الرئيسية / أخبار / فرض الوقائع على الأرض… إسرائيل تستمر في خنق غزة وإدامة الحرب والنزوح

فرض الوقائع على الأرض… إسرائيل تستمر في خنق غزة وإدامة الحرب والنزوح

لم يتغير الحال في قطاع غزة في الأسبوع المنصرم عن باقي الأسابيع التي خلفت اتفاق وقف إطلاق النار، فقد واصلت قوات الاحتلال هجماتها الممنهجة الدامية، التي تخللتها أعمال تدمير وقتل واسعة، مع الاستمرار في احتلال مزيد من أراضي القطاع وتوسيع «الخط الأصفر»، رغم أن الوسطاء كانوا يعقدون اجتماعات مهمة في العاصمة المصرية القاهرة، بحثت سبل تثبت الاتفاق والانتقال للمرحلة الثانية، ما يعني أن حكومة الاحتلال اليمينية ماضية في مخططها الحربي.

استمرار الهجمات

فلم يكد يمر يوم من أيام الأسبوع الماضي، حتى كان جيش الاحتلال يشن إما غارات جوية أو قصفا مدفعيا أو نسفا للمباني، ويطلق النار الثقيل على مناطق التوغل البري والمناطق المحيطة بها، في المناطق الواقعة ضمن «الخط الأصفر»، الذي تعمد توسيعه في مناطق شرقية لمدينة غزة، ليوقع مزيدا من الضحايا، وينثر مزيدا من الخراب.
عدة هجمات دامية وقعت وارتقى إثرها شهداء ومصابون، عندما كان جيش الاحتلال يتعمد تنفيذ الغارات على مدن منها خان يونس جنوب القطاع ومدينة غزة أيضا، في الوقت الذي كان فيه الحصار يعصر ما تبقى من السكان، وتعصف المنخفضات الجوية بمصائرهم وتجعلهم عرضة للأمراض والتشرد من جديد.
ففي بداية الأسبوع رصد تقرير موثق 497 خرقا إسرائيليا للاتفاق، ما يعني أن هذه الخروقات في نهاية الأسبوع زادت لتفوق هذا العدد بكثير، جراء استمرار الغارات، ليقترب العدد الإجمالي لضحايا الحرب المعلومة هوياتهم من الـ 79 ألفا، علاوة إلى نحو 180 ألف مصاب، جلهم من الأطفال والنساء.
واقع الحياة في المنطقة الحدودية الشرقية والشمالية والجنوبية لقطاع غزة بقي على حاله، لا حياة تذكر هناك، فالجيش الإسرائيلي يواصل السيطرة بقوة النار، ويزيد من نطاق انتشاره في بعض المحاور، ويواصل لغة التهديد المعهودة بالعودة إلى الحرب والتدمير والقتل وتوسيع المجازر، وفرض المزيد من الوقائع على الأرض، في حال لم يجر تنفيذ شروطه ومتطلباته، فيما السكان المحشورين في أقل من مساحة نصف القطاع، يعانون الويلات جراء هذه السياسات العدوانية التي لم تتوقف بالرغم من اتفاق التهدئة.

فرض وقائع جديدة

دلل على ذلك ذكرت كشفته تقارير عبرية منها صحيفة «يديعوت أحرنوت» التي أكدت أن الجيش الإسرائيلي يحاول «فرض وقائع على الأرض» في قطاع غزة قبل وصول القوة الدولية، وأنه يريد تطبيق النموذج اللبناني في قطاع غزة، في الوقت الذي يعمل فيه الوسطاء للانتقال للمرحلة الثانية، التي تطلب من إسرائيل الانسحاب من كامل مناطق قطاع غزة، والمعروفة حاليا بمناطق «الخط الأصفر»، وتمثل حاليا أكثر من 53 في المئة من مساحة القطاع الاجمالية، وكذلك تنفيذ خطوات لتسهيل الحياة بغزة، مثل فتح معبر رفح البري الحدودي مع مصر وزيارة المساعدات الإنسانية.
وقد كشف النقاب أيضا أن إسرائيل ترفض عمليات إعادة الإعمار في أي مكان في غزة من دون نزع سلاح القطاع، وأن ما يجري التخطيط له حاليا هو بناء ما تعرف بـ «رفح الخضراء» أو «غزة الجديدة» وهي تجمعات سكنية من الخيام لإيواء النازحين في مناطق السيطرة الإسرائيلية داخل «الخط الأصفر»، وفقا لشروط إسرائيلية أمريكية، بهدف إدامة أمد الأزمة في غزة، والتهرب من ملف الإعمار.
وكان من بين تلك الخطط الإسرائيلية تجاه غزة، ما كشف عن مناقشة المجلس الوزاري الأمني المصغر، «نزع سلاح حماس»، والتهديد باتخاذ إجراءات قوية ضد القطاع، في حال لم ينفذ هذا الأمر وتتخلى حماس عن سلاحها، وهو أمر ترفضه الحركة، ما ينذر أيضا باستمرار سياسات التصعيد الميداني التي تنفذها إسرائيل ضد القطاع.
وعن ذلك عبر صراحة الوزير زئيف إلكين، الذي قال إن قوات دولية لن تقوم بتفكيك سلاح «حماس»، وأن على إسرائيل أن تفعل ذلك في نهاية المطاف بنفسها، وهو ما من شأنه أن يدفع باتجاه تجديد العدوان ضد غزة، وأن يغير من واقع التهدئة وبنودها.

تهديد بالحرب

ولذلك فإن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، قال صراحه إن حكومته ليست مضطرة للحصول على موافقة من أي جهة لشن هجمات في قطاع غزة، وزعم مواصلة حماس خرق اتفاق التهدئة، متناسيا ما يفعله جيشه يوميا من عمليات قتل وتدمير واسعة للقطاع.
وحملت تصريحاته لغة استعلاء تحدث بها عن الوسطاء، الذين طالبوا مرارا من إسرائيل الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ يوم العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وينص على وقف الهجمات المتبادلة، وذلك بعد أن كشف النقاب أيضا عن دعم واشنطن للهجمات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة، وتحدث عن ذلك مسؤول أمريكي رفيع، لموقع «أكسيوس» بالقول إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقف خلف الهجمات التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي في القطاع، معتبراً أن التحرك العسكري الأخير جاء «رداً مباشراً» على حادث أمني، زاعما أن إسرائيل تعمل ضمن «سياسة متفق عليها مسبقاً مع الوسطاء الدوليين»، تقوم على الرد الفوري على أي خرق يمس ترتيبات وقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى ما جرى باعتباره «إجراء دفاعياً يدخل في إطار مبدأ الردع» الذي دافعت عنه إسرائيل خلال جولات التفاوض السابقة.

نقاشات القاهرة

هذه التطورات جاءت في خضم اجتماعات مهمة عقدها وسطاء التهدئة في مصر، حيت زار القاهرة كل من رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد آل ثاني، ومدير المخابرات التركية إبراهيم قالن، والتقوا هناك بمدير المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، في الوقت الذي كان فيه أيضا مسؤولون أمريكيون يناقشون في القاهرة تطورات التهدئة والانتقال للمرحلة الثانية، بعد أن وصل مطلع الأسبوع وفد قيادي رفيع من حركة حماس.
فعلى مدار ثلاثة أيام متتالية، احتضنت العاصمة المصرية اجتماعات، بحثت عدة ملفات هامة في مقدمتها تثبيت التهدئة والانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي ملفات تراوغ إسرائيل في تنفيذها، وتحدث عن ذلك مصدر من «حماس» لـ القدس العربي، حيث أكد في البداية استمرار الحركة على مبدأها الرافض لطلب إسرائيل «نزع سلاح المقاومة» في غزة، وليؤكد أيضا من جديد أنه لا يوجد مصطلح «نزع سلاح حماس»، وأن الحركة ترفض مجرد مناقشة الفكرة.
وتخلل تلك الاجتماعات أيضا بحث تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، والخروقات الإسرائيلية المتواصلة والمتصاعدة ضد غزة، وتلكؤ إسرائيل في تنفيذ بنود الاتفاق كاملة، وفي مقدمتها «البروتوكول الإنساني» الذي ينص على تدفق كبير للمساعدات الإنسانية لقطاع غزة، من أجل إعادة الحياة لغزة.
حماس في تلك الاجتماعات طالبت بضرورة أن يكون هناك «تحرك عاجل» من أجل معالجة هذه المسائل، إلى جانب معالجة أزمة مقاتليها المتواجدين في مدينة رفح، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، في ظل التزامها ببنود الاتفاق، وخاصة عمليات انتشال وتسليم جثث الإسرائيليين القتلى في غزة.
ما علمته «القدس العربي»، أن ثلاثة أيام من اللقاءات بين وفد الحركة القيادي الرفيع والوسطاء، لم تنه البحث الدائر حول الملفات الشائكة، وأن النقاشات لا تزال مستمرة، وأن لقاءات مماثلة ستعقد قريبا، خاصة بين أطراف الوساطة المصرية والقطرية والتركية والأمريكية، ويدلل ذلك على الرفض الإسرائيلي للتجاوب مع المقترحات المقدمة، والابتعاد في وجهات النظر بين المقاومة وإسرائيل.

تحذير حماس

وفي هذا السياق، أكد الناطق باسم حماس حازم قاسم، التزام حركته ببنود اتفاق التهدئة، وذلك بعد أن سلمت جثة إسرائيلي كانت مدفونة في غزة، وقال إن العملية تأتي ضمن مسار التبادل، وأكد أن حماس تبذل جهودا متواصلة لإتمام عملية التبادل بالرغم من الصعوبات الكبيرة، وطالب الناطق باسم «حماس» من الوسطاء مقابل هذا الالتزام من حركة حماس «الضغط على الاحتلال لتطبيق استحقاق وقف الحرب على قطاع غزة، وإلزامه بوقف الخروقات».
كما رفضت حركة حماس ما وصفته بمحاولات حكومة الاحتلال الإسرائيلي، فرض وقائع جديدة على الأرض تخالف ما تم الاتفاق عليه، وشددت الحركة على أن الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لم تقتصر على قصف مناطق مدنية، بل أدت إلى استشهاد عدد من الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، إضافة إلى تغيير خطوط الانتشار العسكري الإسرائيلية داخل القطاع، بصورة قالت إنها «تتناقض كلياً» مع الخرائط والبنود التي أُقرت في جولات التفاهمات الأخيرة، واتهمت الحركة الاحتلال الإسرائيلي باتباع «نهج ممنهج» لخرق التفاهمات، معتبرة أن هذا السلوك يستهدف تقويض أي جهود ترمي إلى تثبيت التهدئة أو الانتقال إلى مرحلة تفاوضية أوسع.
ومحذرة من مخاطر عدم التجاوب مع الجهود الرامية لحل أزمة ناشطيها المحاصرين في رفح، مع استمرار هجمات الاحتلال ضدهم، أكدت الحركة أن «الجريمة الوحشية التي يرتكبها الاحتلال عبر ملاحقة وتصفية واعتقال المجاهدين المحاصَرين في أنفاق مدينة رفح، تُعَدّ خرقًا فاضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ودليلًا دامغًا على المحاولات المستمرّة لتقويض هذا الاتفاق وتدميره»، مشيرة إلى أنها بذلت طوال الشهر الماضي، جهودًا كبيرة مع مختلف القيادات السياسية والوسطاء لحلّ مشكلة المقاتلين وعودتهم إلى بيوتهم، لافتا إلى أنها قدّمت أفكارًا وآليات محدّدة لمعالجة هذه المشكلة، في تواصلٍ كامل مع الوسطاء والإدارة الأمريكية بصفتها أحد ضامني اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن الاحتلال نسف كل هذه الجهود، «مُغلِّبًا لغة القتل والإجرام والملاحقة والاعتقال، في إجهاضٍ لجهود الوسطاء الذين بذلوا جهدًا كبيرًا مع مختلف الأطراف الدولية لوضع حدٍّ لمعاناة هؤلاء المقاتلين الأبطال»، وقد حملت إسرائيل المسؤولية الكاملة عن حياة ناشطيها، ودعت الوسطاء إلى «التحرّك العاجل».
وخلال الأيام الثلاثة، عقد رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، الذين وصلوا القاهرة اجتماعا مهما مع مدير المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، وشهد توافق الأطراف على مواصلة تعزيز التنسيق والتعاون مع مركز التنسيق المدني العسكري CMCC، كما بحث تذليل أي عقبات واحتواء الخروقات بما يضمن تثبيت وقف إطلاق النار.
وفي السياق، نقلت قناة «i24NEWS» عن مسؤول تركي، قوله إن لقاء ثلاثيا في القاهرة عقد لدفع المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وذكر أن قالن عقد اجتماعا مهماً في العاصمة المصرية القاهرة، مع رئيس وزراء قطر ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ومدير المخابرات المصرية اللواء رشاد، بصفتهما وسيطين وضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار، وبحسب المسؤول، تناول الاجتماع آليات الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك في ظل ما وصفه بـ «تزايد الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة»، إضافة إلى بحث تعزيز الجهود المشتركة بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وأوضح المصدر أن الأطراف الثلاثة اتفقوا على تعزيز التعاون والتنسيق مع مركز التنسيق المدني–العسكري «CMCC»، بهدف إزالة جميع العقبات التي قد تعيق استمرار وقف إطلاق النار ومنع أي خروقات مستقبلية، وقد أشار إلى أن الجانب التركي شدد خلال الاجتماعات على أن تركيا ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني بجميع إمكاناتها، مؤكداً التزام أنقرة بالدور الذي تلعبه في ضمان تنفيذ الاتفاق وتثبيت الهدوء في القطاع.

رفض إسرائيلي

لكن في المقابل كانت إسرائيل إلى جانب مواصلة الهجمات ضد غزة، تواصل رفض التعاطي مع أزمة ناشطي حماس الموجودين في مدينة رفح الخاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية، وبدلا من إيجاد مسار لإنهاء أزمتهم، أعلنت الأسبوع الماضي في حادثين منفصلين عن قتل واعتقال عدد منهم بغارات جوية.
ويتواجد عشرات المسلحين التابعين للجناح العسكري لحركة حماس في أنفاق في المدينة، وفي وقت سابق طالبت الحركة إنهاء أزمة ناشطيها هناك، رفض الجناح العسكري كتائب القسام مقترحات «تسليم» هؤلاء النشطاء أنفسهم، وجاء ذلك رغم التزام المقاومة ببنود اتفاق التهدئة، واستمرارها في عمليات البحث عن جثث الإسرائيليين القتلى في غزة وتسليمها عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تفاقم الأزمات الإنسانية

في المقابل استمرت أزمة سكان غزة الإنسانية بشكل خطير، وقد تضاعفت الأزمة مع وصول منخفض جوي جديد للمنطقة، أغرق من جديد خيام النازحين، وأفقدهم تلك الأعطية البلاستيكية التي كانت مقرا لسكنهم بعد أن دمرت منازلهم خلال الحرب.
وتقول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» أن آلاف النازحين قسراً يكافحون في قطاع غزة لإيجاد مأوى آمن لمواجهة البرد القارس، وأنه لم يعد أمامهم خيار سوى بناء خيام مؤقتة، مؤكدة الحاجة الماسّة إلى المزيد من مواد الإيواء، وأنه مع عودة الأمطار إلى غزة «تزيد ظروف الشتاء القاسية، إلى جانب الدمار والنزوح، من خطر الإصابة بالأمراض»، مؤكدة أن الناس يعيشون في ظروف باردة وظروف صحية سيئة دون مأوى لائق، لافتة إلى أنه يمكن تفادي ذلك من خلال تدفق المساعدات الإنسانية من دون عوائق، بما في ذلك الإمدادات الطبية ومستلزمات الإيواء.
وكان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، قال إن العديد من العائلات الفلسطينية النازحة في قطاع غزة معرّضة لخطر الفيضانات بسبب إقامتهم في ملاجئ سيئة التجهيز، وأن الناس في غزة «عرضة للخطر بشكل كبير»، في مواجهة سوء الأحوال الجوية، لافتا إلى أن العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة لا تزال مستمرة، مشيرا إلى أن إسرائيل تواصل بشكل ممنهج منع دخول بعض الإمدادات الحيوية.