د. مثنيى عبدالله
في خضم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، واحتمالات أن يصبح مضيق هرمز ساحة مواجهة بحرية مباشرة بين القوى الدولية وإيران، تجد الدول العربية في الخليج العربي نفسها مُجبرة على تقييم تحالفاتها العسكرية الخارجية، ويبدو اليوم بشكل واضح أن تحالف هذه الدول مع واشنطن بات يواجه اختبارا غير مسبوق.
إن اندلاع الحرب الحالية في المنطقة، لا يهدد التوازن العسكري وحسب، بل أصبح يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الشراكات الأمنية والعسكرية، التي عقدتها دول الخليج العربي مع واشنطن منذ عقود طويلة. ولا شك أن هذه الدول تجد نفسها اليوم في خضم معركة حامية الوطيس، ليس لها صلة بها، وحاولت بأستماتة دفعها بكل السبل إلى الحل الدبلوماسي، لكنها تتحمل كل تداعياتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية، وحتى الاجتماعية. فلم تتورع طهران من توجيه صواريخها ومسيراتها إلى هذه الدول، حتى طالت منشآت اقتصادية مدنية كالمطارات والموانئ ومنشآت نفطية، ما انعكس ذلك على شكل اضطرابات كبيرة في حركة الطيران والسياحة والتجارة.
وليس خافيا على أحد حالة الاستياء التي تسود في العواصم الخليجية، بسبب الكُلف السياسية والاقتصادية، التي تتحملها من دون ذنب، وشعورها بأن حسابات هذه المواجهة لم تأخذ بالحُسبان مصالحها والمخاطر المترتبة عليها، بل أصبحت على قناعة تامة بأن واشنطن لا تضع كل الحلفاء على حد سواء كأولوية في أجندتها.
المرحلة الحالية تفرض على دول الخليج العربي موازنة علاقاتها الدولية، وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، والضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، للحصول على ضمانات أمنية أكثر موثوقية
لقد سلّطت هذه الحرب حزمة ضوء كبيرة، على المعادلة القديمة، التي حكمت العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، والتي كانت لعقود قائمة على مبدأ المظلة الأمنية الأمريكية، مقابل النفط والاستثمارت الخليجية، على الرغم من أن هذه المعادلة تعرضت لهزة كبيرة في عام 2019، عندما وقفت الولايات المتحدة موقف المتفرج على استهداف منشآت شركة أرامكو السعودية، من قبل الميليشيات الإيرانية في المنطقة، لكن الاستهدافات التي تتعرض لها اليوم دول الخليج العربي، دفعت بالمزيد من التساؤلات حول جدوى الاعتماد الكامل على الضمانات الأمنية الأمريكية، وهل يُشكّل ذلك حرزا كافيا للاطمئنان؟ أم أنه قد لا يكون كذلك؟ وبالتالي لا بد لهذه الدول من تسريع جهودها في تنويع شراكاتها الأمنية والسياسية، لكن قبل ذلك أليس من الصواب أن ينظر صانع القرار الخليجي قبل كل شيء إلى إمكانياته الذاتية، وإلى إمكانات الأمة العربية، التي هو جزء منها؟
يقينا أن في البيت الخليجي خلل استراتيجي كبير، يمتد على مدى عقود من استراتيجية منظومة مجلس التعاون، فقد انشغل هذا التكتل في أشياء تنفيذية كثيرة، وترك الأساسيات وهي، تشكيل أمن قومي خليجي وتشكيل جيش موحد، وفضّل الاعتماد على الاتفاقيات المُفرطة مع الولايات المتحدة. في حين أن ما تملكه دول الخليج من موارد مالية كافية لنهوض صناعات حربية فيها، وإن لم تكن صناعات ثقيلة كالطائرات وغيرها، بل هي لم تفكر حتى في بناء درع أمني يحميها من المخاطر الخارجية، قد يقول البعض إن هناك درع الجزيرة ويمكن البناء عليه. لكن فكرة درع الجزيرة والجيش الخليجي الموحد، التي طُرحت منذ الثمانينيات، لم يُؤخذ بها كما كان قد خُطط لها، لأنه منذ بداية الفكرة حصل خلاف على مقر قيادة هذا الجيش، ومن سوف يتزعمه، حتى قبل أن يولد الجيش على أرض الواقع، وهو كما الاختلاف على العملة الخليجية الموحدة.
كذلك هنالك مشكلة أخرى تمنع الانطلاقة الخليجية الموحدة، وهي انقسام التكتل الخليجي إلى مدرستين، مدرسة تميل إلى التطبيع مع إسرائيل، وقد وجدنا دولة الإمارات والبحرين قد ذهبتا في هذا الاتجاه، وأخرى لا تميل إلى ذلك ولا تملك علاقات مع إسرائيل وترفض التطبيع، مثال على ذلك المملكة العربية السعودية ودولة قطر ودولة الكويت وسلطنة عُمان، بل حتى الموقف من إيران فيه انقسام خليجي واضح، فهنالك دول لها علاقات متينة مع طهران سياسية واقتصادية، وأخرى ترتبط بخيط رفيع يقتصر على العلاقات الدبلوماسية، وترى أن إيران عدو لا يمكن الوثوق به. وكل هذا دليل على عدم وجود نظرية أمن قومي خليجي موحد، كما هو الحال بعدم وجود نظرية أمن قومي عربي موحد. وعليه يبقى السؤال قائما وهو، هل الاعتماد على الولايات المتحدة هو الحل، وليس هناك من بديل حقيقي؟ طبعا سيكون الجواب ليس هو الحل، بل هناك اليوم عدة أفكار مطروحة لتشكيل سلة تحالفات، وليس تحالفا واحدا يقتصر على قوة دولية معينة.
إن الأصوات الخليجية التي تتحدث اليوم عن أن المسقبل يجب أن لا يبقى فيه الاعتماد الدفاعي والعسكري الخليجي على أمريكا وحدها هي على حق. لأنه ثبت بالدليل المادي من هذه الحرب أن هذا لم يكن كافيا، كما هناك أصوات خليجية صائبة أيضا، في دعوتها للتحرك على تركيا وباكستان وغيرهما. وآخرون يقولون بضرورة أن ترعى دول الخليج العربي مصالحها بنفسها، من خلال تفعيل منظومات دفاعية كدرع الجزيرة، وتأهيله بحيث يكون قوة ضاربة قادرة على الحماية مستقبلا، لأن من يطّلع على استراتيجية الولايات المتحدة لعام 2025، سوف يجد الأولوية فيها لشمال وجنوب الولايات المتحدة، والثانية هي الأندوباسفيك، وتأتي الثالثة لتشمل الدول الأوروبية والشرق الأوسط. صحيح ما زالت الولايات المتحدة تُجهّز وتُدرّب وتُسلّح دول الخليج العربي، لكنها أصبحت تقول بشكل واضح، إن على حلفائنا الاعتماد على أنفسهم في الدفاع عن مصالحهم. هذا القول صرّح به الرئيس ترامب بشكل واضح لأوروبا، وينطبق كذلك على الحلفاء في الخليج، ويبدو أن المملكة العربية السعودية قد سلكت هذا الطريق.
ومع ذلك حتى لو اندفعت دول الخليج العربي، إلى تسريع جهودها في تنويع شراكاتها الأمنية والسياسية، فإن ذلك لن تكون نتائجه فورية على المدى القصير. كما لا يبدو أن بديلا حقيقيا عن الولايات المتحدة الأمريكية يلوح في الأفق. فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، من قواعد جوية وبحرية، ومنظومات دفاع صاروخي، وشبكات استخباراتية، ما يزال يشكل العمود الفقري للأمن الخليجي، وهو حضور يصعب تعويضه في المدى المنظور، لذلك فإن ما يجري قد لا يعني نهاية التحالف الخليجي الأمريكي، بقدر ما يشير إلى مرحلة جديدة تتطلب الوقوف عندها، من أجل إعادة تعريف آخر لهذا التحالف. فالمرحلة الحالية تفرض على دول الخليج العربي السعي لموازنة علاقاتها الدولية، وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، وفي الوقت نفسه الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، للحصول على ضمانات أمنية أوضح وأكثر موثوقية.
كاتب عراقي
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
