المهندس سليم البطاينة
في خضم عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتعقد فيه الأزمات الاقتصادية تبرز أهمية مراكز الفكر والدراسات والأبحاث كمؤسسات حيوية في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وجزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي التنموي، التي تنبه صُناع القرار لكيفية صناعة القرار بعيدا عن الارتجال الذي يفضي للوقوع في الأخطاء كونها حلقة وصل وجزء من مراحل رسم السياسات وصنع القرار السياسي، يُمكنها قراءة المؤشرات الخفية ورصد التحولات الجيوسياسة وتقديم البدائل والخيارات، وتوضيح الغموض في ملفات كثيرة لحماية مصالح الدولة والحكم الرشيد،
حيث باتت تلك المراكز من اهم أدوات التأثير في عملية صُنع السياسة العامة بالدولة الحديثة، وسبقت الآخرين في قدرتها على التنبؤ بالمستقبل.
دول كثيرة في العالم تعرضت لأزمات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية كان القرار فيها لا يقتصر على رأس الدولة أو المؤسسات والأجهزة الأخرى !
فعلى سبيل المثال في سبعينات القرن الفائت عين الرئيس الأمريكي جيرالد فورد بتلك الفترة فريقاً أطلق عليه B- Team، كانت مهمته تقديم المشورة في قضايا تخص الامن القومي الأمريكي.
تاريخياً نشأت مراكز الفكر في الغرب كمؤسسات مستقلة، وخزان للأفكار المتجددة، تقدم المشورة في قضايا الامن والسياسة والاقتصاد مثل : مؤسسة راند الأمريكية، وآدم سميث وفابيال سوسيتي البريطانية، إلخ
اما في منطقتنا العربية فقد ارتبطت تلك المراكز بالدولة واجهزتها المختلفة !
وهذا ما وَرَد في تقرير صدر عن معهد السياسات الخارجية في جامعة بنسلفانيا الأمريكية في ( نيسان / ٢٠٢٤ ).
الحالة الأردنية لا تختلف جوهرياً عن الحالة العربية في ضعف مراكز الدراسات والأبحاث، وقلة الاهتمام بها، وعدم الاعتراف بأهميتها، وتأثيرها في تحديد الأولويات والمسارات، وعلى الرغم من تداول بعض المسميات التي توحي بوجود مراكز بحث ودراسات وفكر في الأردن، إلا أنها لا تزال متأخرة وبعيدة كل البعد عن انتاج الأبحاث والدراسات !
فقد تحول معظم القائمين عليها إلى مترجمين في مسرح الواقع! يكتفون بالتعليق من بعيد، ويتقنون لغة التحليل البارد ليس أكثر.
لقد تحدثت عن غياب الرؤية في بنية عقل الدولة لاستشراف المستقبل في مقالات سابقة، لكن ليس بهذا الاتساع؛
دعونا نكن أكثر وضوحاً وشفافية: المؤسسات الحكومية بترهُلها وتضخمها لم يعد بوسعها الإجابة عن كل القضايا الشائكة التي تواجهها في الداخل والخارج، ولم تقدّم معلومات وتحليلات على درجة عالية من الدقة لصاحب القرار !
السؤال: امام هذا التراجع بدور مراكز البحث والفكر في الأردن : كيف يبدو واقع مراكز البحث والفكر في الأردن امام ما تشهده الساحة المحلية من تحولات عميقة ومتسارعة، بجانب التطورات الإقليمية؟
المسألة برأيي تستدعي عمقاً أكبر، وتتطلب تفعيل كل مراكز الفكر والأبحاث والدراسات بشكل جدي لتقييم المخاطر القادمة .
فحتى الان لم تتبوأ تلك المراكز مكانها الطبيعي، وبدا دور معظمها باهتاً غير فاعل، ولم يتم تكليفها بأي شيء، ولم تمارس دورها الحيوي في المشاركة في صُنع السياسات، او في تقديم ما يلزم من مشورة ودراسات !
الأردن من دون تفكير استراتيجي وسياسي عميق،، ستبقى فيه محاولات معالجة القضايا الكبرى ( داخلياً وخارجياً) معلقة، وفي إطار التمنيات ! وسيظل الاردن عاجزا عن الفصل في الخيارات المطروحة.
نائب سابق في البرلمان الاردني
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
