الرئيسية / أخبار / ترامب يُشهر سلاح «الحصار الاقتصادي الساحق» ضد إيران وشركائها وخاصة الصين

ترامب يُشهر سلاح «الحصار الاقتصادي الساحق» ضد إيران وشركائها وخاصة الصين

محمد نون

قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغيير دفة الحرب على إيران من الضربات العسكرية المباشرة إلى ما وصفه بـ«الإنزال الاقتصادي الساحق»، ضد طهران وشركائها التجاريين، وكل من له نشاط اقتصادي مع إيران على مستوى دول المنطقة والعالم، ما ينذر بامتداد المواجهة الاقتصادية إلى دول أخرى.

هذه الخطوة وصفتها طهران بأنها غير شرعية وتمثل إرهابا اقتصاديا، فتوعدت القوات المسلحة بـ «ردّ متعدد الأبعاد: واسع وساحق ومؤلم ومدمّر».
وبدت الإدارة الأمريكية واثقة بأن فرضها لـ «أقسى العقوبات المالية في التاريخ»، سيؤدي إلى استسلام إيران والإطاحة بالقيادة الإيرانية.
وقال وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت لشبكة سي.إن.بي.سي «سنسقط هذا النظام. حان الوقت لحلفائنا وبقية العالم لاتخاذ قرار»، واصفا الحصار البحري الذي أعيد فرضه على ‌إيران في تموز/يوليو وأقسى العقوبات في التاريخ بأنهما «ضربة مزدوجة».
وقال إنّ «أي دولة تحافظ على رابط مع طهران ستدفع باقتصادها نحو الهاوية، سواء كان ذلك الرابط طوعيا أو تتعمد غضّ البصر عنه».
وجاءت مواقف بيسنت لتضاف إلى التهديد الذي أطلقه رئيسه ترامب عندما حذّر من عواقب اقتصادية على أي دولة تقدم «أي نوع من الدعم الحيوي لإيران»، وهو موقف رأى فيه المتابعون لعلاقات إيران التجارية أنه يستهدف بشكل أساس الصين لكونها أكبر المستوردين للنفط الإيراني.
ويتعرض ترامب لضغوط داخلية لإنهاء الحرب، في وقت تقوض فيه أسعار الوقود المرتفعة معدلات التأييد له وتهدد فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بسيطرتهم على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر. وقال بيسنت إن الصين تحصل على نصف احتياجاتها من الطاقة من الخليج، ولذلك فمن المنطقي أن «تنضم إلى هذا المسار».
وأشارت بيانات شركة كبلر للتحليلات لعام 2025 إلى أن الصين اشترت أكثر من 80 في المئة من شحنات النفط الإيراني. لكن تصعيد الولايات المتحدة للحرب الاقتصادية مع بكين، التي خففت قيودا سابقة على صادراتها من المعادن الأرضية النادرة الحيوية، ينطوي على خطر اتخاذ إجراءات انتقامية.
وقالت السفارة الصينية في واشنطن إن «العقوبات والضغوط لا تساعد في حل المشكلة»، داعية إلى اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية.
وينطوي تشديد العقوبات على مخاطر أخرى، لا سيما بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج، إذ تعرضت بعض منشآتهم للطاقة ومحطات تحلية المياه التي يعتمدون عليها للحصول على مياه الشرب لهجمات إيرانية.
والثلاثاء، أعلنت الإمارات، حليفة واشنطن، والتي تعد من أبرز الشركاء التجاريين لإيران، أنها قطعت التبادل التجاري والمالي معها، ويبدو أن القرار الإماراتي جاء بعد طلب أمريكي في ظل تشديد العقوبات على طهران.
إلا أن إيران رأت في خطوة ترامب وإدارته في العقوبات الاقتصادية التي لا مثيل لها في التاريخ «عجزا عن المواجهة العسكرية المباشرة». وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يوم الجمعة، إن واشنطن خلصت على ما يبدو إلى أنها غير قادرة على حسم المواجهة العسكرية المباشرة. واتهم الولايات المتحدة وإسرائيل باللجوء إلى ما وصفه بحرب اقتصادية و«معرفية». لكنه أقر، في حديثه إلى رجال أعمال إيرانيين وعراقيين الخميس، بالضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني. ونقلت عنه وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» قوله «مهما كانت قوتنا العسكرية، فلن نصمد إذا كان الناس جائعين ولم تكن لدينا دورة مالية ونمو اقتصادي وإنتاج وطني».
كذلك ردّت وزارة الخارجية الإيرانية باتهام واشنطن بممارسة «الإرهاب الاقتصادي». وقالت في بيان إنّ المسؤولين عن العقوبات «يستحقون المحاكمة والعقاب على ارتكاب مثل هذه الجرائم الشنيعة». وردا على ذلك، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الخطة «محكومة بالفشل». وقال في منشور على إكس إنّ الإجراءات الأمريكية الأخيرة ليست «إلا تشتيتا للانتباه عن أزمة أمريكا نفسها: ديون غير مسبوقة وارتفاع تكاليف الفائدة»، مضيفا أنّ «التمسّك بسياسات فاشلة لن يجلب سوى هزيمة إضافية (لواشنطن) وعداء من الإيرانيين».
أما القيادة العسكرية الإيرانية فقالت إن ردها على أي تهديدات أمريكية جديدة سيكون «مدمرا».
وقال الميجر جنرال علي عبد اللهي رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية إن رد فعل الجمهورية الإسلامية سيكون واسع النطاق وحاسما. ونقلت عنه وسائل إعلام رسمية قوله إن «القوات المسلحة الإيرانية، بما تمتلكه من جاهزية على المستويات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي والفضاء السيبراني، سترد على أي تهديدات جديدة من جانب العدو بردود ساحقة ومؤلمة ومدمرة».
لكن هذا الوعيد لم يحجب الأصوات الإيرانية المنادية بوقف الحرب، فقد دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الجمعة إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة فورا حيث إن إيران هي «في موقع قوة»، كما قال.
وقال بزشكيان في تصريحات أدلى بها خلال لقاء مع أطباء في طهران «من الأفضل إنهاء الحرب اليوم، بينما نحن في موقع قوة وكرامة، وفيما يقرّ العالم بأسره بانتصارنا ويؤكد أن أمريكا هاجمت مدارسنا ومستشفياتنا ومنشآتنا في انتهاك لكل القواعد، وهي مكروهة عبر العالم».
وبعد توقيع واشنطن وطهران الاتفاق الرامي لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، قال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية مجتبى خامنئي إنه وافق عليه رغم أنه «من حيث المبدأ، كانت لديّ وجهة نظر مختلفة».
كذلك، انتقد مسؤولون إيرانيون آخرون، بينهم أعضاء في البرلمان، مذكرة التفاهم واتهموا الحكومة بتقديم تنازلات لواشنطن، خصوصا في ما يتعلق بالملاحة في مضيق هرمز.
لكن بزشكيان دافع عن مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة بعد مفاوضات شاقة، مؤكدا أن «ما تحقّق خلال المفاوضات كان إنجازا كبيرا، صادق عليه المجلس الأعلى للأمن القومي». وأضاف أنه لا يمكن العثور في مذكرة التفاهم على «بند واحد يشير إلى استسلام… كل الالتزامات تتعلق بالطرف الآخر».
وجاء ارتفاع أسعار النفط يوم الجمعة ليشكل أولى نتائج تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عقوبات اقتصادية على الشركاء التجاريين لإيران، ما عزز التوقعات بنقص في الإمدادات في الأسابيع المقبلة.
وقال كريسبوس نياجا محلل الأبحاث في إمباير إف.إكس «قد يكون التأثير الفوري على المعروض محدودا، لأن الصادرات الإيرانية مقيدة بشدة بالفعل بسبب الحصار البحري الأمريكي».
وتابع «لكن زيادة حوادث الشحن والرد على العقوبات الاقتصادية قد يفاقمان الوضع الحالي في وقت لا تزال فيه حركة عبور مضيق هرمز أقل بكثير من المستويات العادية».
وزادت الأسعار بسبب المخاوف من استمرار تقليص الإمدادات من كبرى الدول المنتجة للنفط مثل السعودية، والعراق والإمارات والكويت، وجاءت الأخبار السلبية لتقلص إمدادات النفط العالمية أيضا من أوكرانيا حيث قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الجمعة إن الجيش الأوكراني ضرب خلال الليل مصفاة نفط روسية في مدينة بيرم، على بعد أكثر من 1600 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية.
وانتهى سريان الاتفاق السابق بين الولايات المتحدة وإيران يوم 17 أب/أغسطس 2026 بعد انتهاء مهلة الشهرين التي كان من المفترض أن يتم التوصل خلالها إلى اتفاق نهائي بموجب مذكرة التفهم التي تم توقيعها في حزيران/يونيو الماضي.
وتضمنت مذكرة التفاهم المؤقتة ترتيبات لوقف العمليات العسكرية واستعادة حركة السفن عبر مضيق هرمز، إلى جانب مهلة للتفاوض على اتفاق أوسع.
إلا أن التفاهم تعثر لاحقا وسط خلافات بشأن تنفيذ بنوده ومستقبل الملاحة في المضيق، فيما أعلنت واشنطن في تموز/يوليو الماضي انتهاء الاتفاق، وبعد ذلك أعلنت طهران تعليق العمل به.
عُمان وإيران والملاحة في هرمز
وفي ظل الضغط الأمريكي المتزايد على طهران لفتح مضيق هرمز، لا تزال حركة الملاحة عبر المضيق عند مستويات متدنية بشدة مقارنة بما قبل اندلاع الحرب، وسط استمرار المخاطر الأمنية والهجمات التي تستهدف سفنا في المنطقة.
والجمعة، أفادت تقارير، نقلا عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، بأن حركة العبور عبر مضيق هرمز لا تزال أقل بنحو 90 في المئة من مستويات ما قبل الحرب.
ومنتصف آب/أغسطس الجاري، ذكرت الهيئة بأن الحركة سجلت 17 في المئة من متوسط ما قبل الحرب خلال أسبوع، بعدما هبطت إلى 4 في المئة في الأسبوع السابق.
وأظهرت بيانات شركة كبلر أن سبع سفن سلع عبرت مضيق ‌هرمز الخميس، وهو ما يمثل نصف العدد المسجل في اليوم السابق.
وتتعارض هذه الحقائق مع ما يعلنه الرئيس الأمريكي من أن كميات هائلة من النفط تعبر مضيق هرمز وتصل إلى نصف ما كان عليه الوضع قبل الحرب.
كذلك فإن واقع الملاحة شبه المتوقفة في المضيق، ما زال رهينا لإنجاز اتفاق إيراني عماني، وهو ما بحثه وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، ونظيره الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، وأكدا أهمية مواصلة المباحثات للتوصل إلى تفاهمات عملية تدعم استئناف حرية الملاحة وانسيابها.
جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين الوزيرين، وفق وكالة الأنباء العمانية، في ظل استمرار تعثر الملاحة عبر المضيق والتوتر بين إيران والولايات المتحدة.
وقالت الوكالة إن الوزيرين بحثا «آخر المستجدات الإقليمية، وسُبل تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار والتفاوض، بما يُسهم في تقريب وجهات النظر، والتوصّل إلى معالجات سلمية للقضايا العالقة، تراعي مصالح جميع الأطراف».
وتأتي مباحثات الوزيرين بعد إعلان طهران، في 5 آب/أغسطس الجاري، توصلها مع مسقط إلى تفاهم بشأن الإحداثيات الجغرافية لممر ملاحي مقترح لعبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز.
وينتظر العالم حدوث انفراج لتلك الأزمة لكن مع الحرص على عدم التورط فيها، وفي هذا السياق قال بيان صادر عن القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي الجنرال أليكسيس غرينكويتش إنه ‌عقد اجتماعا عبر الفيديو في وقت سابق من الأسبوع لتسهيل المساهمات المحتملة لدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، مضيفا أن هذه ليست من مهام الحلف.
وذكر بيان رسمي يوم الجمعة أن» القيادة العليا لقوى الحلف في أوروبا استضافت اجتماعا للحلفاء المعنيين على مستوى قادة الدفاع يوم الأربعاء 19 آب/أغسطس 2026 بهدف تسهيل المساهمات المحتملة لدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز». وأضاف «للتوضيح، هذه ليست من مهام الحلف، لكن بالنظر إلى نقاط القوة الفريدة التي يتمتع بها الحلف في قدرته على جمع الحلفاء وفهم القدرات التي يمتلكونها، من المنطقي أن يعمل على تيسير الأمور بهذه الطريقة». وسعى ‌أعضاء الحلف إلى تجنب التورط المباشر في الصراع مع إيران، وركزوا ‌في المقابل على خطط لإعادة فتح المضيق.
وقادت فرنسا وبريطانيا جهودا بهدف تشكيل تحالف يضم حوالي 12 بلدا لضمان المرور الآمن عبر المضيق بمجرد أن تهدأ التوترات أو يحل الصراع، لكن أي ترتيب طويل الأمد سيتطلب في النهاية موافقة إيران.
وتتواصل أيضا الاتصالات الإقليمية لاحتواء الأزمة المتصاعدة، حيث بحثت السعودية والعراق، يوم الجمعة، الجهود المبذولة «لدعم أمن الطاقة واستقرار الإمدادات».
جاء ذلك خلال لقاء وزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان، ووزير المالية محمد الجدعان، في العاصمة الرياض، مع وزير النفط العراقي باسم محمد خضير العبادي، ووزير المالية فالح ساري عبداشي، وفق ما أوردته وسائل إعلام سعودية نقلا عن بيان رسمي.
وجرى خلال اللقاء «بحث الموضوعات ذات الاهتمام المشترك بين السعودية والعراق، وتعزيز فرص التعاون في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين».
وأكد وزير النفط العراقي، حرص بلاده على تعزيز العلاقات والتعاون المشترك مع محيطها الإقليمي، ولا سيما مع السعودية، وفق بيان لوزارة النفط العراقية.
وقال العبادي، إنه بحث مع المسؤولين السعوديين العلاقات الثنائية، والتعاون المشترك بين البلدين، والتنسيق على أعلى المستويات، وفتح آفاق التعاون المشترك في مجال الغاز، والطاقة، والكهرباء بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين.
وسعى العراق الذي تؤمن مبيعات نفطه الخام نحو 90 في المئة من إيراداته، إلى زيادة إنتاجه النفطي ليصل معدّله اليومي خلال ستة أعوام إلى ما بين 9 و10 مليون برميل، وفق ما قال رئيس الحكومة علي الزيدي يوم الجمعة الماضي.
والعراق عضو مؤسس في «أوبك»، وقد طالب المنظمة مؤخرا برفع حصته من إنتاج النفط جراء حرب الشرق الأوسط التي انعكست أضرارا اقتصادية بالغة عليه منذ أن أغلقت إيران مضيق هرمز الذي كانت تمرّ عبره معظم الصادرات النفطية العراقية.
وقبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كان العراق يُنتج نحو أربعة ملايين برميل من النفط يوميا، ويصدّر ما معدله 105 ملايين برميل شهريا معظمها من البصرة في جنوب البلاد، عبر مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة عالميا.
إلا أن إغلاق إيران الممر المائي اضطرّ العراق إلى وقف الإنتاج في معظم حقوله بعدما امتلأت الخزانات، واللجوء إلى التصدير بكميات محدودة عبر سوريا من خلال شاحنات الصهاريج، وعبرتركيا من خلال خط أنابيب إلى ميناء جيهان. وبعد تراجع حادّ في الصادرات النفطية العراقية عقب إغلاق مضيق هرمز، عادت لترتفع قليلا لتسجّل في تموز/يوليو نحو 49 مليون برميل مرّت أكثر من 30 مليونا منها عبر مضيق هرمز.
وفي النصف الأول من آب/أغسطس، صدّر العراق ما معدّله مليونَي برميل من النفط يوميا، وهو المستوى الأعلى منذ بدء حرب الشرق الأوسط.
ودعا رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي الأربعاء نظيره الإيراني محمّد باقر قاليباف، إلى أن «تكون للعراق خصوصية في ما يتعلق بتصدير النفط عبر مضيق هرمز».
ويعتمد العراق إلى حدّ كبير على العملات الأجنبية الناتجة عن مبيعات النفط، لتمويل الواردات وتحقيق استقرار الدينار ودفع رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين، والذين يشكّلون نحو 20 في المئة من السكان الذين يزيد عددهم عن 46 مليونا.