأولى كان الهدف هو إسقاط النظام، وفي المرة الثانية أصبح فتح مضيق هرمز الذي تسببت الحرب في إغلاقه. وفي المرة الثالثة يقول ترامب، إن الحصار البحري هو لإجبار إيران على العودة إلى مائدة المفاوضات! الرئيس الأمريكي يقلب الحقائق رأسا على عقب لأنه هو الذي قرر الانسحاب من المفاوضات والعودة إلى شكل جديد من الحرب بإعلان الحصار البحري على كل الموانئ والسواحل الإيرانية المطلة على الخليج وبحر عمان، المفتوحة على المحيط الهندي. مرة ثالثة إذن تبدو استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران على مسرح العمليات في حالة تخبط، رغم عدم استبعاد العودة للمفاوضات مرة أخرى. لكن ترامب ربما يدعي في تلك الحالة أن إيران راحت تستجدي المفاوضات وأنه يشفق عليها.
وكما كانت النتيجة في المرتين السابقتين لا توجد أي ضمانات لنجاح الحصار البحري الأمريكي في تحقيق أهداف الحرب، بل إن الخطورة هذه المرة أن الحصار لا يهدد مصالح إيران فقط، بل إنه يهدد مصالح عشرات الدول التي تتعامل مع إيران في مجال النقل البحري للنفط والغاز والمعادن والأغذية والبضائع، بما في ذلك الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها. وقد أعلنت بعض هذه الدول رفضها الحصار البحري، وقالت الصين إنه يتعارض مع المصالح الاقتصادية للعالم ومع حرية التجارة، وحذرت من تداعياته. كذلك رفضت بعض دول حلف الناتو المشاركة في الحصار، ما قد يضع الولايات المتحدة في صدام مع حلفائها. المثير للدهشة أن الإدارة الأمريكية لا تدرك حتى الآن خسائرها في المواجهة مع إيران. كما أن حلفاءها في الجانب الآخر لا يملكون وسائل الدفاع عن أنفسهم، وأنهم سيدفعون الثمن الباهظ دون غيرهم لخطيئة الحرب مع إيران.