تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الاثنين الأخيرة، والتي قال فيها إن روسيا “مستعدة” للحرب مع أوروبا إذا رغبت الأخيرة بذلك، تمثل أكثر من مجرد بيان إعلامي؛ فهي انعكاس لمعادلة استراتيجية معقدة بين موسكو والغرب، وتكشف عن تصعيد نفسي وسياسي في الأزمة الأوكرانية.
بوتين لم يعلن عن نية لبدء الصراع، بل استخدم صيغة مشروطة: “إذا أرادت أوروبا ذلك”، مما يعكس رغبة في وضع الغرب أمام مسؤولياته، وتحميله تبعات أي تصعيد محتمل. هذه اللغة الاستعراضية تعكس نهج الكرملين المعروف منذ فترة طويلة، حيث يمزج بين التهديد والردع النفسي لضمان مصالحه السياسية في الصراع الأوكراني.
إدانة بوتين للغرب بمحاولة “تخريب اتفاق لوقف القتال في أوكرانيا” قبل لقاءه بمبعوثين أمريكيين، تضع موسكو في موقع المدافع عن السلام، بينما تصوّر الطرف الغربي كمزعزع للاستقرار. هذا الخطاب يخدم هدفين متوازيين: داخليًا، لتعزيز صورة القيادة الحازمة القادرة على حماية الأمن القومي، وخارجيًا، للضغط على واشنطن وحلفاء أوروبا للقبول بمفاوضات قد تكون موسكو الطرف الأقوى فيها.
لكن التحليل الاستراتيجي يقول إن تصريحات بوتين ليست مجرد تهديد لفظي، بل رسالة تحمل مضمونًا عميقًا: موسكو تعتبر أنها تمتلك القدرة العسكرية، الدبلوماسية والاقتصادية للرد على أي خطوة غربية قد تُعتبر استفزازية، سواء في أوكرانيا أو في الجبهات الأخرى من أوروبا الشرقية. كما أن توقيت التصريحات، قبيل لقاء مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يشير إلى محاولة موسكو تشكيل أرضية ضغط قبل المفاوضات، وربما اختبار ردود الفعل الغربية تجاه مرونة أو صلابة المواقف الأمريكية والأوروبية.
من منظور أوروبي وأمريكي، هذا التصعيد الكلامي يجب التعامل معه بحذر شديد. التهديدات المشروطة أو “الاستعداد للحرب إذا بدأتم” هي جزء من استراتيجية روسية قديمة، تهدف إلى تحقيق تنازلات سياسية أو اقتصادية من الغرب، دون الانجرار فعليًا إلى مواجهة عسكرية شاملة. وفي الوقت نفسه، على أوروبا تقييم مدى جدية روسيا في تصعيد التوتر، بما يشمل الردود العسكرية المحتملة على أي خطوات غربية تؤثر على مصالح موسكو الحيوية في أوكرانيا.
في النهاية، يمكن القول إن تصريحات بوتين تمثل تذكيرًا بأن الصراع الأوكراني لم ينتهِ بعد، وأن موسكو مستمرة في اختبار الحدود الغربية، عبر لغة القوة والتحذير النفسي. الغربيون أمام تحدٍ مزدوج: إدارة الموقف بذكاء دبلوماسي لمنع أي انزلاق نحو الصراع، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على الردع العسكري والسياسي لضمان عدم نجاح موسكو في فرض إرادتها بالقوة أو التهديد فقط.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
