الرئيسية / أخبار / الجولة الجديدة من الصراع في الشرق الأوسط الكبير

الجولة الجديدة من الصراع في الشرق الأوسط الكبير

د. شهاب المكاحله

قبل عدة أيام، عقد في عاصمة أوروبية مؤتمر نظمته هيئات ومنظمات وأفراد يعملون تحت مظلة “الدولة العميقة العالمية” ولغايات منع الحساسية امتنع هنا عن ذكر تلك الجهة واكتفي بالتلميح لها.

تشير مصادر داخل ما يُسمّى بـ”الدولة العميقة العالمية” إلى أنّ الشرق الأوسط الكبير يدخل مرحلة انتقالية حساسة، حيث تتقاطع أهداف أمنية إسرائيلية، وحسابات أمريكية جديدة، وتوازنات إقليمية عاجلة. والساحة التي يشهدها الإقليم اليوم لا تُفهم من خلال التطورات العسكرية فقط، بل من خلال هندسة أعمق يجري تشكيلها منذ سنوات، وتتسارع الآن مع دخول المنطقة جولة جديدة من المواجهات.

توسّع العمليات الإسرائيلية خارج غزة

بعد أشهر من الحرب في غزة، بدأت إسرائيل — وفق هذه المصادر— بفتح جبهات إضافية في الضفة الغربية وجنوب سوريا، مع الإشارة إلى أن هذه الجولة تختلف عن سابقاتها من حيث نوعية الأهداف. ففي حين انصبّ التركيز في السابق على حماس والجهاد الإسلامي، تتحدث المصادر عن انتقال واسع نحو استهداف عناصر وتيارات محسوبة على الفكر الإخواني، سواء في الضفة أو سوريا أو حتى في لبنان.

وتوضح هذه القراءة أن هذا التحول ليس ظرفياً، بل مرتبط بإعادة رسم الخارطة الإسلامية المسلحة والسياسية المحيطة بإسرائيل، بحيث لا يبقى أي جناح إسلامي قادر على التأثير في معادلة دول الطوق.

تصنيف الإخوان المسلمين… التحول الاستراتيجي الأكبر

التطور الأبرز، بحسب هذه المصادر، هو التحول الأمريكي باتجاه تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي — وهو تحوّل تعتبره هذه الأوساط بمثابة النقطة الفاصلة في المرحلة الجديدة. فالغرب، لعقود، ميّز بين السلفية الجهادية التي تستهدف “العدو البعيد”، وبين الإخوان الذين يركّزون على “العدو القريب”، أي إسرائيل.

لكن تصنيف الإخوان اليوم يُقرأ باعتباره: تمهيداً لإعادة هيكلة المشهد الإسلامي السياسي في المنطقة وخطوة تجعل الحملات الإسرائيلية المقبلة مقبولة دولياً وقطعاً لمسار لجوء المنتسبين للإخوان إلى أوروبا وأمريكا كما حصل في العقود الماضية. هذا التحول ينعكس مباشرة على أرض المعركة، وفق رؤية تلك المصادر.

دول الطوق… أدوار متباينة وحسابات دقيقة

ترى المصادر أنّ مصر والأردن مكلفتان ضمن المنظومة الإقليمية بمنع تمدد الإخوان داخل أراضيهما، وهو ما ينسجم مع سياساتهما الداخلية. غير أن الوضع يختلف جذريا في سوريا ولبنان، حيث الفراغ، والانقسام، وتشابك القوى يمنح إسرائيل مجالاً للتدخل المباشر.

ففي سوريا، تعتبر هذه الأوساط أنّ غياب قدرة السلطة السورية على ضبط الجماعات الإسلامية في الجنوب، إلى جانب التوتر البنيوي داخل المؤسسات الأمنية، يجعل إسرائيل اللاعب الأكثر قدرة على تنفيذ عمليات دقيقة ضد الجماعات التي تصنّفها “تهديدا”. وفي لبنان، يبدو المشهد أكثر تعقيداً لوجود حزب الله كقوة مسلحة أكبر من الدولة ولانتشار الجماعة الإسلامية اللبنانية في مناطق عدة ومنها حماس والجهاد الإسلامي داخل مخيمات الفلسطينيين أضافة بطرابلس وغيرها من التجمعات في لبنان.

وتشير المصادر إلى أنّ إسرائيل قد تفتح جبهة ضيقة ضد مواقع محددة للجماعة الإسلامية، لكن المعالجة الأساسية ستكون—وفق تقديراتها — عبر الدولة اللبنانية نفسها بعد إضعاف حزب الله خلال أي جولة واسعة مقبلة مع التشكيك بقدرة إسرائيل هذه المرة.

“الدين الإبراهيمي” كمشروع فوق سياسي

تقدّم المصادر سردية تفيد بأن جزءاً من التحركات الحالية مرتبط بخطة أوسع لإعادة تشكيل الخطاب الديني في المنطقة. تقوم هذه القراءة على اعتبار أن الاستقرار الإقليمي لن يتحقق دون تخفيف التوترات الدينية التاريخية، وهو ما تسميه هذه الأوساط “المشروع الإبراهيمي”.

وبحسب هذا التصور، فإن هذا المشروع يحتاج إلى: تفكيك البنى الإسلامية التي تقوم على فكرة الجهاد ضد إسرائيل وإزالة أو تعطيل المؤسسات الدعوية التي تنشر خطاباً يرى هذه القوى أنه يتعارض مع منظومة “التطبيع الديني” وإعادة صياغة المناهج الدينية بطريقة لا تنتج صدامات جديدة.

هنا يصبح استهداف الإخوان، بحسب هذه القراءة، جزءاً من تعديل بنية الوعي العام وليس فقط إجراء أمنياً.

ضبط الهجرة… منع الهروب من رقعة الصراع

تربط هذه المصادر بين تشديد الولايات المتحدة لسياسات الهجرة —خصوصاً في أعقاب الحادثة الأمنية مع الشاب الأفغاني في واشنطن — وبين الحاجة إلى إبقاء القوى الإسلامية داخل نطاق الشرق الأوسط حيث يمكن احتواؤها أو تصفيتها ضمن “الهندسة الأمنية الجديدة”.

فالهجرة التي كانت ملاذاً للمعارضين الإسلاميين لعقود باتت تُعتبر مخرجاً يجب إغلاقه؛ وذلك لضمان نجاح “الجولة الجديدة من إعادة ترتيب المنطقة”.

نحو مرحلة حاسمة من إعادة تشكيل الشرق الأوسط

تختتم مصادر “الدولة العميقة العالمية” قراءتها بالتأكيد على أن المنطقة تدخل المرحلة الحاسمة من مشروع طويل بدأ منذ عقود. فالتداخل بين الأمن والسياسة والدين والهجرة والإعلام يدل على أن ما يجري ليس جولة عسكرية، بل مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تشمل: حدود النفوذ وبنية القوى الإسلامية وتركيبة دول الطوق والمشهد الديني وطبيعة العلاقة بين الشعوب والغرب.

ويرى هذا التيار التحليلي أن السنوات القادمة ستشهد أكثر العمليات حساسية، حيث سيجري تفكيك وتحييد التيارات التي يُعتقد أنها قد تُعرقل مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

فهل ستنجح تلك المخططات أم أنها ستبوء بالفشل؟! هذا ما سيظهره سيناريو المواجهة القادم لا محالة بين إيران والناتو؟