الرئيسية / أخبار / الاردن : ضرورة استعادة دور الدولة لضبط اقتصاد السوق الحر ، وتحجيم اليد الخفية ،، وتصحيح نموذج التنمية.

الاردن : ضرورة استعادة دور الدولة لضبط اقتصاد السوق الحر ، وتحجيم اليد الخفية ،، وتصحيح نموذج التنمية.

المهندس سليم البطاينة

من البديهي أنه في فترات الانتعاش الاقتصادي يصبح المجتمع أكثر انفتاحاً وحيوية ،، بينما في حالات الركود وعدم الاستقرار الاجتماعي يصبح أكثر توتراً وعدوانية !

في الواقع الحرية الاقتصادية ليست مُطلقة ! وهذا ما يجُرُّنا إلى إعادة تعريف وتحديد دور الدولة الاقتصادي من جديد ، كجزء لا يتجزأ من عملية تصحيح وتصميم نماذج التنمية كَكُل ،، لإحداث تغيير جوهري في النموذج الاقتصادي بتقسيم الأدوار واستعادة التوازُنات من جديد لكبح جماح روؤس الأموال والاوليغارشيات الكمبرادورية التي تُتاجر بالأزمات والأوضاع الاقتصادية ، مع ضرورة التأكيد على تغيير دور الدولة من دولةٍ حارسة إلى دولة راعية كأداة توازن وصمام أمان لإدارة وتوجيه دواليب الاقتصاد.

كل هذا لا يمكن له ان يتحقق ولن يكون له فاعلية ما لم ينطلق من أساس المشكلة وهو : القَطعُ مع كل ما ساد الدولة خلال الفترات الماضية من استقالة شبه كاملة للدولة من مهامها التقليدية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ! فـ الدولة هي التي تتحمل الدور الأكبر في مواجهة كل أزمة تلحق بالاقتصاد ! ولا يمكن لها ان تستقر من دون سياسة اقتصادية مُحكَمة.

فلا يعقل ان تأخذ الدولة الجانب الحيادي وتترك الحبل على الغارب للشريحة الضخمة من مصّاصي الدماء ! وتفقد سلطتها أمام الشركات والبنوك معتمدة على روشتات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدول المانحة ،،،،، فـ وجود السوق الحر لا يلغي الحاجة إلى تدخل الدولة ! والاقتصاد الحر لا يضمن الكفاءة ويحقق أفضل النتائج إلا من خلال آليات ضبط مُحكمة ( تقل وتكثر حسب كل حالة ).

وهذا ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية عندما تبنّت الولايات المتحدة الأمريكية نظريات عالم الإقتصاد البريطاني John Keynes لتصحيح التشوهات والاختلالات الهيكلية بتدخلها لمنع الشركات والبنوك من الإضرار و السطوة والهيمنة على مقاليد الاقتصاد بهدف منع الاحتكار وحماية المنافسة.

ولتأمين رؤية متوازنة لدور الدولة الذي غاب طويلاً في قيادة وتوجيه الاقتصاد علينا ان نَعرف أن سير الاقتصاد في الأردن صار عسيراً للهضم ومعقد لدرجة ان خبراء الاقتصاد كالعميان يقودون العميان ! ولا يعرفون سوى القليل عن كيفية سيره ،،، وحتى تقرير مؤسسة الائتمان الدولية Moodýs الأخير برفع درجة الأردن من B1 إلى B3 لن يكون له انعكاس ملموس على حياة المواطن مهما كانت طبقته الاجتماعية ! فـ صدوره بهذا الوقت جاء لحماية مصالح الدائنين ،، وتشجيع الحكومة على المزيد من الاقتراض والاستدانة ،،، وهنا نسأل السؤال التالي : كيف يسير الاقتصاد في الأردن ؟ ومن الذي يمسك زمام الأمور في يديه ؟ وأين هو دور الدولة في اقتصاد السوق الحر ! وما هي حدود هذا الدور ؟ وأي المعايير يمكن استخدامها لقياسه ؟

لن نندهش ولن نصاب بالقلق ! فقد تحولنا إلى دولة حارسة مجرّدة من جوانبها الاجتماعية اقتصرت مهامها على الأمن والدفاع والقضاء والجباية وفرض الرسوم لحماية الطبقات الكمبرادورية والاولغاريشيات ومصالحها والشركات والبنوك … الخ ! حيث أصبح الحديث عن الإصلاحات الاقتصادية وعن معدل نمو الاقتصاد فارغاً من مضمونه من كثرة ترديده واستهلاكه ،،، لكن الملاحظة المزعجة التي يستدعي الانتباه إليها هي : أن آلية الإنكار ما زالت تعمل حتى اليوم وفتح باب النقاش حول السياسات والاتفاقيات الاقتصادية التي وُقّعت سابقاً يبدو مخنوقاً وغير مرغوب فيه ،،، وعلى الرغم ان هناك تابوهات كثيرة ! لكن بات من المستحيل غضّ الطرف عما نراه من دكتاتورية من بيدهم مقاليد الاقتصاد !

بالتأكيد نحن بحاجة إلى جُرأة في توصيف المشهد الاقتصادي والاجتماعي الداخلي على حقيقته للحفاظ على الاستقرار الداخلي ،،، فالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي داعم للاستقرار السياسي الذي يرتكز على القرارات الاقتصادية والسياسات المالية والنقدية المتوازنة ، والإصلاح اياً كان نوعه يتطلب جرأة سياسية !

للأسف ،،، خبراء الإصلاح الاقتصادي في الأردن مُصابون بالعمى لأنهم لا يدركون حجم المشكلة القادمة ولا يستوعبون ان الوضع الاقتصادي الذي نمرّ به اليوم هو الأصعب منذ عقود ،،،،، وعلى الرغم من أننا ضربنا أرقاماً قياسية في تشكيل الحكومات وفي هندسة البرلمانات !! إلا أننا عجزنا عن بناء اقتصاد يناسب حجمنا ، لا يعتمد على الاستدانة والاقتراض ،،،،،، فغالبية الحكومات المتعاقبة قفزت عن الجدار ، وتكلّس فكرها الاقتصادي ، ولم يكن لديها نظرة مستقبلية للأجيال القادمة ! حيث تعمّدت إبقاء الأردن في مستنقع الديون و الكساد التضخمي ! والحُجة كما يُقال والعهدة على من قال هي : تعدد مرجعيات الملف الإقتصادي !

أزمات الأردن تسير بوتيرة أزمة تولّد أزمة ، وجميع المسؤولين يتحدثون من ميكروفون واحد وحنجرة واحدة ! ويطلبون من الجميع الإنصات إليهم ،،، الوقت لا ينتظر احد ، ولسنا أكثر من شهود على مراحل صعبة مَضت ومرحلة قادمة أكثر خطورة ….. تَعبنا ونحن نقول لكم أنظروا حولكم.

المهندس البطاينة نائب سابق في البرلمان الاردني