الرئيسية / أخبار / انتقال سوريا يكرّس السلطة من دون سيادة

انتقال سوريا يكرّس السلطة من دون سيادة

د. شهاب المكاحله

غالباً ما يُوصَف المشهد السوري اليوم بأنه مرحلة انتقالية هشّة. لكن ما يتبلور فعلياً هو واقع أكثر إشكالية: نظام سياسي يسوّق للاستقرار، فيما يرسّخ عملياً التفكك، ويعمّق الارتهان الخارجي، ويمرّر تنازلات غير معلنة ستحدّد مستقبل البلاد لعقود مقبلة.

الاشتباكات التي اندلعت أخيراً من حلب إلى السويداء، ومن ريف درعا إلى أطراف دمشق، تكشف حدود هذا الترتيب القائم. ففي مدينة حلب، حاولت قوات مرتبطة بالسلطة الانتقالية فرض سيطرتها على أحياء ذات غالبية كردية مثل الشيخ مقصود والأشرفية. وعندما فشلت العملية، جاء الرد مألوفاً: قصف الأحياء السكنية بالأسلحة الثقيلة. وهي ممارسات تمثّل بالضبط ما وُعِد السوريون بألا يتكرر بعد سقوط النظام السابق.

المشكلة هنا ليست خطأً تكتيكياً عابراً، بل غياباً سياسياً عميقاً. فالاتفاقات التي أُعلن عنها قبل أشهر لدمج «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن هيكل أمني موحّد ما زالت متعثّرة، فيما بقيت الخلافات الجوهرية بلا حل. مطالب الأكراد بحكم لامركزي ما زالت معلّقة، في وقت تضغط فيه تركيا باتجاه حسم «الملف الكردي» وفق اعتبارات أمنها القومي. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى إدارة تناقضات حلفائها من دون تقديم رؤية سياسية واضحة لنهاية هذا المسار.

هذا الغموض له كلفة مباشرة. فواشنطن تنسّق عسكرياً مع «قسد» في إطار محاربة تنظيم «داعش»، وفي الوقت نفسه تتعاون مع قوات أمنية موالية لأبي محمد الجولاني تحت العنوان ذاته. قد يخفّف هذا النهج من المخاطر الآنية، لكنه يطمس خطوط المساءلة، ويحوّل مكافحة الإرهاب إلى بديل عن استراتيجية سياسية متكاملة، خصوصاً في شرق سوريا حيث تتقاطع موارد الطاقة والممرات الاستراتيجية.

الهشاشة الأمنية لم تعد محصورة في الأطراف. فالإعلان عن تفكيك خلايا لتنظيم «داعش» داخل دمشق يمثّل سابقة خطيرة. وهو مؤشر على أن التنظيمات المتطرفة ما زالت قادرة على استغلال الثغرات في بنية الحكم، حتى في المناطق الخاضعة لسيطرة مركزية اسمية. في موازاة ذلك، تتصاعد التوترات داخل «هيئة تحرير الشام»، ولا سيما في صفوف المقاتلين الأجانب القلقين من مصيرهم، ما ينذر باختلال داخلي قد ينفجر عند أول ضغط جدي.

ومع ذلك، يبقى التطور الأكثر خطورة ذا طابع رمزي لا عسكري. فالتداول الرسمي لخريطة لسوريا من دون الجولان السوري المحتل يمثّل قبولاً ضمنياً بفقدان الأرض. لم يسبق هذا التحول أي نقاش وطني، ولم يمنحه الشعب السوري أي تفويض. لكن للرموز وزنها في السياسة، وهذا الإغفال يساهم في تطبيع ما كان يُعدّ سابقاً تنازلاً غير قابل للتفكير.

عند جمع هذه المعطيات، تتضح ملامح النظام الناشئ في سوريا: سلطة تُمارَس من دون شرعية، واستقرار يُدار من دون مصالحة، وسيادة تُفاوض عليها بالتقسيط وتحت إشراف خارجي. قد ينجح هذا الواقع في خفض مستوى العنف المفتوح مؤقتاً، لكنه لا يرقى إلى مستوى إعادة بناء الدولة.

الخطر الذي يواجه السوريين اليوم لا يقتصر على عودة الحرب الشاملة، بل يتمثل في مستقبل مجمّد، تُدار فيه الانقسامات بدل حلّها، وتُطبّع فيه التنازلات بدل مناقشتها، وتبقى الدولة إطاراً للمساومات الإقليمية أكثر منها كياناً سيادياً فعلياً. انتقال يقوم على الصمت والقوة والتغاضي لا يمكن أن ينتج عدالة ولا استقراراً دائماً.

لا تعاني سوريا من نقص في القوى المسلحة أو الرعاة الخارجيين، بل من غياب مشروع سياسي قادر على التوفيق بين السلطة والشرعية. وما لم يُردم هذا الفراغ، سيبقى الاستقرار شكلياً، والسيادة مشروطة، والسلام وهماً إدارياً أكثر منه واقعاً حقيقياً.